مركز رؤية السهم
عدد مرات النقر : 3,923
عدد  مرات الظهور : 32,097,913

عدد مرات النقر : 15,979
عدد  مرات الظهور : 86,057,526
فقط من اي متصفح في الموبايل ادخل رابط المنتدى..المنتدى متوافق مع الموبايل
عدد مرات النقر : 28,697
عدد  مرات الظهور : 155,856,127
عدد مرات النقر : 1,680
عدد  مرات الظهور : 26,256,484

عدد مرات النقر : 21,761
عدد  مرات الظهور : 186,822,107
عدد مرات النقر : 1,665
عدد  مرات الظهور : 177,014,462

المستوى الأول:

مخلص حاتم عوده}{اصوال الفقه}

يارب فرجك
جامعي متميز
تاريخ التسجيل: Sep 2012
المشاركات: 150
  • يارب فرجك غير متواجد حالياً
قديم 11-02-2013, 06:32
المشاركة 1
نشاط يارب فرجك
  • التقييم: 10
  • الاعجاب :
  • مفضلتي
    افتراضي مخلص حاتم عوده}{اصوال الفقه}
    بسم الله الرحمن الرحيم


    المملكة العربية السعودية
    جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
    المستوى الأول - كلية الشريعة
    نظام الانتساب المطور
    مادة أصول الفـــــــــــــقه
    لعام 1430/1431




    س1- حول ماذا يدور منهج أصول الفـــــقه؟
    ج1- يدور حول أربعة أمور هي:
    1- المقدمة التعريفية بعلم أصول الفقه 2- الحكم الشرعي ومباحثه
    3- التكليف ومباحثه 4- الحكم الوضعي

    س2- ماذا يتضمن المقدمة التعريفية بعلم أصول الفقه؟
    ج2- على خمسة كتب:
    1- تعريف علم أصول الفقه 2- فوائده وغايته
    3- حكمه 4- واضعه
    5- نشأته وطرق تأليفه

    س3- عرف أصول الفقه باعتباره مركب المقصود بتركيب الكلمتين ونبدأ بتعريف ( أصول) لغة؟
    ج3- الأصول لغة : جمع أصل وهو يطلق على معاني متعددة منها أسفل الشيء , ومنها ما يستند وجود الشيء إليه ، ومنها ما يتفرع عنه غيره , ومنها ما ينبني عليه غيره , ومنها منشأ الشيء. ولا تعارض بينها والأصوليون يهدفون من ذلك إلى وضع تعريف جامع
    * أولى هذه التعابير بالاعتبار ما يـبـتنى عليه غيره.
    لكون أكثر كتب الأصول اعتمدت هذا التعريف لأنه اقرب المعاني اللغوية ولأن أسفل الشيء وأساسه هو ما يبنى عليه البناء

    مهــــــــــــم:ولابد أن نستصحب تعريفها في اللغة عندما نريد أن نعرف هذا اللفظ في الاصطلاح

    س4- أذكر الأصل في الإصطلاح , لفظ الأصل في الإصطلاح ورد في عدة معاني ,أذكرها؟
    ج4- 1- الدليل : ومنها قولهم الأصل في ذلك الكتاب والسنة
    2- القاعدة الكلية : كقولهم الضرورات تبيح المحظورات أصل من أصول الشريعة أي قاعدة من قواعدها.
    3- الراجح : كقولهم عند التعارض الحقيقة والمجاز فالحقيقة هي الأصل أي أنها الراجحة عند السامع .
    4- المستصحب : كقولهم من تيقن الطهارة وشك في الحدث أو شك في زوالها فالأصل
    الطهارة أي المستصحب الطهارة.
    6- الصورة المقيس عليها : وهي ما تقابل الفرع في باب القياس ومنه قولهم الخمر أصل النبيذ في الحرمة أي إن الحرمة بالنبيذ متفرعة عن حرمة الخمر بسبب اشتراكهما في العلة وهي الإسكار

    س5- ما العلاقة بين التعاريف الاصطلاحية للأصل والتعريف اللغوي المعتمد الراجح؟
    ج5- أن الأصل هو ما يبنى عليه غيره فهذه المعاني الخمسة ترجع إلى هذا المعنى علل؟ لأن جميع المعاني فيها معنى ( الابـتـناء (
    1- فالدليل يبنى عليه الحكم
    2- القاعدة تبتنى عليها الفروع الجزئية
    3- الراجح يبتنى عليه المرجوح
    4- المستصحب تبتنى عليه حالة الشك
    5- الصورة المقيس عليها تبتنى على حكمها حكم الفروع وهكذا

    س6- عرف الفقه لغة؟
    ج6- من أشهر تعاريف الفقه عند العلماء باللغة: الفهم مطلقا

    س7- عرف الفقه اصطلاحا؟
    ج7- له عدة تعاريف ومن أشهرها
    والذي عليه أكثر العلماء :
    هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية , وهذا التعريف اشتهر عند الشافعية وتناقله العلماء بعد ذلك باعتباره أشهر التعاريف وأكثرها قبولاً عند المتآخرين




    س8- ما المقصود بـ ( العلم - الأحكام – الشرعية – العملية - أدلتها – التفصيلية ) ؟
    ج8- والمقصود بالعلم ( في التعريف المختار ) هنا :هو مطلق الإدراك سواء كان قطعيا أو ظنيا
    وقولنا الأحكام فهذا قيد يخرج ما ليس بأحكام كالذوات والصفات والأفعال فالأحكام جمع حكم وهو إسناد أمر إلى آخر سواء إيجاب أو سلبا كإدراك ثبوت وجوب الزكاة في قولنا الزكاة واجبه
    وقولنا الشرعية هذا قيد ثان في التعريف يخرج الأحكام غير الشرعية كالعلم بالأحكام الحسابية والهندسية وغيرها مما ليس شرعا،وقولنا شرعية أي منسوبه إلى الشرع بمعنى أنها مستفادة من أدلة الشرع
    وقولنا العملية :هذا قيد ثالث في التعريف يشمل الأحكام الشرعية بصورة عامه ليخرج الأحكام الاعتيادية فإن الفقه مخصوص بالأحكام العملية المتعلقة بالعمل لا المتعلقة بالاعتقاد.
    وقولنا من أدلتها هذا قيد يخرج ما علم من غير دليل وأيضا يخرج علم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يستفده من الأدلة وإنما تلقاه من طريق الوحي كما يخرج بهذا القيد علم المقلد الذي لم يجتهد في تحصيل الأحكام من الأدلة
    وقولنا التفصيلية هذا قيد يخرج الأدلة الإجمالية الكلية التي لا تتعلق بشيء معين كمطلق الأمر ومطلق الإجماع
    ومطلق القياس فالبحث في هذه الأدلة الإجمالية ليس من شأن الفقيه وإنما من شأن الأصولي أو علماء أصول الفقه .
    فالأدلة التفصيلية المرادة بتعريف الفقه هي آحاد الأدلة التي يدل كل منها على حكم بعينه يتعلق بفعل من أفعال العباد كقوله تعالى {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ }البقرة43
    وقوله {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى }الإسراء32وقوله {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ }الإسراء33
    وعلى هذا يكون تعريف الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية باعتباره تعريفا مقبولا في الاصطلاح .

    س9- عرف الفقه باعتباره لقبا؟
    ج9- تعددت تعاريف العلماء لأصول الفقه ومن أهم هذه التعريفات
    ما ذكره ابن الحاجب رحمه الله الذي عرف أصول الفقه بأنه : "العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية" وهو أشهرها.
    وكذلك من أشهر التعريفات باعتباره لقبا ً على علم معين
    : تعريف القاضي البيضاوي الذي عرف أصول الفقه بأنه :معرفة دلائل الفقه إجمالا ً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد وهذا التعريف نقله عن تاج الدين الأرموي
    وأيضا من تعريفاته تعريف أبي إسحاق الشيرازي الذي قال في أصول الفقه: هو الأدلة التي يبنى عليها الفقه وما يتوصل بها إلى الأدلة على سبيل الإجمال
    وأيضا تعريف أبي حامد الغزالي : بأنه عبارة عن أدله الأحكام الفقهية وعن معرفة دلالتها على الأحكام من حيث الجملة لا من حيث التفصيل
    وأيضا ً من تعريفات أصول الفقه تعريف أبي الخطاب قال :الأدلة والطرق ومراتبها وكيفية الاستدلال بها
    هذه جملة من التعريفات لعلم أصول الفقه

    س10- ما المشهور من تعار يف الفقه لقبا؟
    ج10- ما ذكره ابن الحاجب رحمه الله الذي عرف أصول الفقه بأنه : "العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية"

    مهــــــــــــــــم جدااااااا:
    أولا ً : أن النظر في أصول الفقه هل هي القواعد أو الأدلة ذاتها أم أنها العلم بهذه الأدلة ينبني عليه اختلاف هذه التعريفات فمن هذه التعريفات ما اتجه إلى تعريف أصول الفقه بأنه بالقواعد أو الأدلة أو معرفتها أو إدراكها وهذا يسمى تعريف بالمعنى الوصفي .
    ومن هذه التعريفات ما اتجه إلى تعريف أصول الفقه بأنه القواعد والأدلة وهذه التعريفات تسمى بالمعنى الاسمي .
    الخلاصة :أن هذه التعريفات اتجهت اتجاهين بحسب النظر إلى التعريف الاسمي أو التعريف الوصفي
    ثانيا ً : أن موضوع العلم يختلف عن العلم نفسه فالعلم هو بيان أحوال الموضوع و معرفة العلم تختلف عن العلم نفسه وعلى هذا فإن الأدلة التي قيل إنها موضوع علم أصول الفقه لا يصح أن تؤخذ في تعريفه إذ العلم ليس الأدلة بل أحوال هذه الأدلة أو أعراضها الذاتية وعلى هذا فإن تعريف الأصول بأنها الأدلة أو طرقها أو معرفتها لا يستقيم لأن موضوعات العلم ليست العلم نفسه .
    ثالثا ً : يلاحظ على هذه التعريفات أن بعضها فيها زيادات أو تفاصيل على ما هو شائع بين الأصوليين فمثلا ً تعريف البيضاوي الذي أضاف إلى معرفة الأدلة كيفية الاستفادة منها وحال المستفيد مثل هذه الزيادات يفهم منها أنها داخله في موضوع أصول الفقه مع أن بعض العلماء نصوا على أنها ليست من علم الأصول . وبناء على ما سبق فإننا نصل إلى تعريف مختار من هذه التعريفات السابقة فنأخذ الأمور المشتركة بين التعاريف السابقة و نهمل ما فيه مجال للجدل والنقاش وبناء على ما تقدم فإننا يمكن أن نختار تعريفا ً نرجح فيه القول بأن أصول الفقه باعتباره لقبا ًهو :

    القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة
    وشرح هذا التعريف على النحو الآتي :
    قولنا القواعد جمع قاعدة والقاعدة في اللغة : الأساس وقاعدة كل شيء أساسه
    اصطلاحا ً : القاعدة هي حكم كلي ّ ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منه كقولنا : كل أمر للوجوب هذه القواعد مما توصل إليه علماء الأصول عن طريق استقراء ما ورد في الأدلة الإجمالية وبيان ذلك أن الأصولي كي يستنبط قاعدة ً ما فإنه يأخذ شيئا ً مما ورد في الأدلة الإجمالية كالكتاب والسنة والإجماع فمثلا ً يستقرئ أدلة النهي وما ورد في هذه الصيغة في الكتاب والسنة وما ورد في مدلولها في حال القرائن وفي حال التجرد من القرائن مستعينا بما قرره علماء اللغة وفهمه الصحابة فيتوصل بذلك إلى قاعدة ٍ أصوليه تفيد أن النهي يفيد التحريم وبذلك تصبح هذه القاعدة قانونا ً عاما ً يندرج تحته جزئيات كثيرة كتحريم الزنا والسرقة والخيانة وأكل المال بالباطل ونحو ذلك ثم تأتي وظيفة الفقيه فيأخذ هذه القواعد التي أغناه الأصولي عن التوصل إليها ويطبقها على الجزئيات
    وقولنا في التعريف التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام يعني التي يتحقق بها الوصول إلى استنباط الأحكام وبهذا القيد تخرج القواعد التي يتوصل بها إلى هدم الآراء وهو ما يعرف بعلم الجدل كما تخرج بذلك القواعد الموضوعة للتوصل بها إلى حفظ الأحكام المختلف فيها بين الأئمة فيهدمها المخالف وهذا ما يعرف بعلم الخلاف وبهذا القيد خرجت القواعد التي لا يتوصل بها إلى الأحكام الشرعية سواء كانت هذه القواعد لا توصل إليها أصلا ً كقواعد الحساب ونحوها أو كانت توصل إلى الأحكام الشرعية لكن بطريق بعيد كقواعد اللغة العربية التي لا غنى عنها في استنباط الحكم الشرعي ولكنها توصلنا لذلك عن بعد أي بالوساطة وليس مباشره فقواعد اللغة العربية نتوصل بها

    إلى معرفة الألفاظ وكيفية دلالتها على معانيها الوضعية وبواسطة ذلك نقدر على استنباط الأحكام من أدلتها كالكتاب والسنة والإجماع ولكن ذلك بطريق غير مباشر ولذلك لا تدخل في قواعد أصول الفقه .
    وقولنا في التعريف الأحكام الشرعية أو العلم بها فهذا هو الفقه واستعملوا كلمة الفقه واستغنوا بها عن استعمال الأحكام الشرعية فهذه الأحكام استخراجها والتعرف عليها هو وظيفة الأصولي.
    وقولنا في التعريف الأدلة فهذا جمع دليل وهو في اللغة المرشد أو ما يحصل به الإرشاد وأما في الاصطلاح.
    فورد باصطلاح الفقهاء بمعنى ما فيه دلالة ٍ وإرشاد سواء كان موصلاً إلى علم أو ظن ومعنى هذا فإن الدليل عند الفقهاء هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري إلا أن الأصوليين يفرقون بين ما أوصل إلى العلم وما أوصل إلى الظن وهم لا يطلقون اسم الدليل إلا على ما أوصل إلى العلم أما ما أوصل إلى الظن بمطلوب خبري كوجود النار بوجود الدخان فإنهم لا يسمونه دليلا وإنما يطلقون عليه اسم الأمارة بينما الفقهاء يسمون الجميع دليلا ومعنى ذلك أن الإطلاق الفقهي للدليل أعم من الإطلاق الأصولي إلا أن أبا إسحاق الشيرازي رحمه الله قد خطَّأ هذا الرأي القائل بقصر الدليل على ما أوصل إلى العلم دون ما أوصل إلى الظن عند الأصوليين و ذلك لأن العرب لا تفرق في التسمية بين ما يؤدي إلى العلم أو الظن ولذلك لم يكن لهذا الفرق وجه عنده وأيضا ً ذكر هذا وأستنكره القاضي أبو يعلى رحمه الله فخطَّأ هذا أيضا ً وقال وهذا غير صحيح لأن ذلك اسم لغوي وأهل اللغة لا يفرقون كما أن الدليل هو المرشد وما يفيد الظن مرشد فوجب أن يكون دليلا فعلى كل حال فإن أكثر الأصوليين على أن الدليل هو الموصل بصحيح النظر إلى المطلوب سواء أفاد العلم أو الظن ولو حملنا الدليل على معناه اللغوي وهو المرشد لشمل جميع ما يتوصل به إلى المطلوب سواء كان مفيدا ً للعلم أو الظن ولخرجنا من إشكال تداخل المصطلحات واختلاف وجهات النظر بشأنها وبشأن الاختلاف بين الدليل والأمارة


    س11- ما مواضيع علم أصول الفقه التي ذكرها المدرس في هذه الحلقة؟
    ج1-1- أهمية التعرف على موضوع أي علم من العلوم وعلم أصول الفقه على وجه الخصوص
    2- بيان المراد بموضوع العلم
    3- أراء العلماء في موضوع علم أصول الفقه
    4- بيان الراجح في موضوع علم أصول الفقه

    الأول: أهمية التعرف على موضوع أصول الفقه
    أولا ً : أهمية التعرف على موضوع أصول الفقه أو أي علم من العلوم من
    1- طرق تمييز العلوم عن بعضها
    2- موضع الحدود الفاصلة فيما بينها إنما يكون ببيان موضوع ذلك العلم غير أنه ينبغي لنا لتحديد الموضوع الذي يبحثه هذا العلم أن نفهم ما يريده العلماء بموضوع العلم وذلك لنكون على بينة ٍ مما نتحدث عنه وليكون ذلك أدعى لتحديد الموقف مما قيل فموضوع أي علم من العلوم يقصد به ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية فمثلا ً بدن الإنسان هو موضوع علم الطب ولذلك لأنه يبحث فيه عن أحواله من حيث الصحة والمرض.
    والكلمة حيث موضوع علم النحو وذلك لأنه يبحث فيه عن أحوالها من حيث الإعراب والبناء ونحو ذلك والمقصود بالعوارض الذاتية أي الخارجة عن الشيء الذي يحمل عليه وكونها ذاتيه بمعنى أن منشئها الذات بأن تكون ملحقه بالشيء لذاته أو لجزئه أو بواسطة أمر خارج عنه مساوي له وفائدة التقييد بكون الأعراض ذاتيه هو الاحتراز عن الأعراض الغريبة وهي العارضة للشيء لأمر خارج عنه سواء كانت أعم منه أو أخص منه أو مباينة له وإذا تحدد لنا المراد بالموضوع وهو ما عبر عنه بقولنا ما يبحث فيه أو ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية فإننا نذكر بأن العلماء قد كانت لهم وجهات نظر متعددة في تعيين موضوع أصول الفقه اختلف الأصوليين في ذلك على عدة أراء:
    الرأي الأول : أن موضوع علم أصول الفقه هو الدليل الشرعي الكلي من حيث ما يثبت به من الأحكام الكلية
    فالأصولي مثلا يبحث بالقياس وحجيته والعام وما يفيده والأمر وما يدل عليه وهكذا فالقرآن الذي هو دليل شرعي لم ترد نصوصه على حال واحده بل منها ما هو بصيغة النهي ومنها ما ورد عاما ً أو مطلقا ً فهذه الأمور أي الأمر والنهي والعموم والإطلاق وسواها تعتبر من أنواع الدليل الشرعي العام الذي هو القرآن الكريم والأصولي يبحث في هذه الأنواع وما تفيده فهو بإستقراءه للنصوص يتوصل مثلا ً إلى أن الأمر يفيد الوجوب والنهي يعتبر التحريم والعام يتناول جميع ما يصلح له قطعا ًوأن المطلق يدل على ثبوت الحكم على إطلاقه وهكذا فالأدلة أو أنواعها أو ما يعرض لذاتها أو ما تركب منها هي موضوع علم أصول الفقه بناء ً على
    هذا الرأي وهذا رأي ٌ رآه الغزالي رحمه الله وتابعه على هذا الفهم عدد غير قليل من العلماء منهم الآمدي رحمه الله وكذلك كمال الدين ابن الهمام وتاج الدين ابن السبكي رحمهم الله جميعا ً

    ولعل رأي هؤلاء العلماء ومن ذهب مذهبهم مستند إلى أن مفهوم أصول الفقه
    هو القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام وهذه القواعد مصدرها الأدلة التي منها استنبطت فلا يكون غير الأدلة الكلية إلا تابعا ً لها فالمبحوث في هذا العلم على رأيهم هو أحوال الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية أما الأحكام الشرعية فهي ثمرة الأدلة وثمرة الشيء تابعة له ولذلك ليست من موضوع علم أصول الفقه.

    الرأي الثاني في موضوع هذا العلم :
    أن موضوع علم أصول الفقه
    هو الأحكام الشرعية من حيث ثبوتها بالأدلة وعلى هذا الرأي يكون موضوع علم أصول الفقه هو الأحكام التكليفية من وجوب وندب وحرمة وكراهة وإباحة, والأحكام الوضعية من سببية وشرعية ومانعية وصحة وبطلان وسواها ولا يبدو أن لهذا الرأي من حجة مقبولة في قصر الموضوع على الأحكام واستبعاد الأدلة والقواعد من موضوع هذا العلم ولهذا فإنه قد قل من نصر هذا الرأي .

    الرأي الثالث في موضوع هذا العلم : أن موضوع أصول الفقه هو الأدلة والأحكام وهذا الرأي ذهب إليه صدر الشريعة الحنفي رحمه الله فقال موضوع هذا العلم هو الأدلة الشرعية والأحكام إذ يُبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة الشرعية وهي إثباتها للأحكام وعلى العوارض الذاتية للأحكام وهي ثبوتها بتلك الأدلة
    ولهذا الرأي ذهب المحقق سعد الدين التفتازاني رحمه الله والإمام الشوكاني رحمه الله
    ووجهة نظر صدر الشريعة رحمه الله أنه لما كانت بعض مباحث علم أصول الفقه ناشئة عن الأدلة كالعموم والخصوص والإشتراك وبعضها ناشئ عن الأحكام ككون الحكم متعلقا ً بفعل هو عبادة أو معامله ولا رجحان لأحدهما على الآخر فالحكم على أحدهما بأنه موضوع وعلى الآخر بأنه تابع تحكم وهو باطل.

    الرأي الرابع في موضوع علم أصول الفقه : أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة والمرجحات وصفات المجتهد ولعل مستند هذا الرأي أن موضوعات علم أصول الفقه إنما هي ما يستفاد منها الفقه وإفادته تتوقف على أمور ثلاثة هي: الأدلة الإجمالية / المرجحات / و صفات المجتهد.

    أذا اختصارا للآراء الأربعة نقول:
    الرأي الأول:هو الدليل الشرعي :
    هذا الرأي وهذا رأي ٌ رآه الغزالي رحمه الله وتابعه على هذا الفهم عدد غير قليل من العلماء منهم الآمدي رحمه الله وكذلك كمال الدين ابن الهمام وتاج الدين ابن السبكي رحمهم الله جميعا ً
    الرأي الثاني: هو الأحكام التكليفية
    الرأي الثالث: هو الأدلة والأحكام
    وهذا الرأي ذهب إليه صدر الشريعة الحنفي رحمه الله ولهذا الرأي ذهب المحقق سعد الدين التفتازاني رحمه الله والإمام الشوكاني رحمه الله
    الرأي الرابع: هو الأدلة والمرجحات وصفات المجتهد

    س12- ماذا رجح أغلب العلماء من الآراء الأربعة لموضوعات علم أصول الفقه؟
    ج12- غير أن أغلب العلماء قد رجحوا الرأي الأول ( أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة)

    على اعتبار أن علم أصول الفقه إنما يبحث عن العوارض الذاتية للأدلة وأما الأمور الأخرى فإنها تأتي بالتبع نظراً لتوقف كثير من المباحث عليها حتى إن بعض من رجحوا أن موضوعه الأدلة والأحكام كيحيى الرهاوي رحمه الله اعترفوا بأن مباحث الأدلة أهم وأكثر وأن رأوا أن ذلك لا يقتضي الأصالة والاستقلال ,, وهنا أمر جدير بأن يتأمل وأن ينظر فيه وهو أيجوز أن يتعدد موضوع العلم الواحد أو لا يجوز , فإذا جاز تعدده فما هي مبررات ذلك وأسبابه , وإذا تأملنا الأقوال السابقة وجدنا فيها من يقول بالتعدد يتعدد موضوع العلم وأن ذلك جائز إذا كان هناك نوع تناسب بين الأمور المتعددة
    كما ورد ذلك في كلام ابن الهمام رحمه الله وأنه لا مانع من تعدد موضوع العلم الواحد إذا كانت له غاية واحده فالموضوع تابع للغاية التي توجد في الذهن، وعلى كل حال فإن أصول الفقه في حقيقة يبحث في أكثر من موضوع سواء كانت الموضوعات مقصوده أصالة أو تبعا , وحمل موضوع علم أصول الفقه على الحكم الشرعي من حيث بيان حقيقته وخواصه وأنواعه والحاكم من حيث الأدلة التي قامت أمارات على صدور حكمه والمحكوم عليه وأدله الاستنباط وهي الاجتهاد أولى بالاعتبار وذلك لشموله ما بحثـته كتب علماء الأصول على مختلف المذاهب ومعنى هذا أنه يجوز أن يكون موضوع علم أصول الفقه شاملا ً للأدلة والأحكام وموضوعات طرق الاجتهاد والاستنباط ومعنى هذا أن موضوعات أصول الفقه تأتي متنوعة فتشمل ما يتعلق بالأدلة وتشمل ما يتعلق بالأحكام الشرعية وتشمل ما يتعلق بطرق الاستنباط أو ما يسمى بدلالات الألفاظ وتشمل ما يتعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد وما يتعلق بها من مباحث وهذا في الراجح إن شاء الله في موضوع علم أصول الفقه أنه يمكن أن يكون متعددا ً وإذا تقرر المراد بموضوع علم أصول الفقه وآراء العلماء فيه والراجح في موضوع علم أصول الفقه وأنه يمكن أن يشمل هذه الأمور كلها فإننا يمكن أن نتساءل بعد ذلك عن أبرز مباحث هذا ا العلم ومسائله وذلك أن مباحث ومسائل علم أصول الفقه ذات صلة وثيقة بموضوعه لأن موضوعات المسائل والمباحث هي نفسها موضوعات العلم أو أنواعها أو أعراضها ولما كان موضوع علم أصول الفقه كما عرفنا هو ما يبحث فيه عن عوارضه أو عن الأحوال العارضة له فإن مسائله ومباحثه هي معرفة هذه الأحوال وكما أن بدن الإنسان هو موضوع علم الطب بسبب أنه يبحث فيه عن الأعراض اللاحقة له فكذلك أدلة الفقه التي هي موضوع علم الأصول وهي تعتبر من مباحث هذا العلم باعتبار أنها يُبحث فيها عن عوارضه التي تعرض له وبناء ً على هذا فإن مباحث هذا العلم ومسائله تختلف باختلاف وجهات النظر بتحديد موضوع علم أصول الفقه , فمن قصر موضوع علم أصول الفقه على الأدلة كانت مسائل ومباحث هذا العلم تتعلق بأحوال تلك الأدلة الشرعية ,ومن ضم إليها الحكم أضاف مباحثه إلى هذا العلم ومن زاد على ذلك زاد في مسائله بما يوازي تلك الزيادة , على أن النظر في كتب الأصوليين وتتبع ما ألفوه في هذا المجال يبين لنا أن واقع ما جروا عليه

    س13- أن مباحث مسائل هذا العلم تدخل ضمن الأمور الآتيةأذكرها؟ :
    ج13- أولا ً :- مباحث أحوال الأدلة الشرعية من حيث إثباتها للأحكام الشرعية وثبوت هذه الأحكام بها .
    ثانيا ً :- مباحث كيفية استخراج الأحكام من أدلتها مثل :
    المباحث التي ترجع إلى شروط الاستدلال كتقديم النص على الظاهر والمتواتر على الآحاد وبعض المبادئ اللغوية ودلالات الألفاظ بوجه عالم مما يعرف عندهم بأنها داخلة تحت أبواب التعارض والترجيح.
    ثالثا ً :- المباحث المتعلقة بالشخص الذي يستخرج الأحكام من الأدلة وهو المجتهد وما يتعلق به من مباحث الاجتهاد وشروطه بالإضافة إلى مباحث التقليد وشروطه التي تذكر في هذا العلم لكونها في مقابلة الاجتهاد
    رابعا ً :- أدخل بعض العلماء في مباحث أصول الفقه ما يتعلق بالمكلف من حيث أهليته للتكليف والعوارض التي تطرأ عليه وأكثر من تطرق إلى ذلك علماء الحنفية حتى أن كمال الدين ابن الهمام وهو من أشهر علماء الحنفية لم يستبعد أن يكون المكلف موضوعا ً لعلم أصول الفقه على رأي من أدخل الأحكام الشرعية في موضوع هذا العلم وواقع ما جرى عليه علماء الحنفية أنهم يعدون المكلف من موضوعات علم أصول الفقه وإن لم يصرحوا بذلك.

    وختاما ً يجدر التنبيه إلى أن الكتب المؤلفة في علم أصول الفقه تكشف في حقيقتها أن فيها موضوعات لا علاقة لها بأصول الفقه ولا صلة لها بمسائله ومباحثه أو أن لها صلة بها ولكن من وجه بعيد وقد يكون بعضها مذكورا ً على جهة الاستطراد وأول من نبه إلى ذلك أبو الحسين البصري حيث ذكر في مقدمة كتابه ( المعتمد في أصول الفقه ) أن الذي دعاه إلى تأليفه أنه سلك في شرحه بكتاب ( العُهد ) للقاضي عبد الجبار مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه وتكرار كثير من مسائله وشرح أبواب لا تليق بأصول الفقه من دقيق الكلام نحو القول بأقسام العلوم وحد الضروري منها والمكتسب وتوريد النظر ونفي توريده إلى غير ذلك كذلك الإمام الغزالي ذكر في بيان وجه تعلق المقدمة المنطقية بأصول الفقه أن المؤلفين حينما حدوا أصول الفقه بمعرفة الأدلة الأحكام , قالوا بضرورة التعرف على الأدلة والمعرفة أي العلم وقالوا أن العلم لا وصول إليه إلا بالنظر فشرعوا في بيان حد الدليل والعلم والنظر وانجروا إلى إقامة الدليل على إثبات العلم على منكريه وإلى إقامة الدليل على النظر على منكري النظر إلى غير ذلك من الأمور التي تجاوزوا بها حد علم أصول الفقه وخلطوه بما يعرف بعلم الكلام وهكذا فإن كل أصحاب صفة ٍ غلبت عليهم طبائعهم فأدخلوا فيه شيئا ً من فنونهم , وقد أشار الشاطبي في كتابه (الموافقات ) إلى شيء من هذا الإقحام الذي لا مبرر له ) وذكر أن اللازم " أن كل أصل يضاف إلى الفقه لا ينبني عليه فقه فليس بأصل له " وبنى على هذا آخراج كثير من المسائل التي تكلم عنها المتآخرون وأدخلوها في علم أصول الفقه مع أنها ليست منه مثل مسألة أمر المعدوم ومسألة لا تكليف إلا بفعل ومسألة ابتداء الوضع ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا وغير ذلك ,, وعطفا ً على ما تقدم

    فقد تقرر لدينا أن موضوع علم أصول الفقه قد اختلف فيه العلماء على آراء متعددة وبينا منها أن منهم من يرى أن موضوع علم أصول الفقه يكون مقتصراً على الأدلة ومنهم من ضم إلى ذلك الأحكام ومنهم من ضم إلى ذلك مباحث الاجتهاد والتقليد ومنهم من قصرها على الأحكام الشرعية, فقط وقررنا أن الراجح في ذلك أنه يمكن أن يشمل موضوع علم أصول الفقه تلك الأمور كلها فيكون شاملا ً للأدلة وشاملا ً للأحكام الشرعية وشاملا ً لمباحث الاجتهاد والتقليد وغير ذلك من الأمور التي تستلزمها هذه الموضوعات لعل
    هذا يقرر لنا اهتمام كثير من الأصوليين ببعض جوانب هذه الأمور على بعض وبعضهم قد يبدأ بمباحث الأدلة وذلك إشارة منه إلى أن هذا هو الموضوع الرئيس لعلم أصول الفقه وبعضهم من يبدأ بمباحث الأحكام وذلك إشارة منه إلى أن علم أصول الفقه يشمل الأحكام إلى جانب الأدلة وهكذا فتفاوتت مناهج الأصوليين في مؤلفاتهم في تناول هذه الموضوعات كما أشرنا فمنهم من توسع وألّم بهذه الموضوعات على اختلافها ومنهم من قصرها على موضوعات معينه اقتصر فيها على ما يرى أنه موضوع لهذا العلم وينبني على تحديد موضوع علم أصول الفقه كما قلنا تحديد مباحثه ومسائله فمن يرى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة يرى أن مباحث الأدلة هي مباحث هذا العلم ومسائله فقط ومن يرى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأحكام الشرعية فقط يرى أنه يقصر مباحث هذا العلم ومسائله على هذا فقط ومن يرى أن مباحث علم أصول الفقه يمكن أن يضم إليه الاجتهاد والتقليد فهو يضم الاجتهاد والتقليد إلى موضوعات ومباحث علم أصول الفقه وهكذا , وهنا أمر جدير بالتنبيه وهو ما يعرف بتداخل علم أصول الفقه مع علم القواعد الفقهية وبعض من يفرق بين هذين العلمين يخص علم أصول الفقه بأنه يتعلق بالقواعد التي تستعمل في تحكيم نصوص الشرع وأفعال الشارع ويخص القواعد الفقهية بأنه العلم الذي يعنى بالقواعد التي تهتم بالحكم على تصرفات المكلفين وبناء على هذا التفريق بين العلمين فإن كثيرا ً من موضوعات علم أصول الفقه تخرج من تحديدنا هذا إلى أن تكون من قبيل موضوع علم القواعد الفقهية لا من موضوع علم أصول الفقه فمثلا:
    مباحث الأحكام الشرعية وما يتعلق بها من وجوب أو ندب أو تحريم أو كراهة أو أباحه إذا قلنا أن قواعدها تستعمل للحكم على تصرفات المكلفين فإن من يرى أن موضوع أصول الفقه هو الأدلة فقط يخرج هذه المباحث إلى أن تكون مباحث علم القواعد الفقهية ولذلك ما يرد تحتها من قواعد تلحق بهذا العلم ومن يرى أن علم أصول الفقه يشمل الأدلة والأحكام و مسائل الاجتهاد والتقليد جعل بين هذين العلمين تداخلا ً
    فأورد مباحث هذا العلم وهو علم القواعد الفقهية مضمومة إلى مباحث علم أصول الفقه ولم يفرق بين العلمين بتفريق واضح والذي يظهر هنا أن بين علم أصول الفقه وعلم القواعد الفقهية شيء من التداخل والأقرب أن نقول بين التفريق بين العلمين أن الموضوعات والقواعد التي تستعمل في الحكم على تصرفات الشارع سواء كانت قوليه أو فعليه يعني بالحكم على أدلة القرآن والسنة هذه يمكن أن تكون مخصوصة بعلم أصول الفقه و أما القواعد التي تستعمل بالحكم على تصرفات المكلفين فأن هذه يمكن أن تلحق بعلم القواعد الفقهية وبين هذين العلمين شيء من التداخل فإن هناك موضوعات أو قواعد يمكن أن تستعمل بالحكم على تصرفات الشارع بقول أو فعل وتستعمل بالحكم على تصرفات المكلفين والمقصود بتصرفات الشارع يعني تفسير نصوص الشرع وحملها على وجهها الشرعي الصحيح وهذه إذا قلنا بأن هذه القواعد والموضوعات تستعمل في الأمرين فإن في هذه الحالة
    عندنا ما يعرف ( بالقواعد الأصولية الفقهية ) بمعنى أن تكون قاعدة َ أصوليه فقهيه تستعمل في الحكم على تصرفات الشارع وتستعمل بالحكم على تصرفات المكلف ويكون هناك نوع تداخل بين العلمين وجهة تفريق بينهما.


    س14- ما مواضيع هذه الحلقة؟
    ج14- استمداد علم أصول الفقه وفائدته والغاية منه

    س15- اشرح عن استمداد علم أصول الفقه؟
    ج15-استمداد علم أصول الفقه :
    العلوم التي اُُستمِدَّ منها علم أصول الفقه من خلال سرد هذه الموضوعات وبيان وجه استمداد علم أصول الفقه من هذه العلوم بمعنى ذكر السبب الذي دعا إلى الحكم بوجود هذا الاستمداد ثم بيان فائدته والغاية من دراسته والفرق بين الفائدة ِ والغاية , أما فيما يتعلق بالعلوم التي أ ُستمد منها علم أصول الفقه فإن علم أصول الفقه كأي علم من علوم الشريعة مصدره الوحي القرآن والسنة فلا شك أن أول ما أستمد منه هذا العلم هو الوحي من خلال القرآن ومباحثه وتفسيره وعلومه وكذلك السنة وعلومها، حيث إن علم أصول الفقه قد اُُستمِدَّ من القرآن الكريم والسنة النبوية وما يتصل بهما من علوم من خلال التعرف على الأخبار وطرق نقلها وترجيحاتها وهذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى مزيد بيان حيث أن علم أصول الفقه علم ٌ شرعي ٌ انفرد به أهل الإسلام عن غيرهم فلذلك كان سبب اكتسابهم له هو صلتهم الوثيقة بالكتاب والسنة.

    أما العلم الثاني الذي أستمد منه علم أصول الفقه
    فهو علم العقيدة وقد يطلق عليه بعضهم علم الكلام ووجه الاستمداد منه أن علم أصول الفقه يُبحث فيها الأدلة الشرعية والأدلة والاحتجاج بها متوقف على معرفة الباري سبحانه وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم المبلِغ عنه فيما قال فلا تُكتسب هذه الأدلة حجيتها إلا بعد الإيمان بالله تعالى وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك يتقرر من خلال مباحث علم العقيدة , استمد الأصوليون من هذا العلم جمله من المباحث التي نقلوها إلى علم أصول الفقه وبحثوا مسائلها من خلال ما يخدمُ بغيتهم في هذا العلم, مع التنبيه إلى أن علم العقيدة قد اختلط به في عصر السابقين شيء من علم أهل الكلام الذين دخلوا في علم الاعتقاد بقصد الإفساد أو بقصد المباحثة بقصد حسن أو سيء , ولذلك حين ننظر إلى المؤلفات في علم أصول الفقه نجد أن هناك جملة من المسائل التي بحثها علماء أصول الفقه ونقلوا بحثها من مباحث علم العقيدة أو نقول من مباحث المتكلمين أي أهل الكلام ونقلوا من ذلك ما يخدم بغيتهم في تحقيق مسائل هذا العلم ولذلك نجد أن الأصوليين بحثوا مثلا ً مسألة الحاكم وهل هو الشرع أو العقل وأصلها مبحوث في علم العقيدة أو علم الكلام بحثوا ما يتعلق من هذه المسألة من حيث الحسن والقبح وهل هما عقليان أم شرعيان وبحثوا كذلك ما يتعلق بحكم الأشياء قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهي من المسائل التي تُبحث في علم العقيدة وبحثوا أيضا مسألة المجتهد يخطئ ويصيب وهي من المباحث التي لها علاقة بالمباحث الكلامية وبحثوا مسألة خلو الزمان عن المجتهد وهي من المسائل التي لها صلة بمسائل الاعتقاد,,هذا فيما يتعلق بعلم الكلام أو علم العقيدة .
    وصلته بعلم أصول الفقه ووجه استمداده منه وبعض المسائل التي استمدها الأصوليون وبحثوها في هذا العلم, لكن ذكر
    ابن برهان وهو من علماء أصول الفقه الشافعية ذكر أن استمداد علم أصول الفقه من علم الكلام يعود إلى أن فن الأصول أي أصول الفقه يفتقر إلى التمييز بين الحجة والبرهان والدليل وهذا يقرر في علم الكلام لكن الذي يبدو من هذا مما ذكره ابن برهان أن المقصود هنا ما يُبحث في علم المنطق وما يقرره المناطقة في علمهم لا علم الكلام على وجه الإطلاق

    العلم الثالث الذي استمد منه علم أصول الفقه مسائله
    هو علوم اللغة العربية ووجه استمداد علم أصول الفقه من علوم اللغة العربية هو أن مما يبحث من علوم أصول الفقه الأدلة وهذه الأدلة لها دلالات وقد جاءت بلغة عربيه ولفهمها بصورة ٍِ صحيحة ٍعلى وجه ٍعربي صحيح فإنه لابد من الإطلاع على قدر ٍ مناسب ٍ من علوم اللغة العربية تعين على فهم هذه الأدلة ِ ووجوه ِ دلالاتها ولذلك سعى الأصوليون إلى بحث جملة ٍمن المسائل التي تبحث في علم أصول الفقه وهي لها علاقة ٌ بمسائل اللغة ِ العربية أو أن مسائل اللغة العربية لها تأثيرٌ في تلك المسائل الأصولية علل بعض العلماء للاستمداد هنا بوجه ٍ يقرب من هذا فذكر أن كتاب الله ِ عربي وسنة رسوله ِ صلى الله عليه وسلم عربيه فيحتاج إلى معرفة قدر صالح ٍ من اللغة ِ العربية يمكن معها معرفة ُ معاني ما ذكر من هذه الأدلة مع التنبيه إلى انه لا يشترط أن يتعمق المرء في اللغة بحيث يكون
    كعلمائها المشهورين كالخليل ابن أحمد أو الأصمعي أو سيبويه ونحو أولئك إنما يشترط أن يعرف قدراً صالحاً من اللغة ِ العربية يفيد في معرفة ِ دلالات تلك الأدلة من المسائل التي بحثها الأصوليون مما له علاقة ٌ بعلم أصول الفقه وهو له مساس بعلم اللغة ِ العربية مسألة الأمر والنهي وبحثوا أيضا صيغ العموم والخصوص وبحثوا المطلق والمقيد والمجمل والمبين والحقيقة والمجاز والاستثناء والإشتراك والمنطوق والمفهوم والاقتضاء والإشارة ُ والتنبيه ومعاني الحروف وغيرها وهذه مسائل تبحث أصالة ًفي علوم اللغة العربية على اختلاف فئاتها وقد نبه بعض المحققين إلى أن بحث الأصوليين في هذه المسائل كان أكثر عمقا ً وأوفى تحقيقا مما بحثه علماء اللغة العربية وبين سبب ذلك بأن علماء أصول الفقه عندما بحثوا هذه المسائل التفتوا إلى دقائق الدلالات اللفظية وإلى معان ٍ لم يلتفت إليها علماء اللغة العربية لأن علماء اللغة العربية في الجملة ما كان يعنيهم أن يفيد الأمر وجوبا ً أو ندبا ً أو إباحة أو أن يفيد النهي تحريما ً أو كراهة وكان ذلك من عناية ِ علماء أصول الفقه وهذا قدر زائد ٌ على محل عناية ِ أهل اللغة .
    أما العلم الرابع التي لها استمداد ٌفي علم أصول الفقه علم الأحكام الشرعية أو ما يعرف اصطلاحا
    ًبعلم الفقه وقد يتسائل سائل كيف يكون علم أصول الفقه مستمدا ً من علم الفقه وعلم الفقه ثمرة ٌ لعلم أصول الفقه والثمرة ُ متآخرة فكيف يستمد المتقدم من المتآخر ونحن نقول لا يعني هذا الاستمداد أن تكون القاعدة ُ الأصولية مستمدة ً من حكم فقهي وإنما يعنى بالاستمداد هنا أن يستعان بأحكام الفقه لإيضاح قواعد أصول الفقه والمقصود بأحكام الفقه هنا الأحكام الواضحة الجلية فيستعان بها في بيان قواعد أصول الفقه بحيث تعرض قاعدة ٌ أصوليه ثم يعرض ما يوضحها من أحكام الفقه وهذا هو المقصود يعني من باب التمثيل فقط ولذلك قال بعضهم في بيان وجه الاستمداد هنا أو وجه استمداد أصول الفقه من علم الفقه أن المقصود من علم أصول الفقه هو إثبات الأحكام أو نفيها بالأدلة ولهذا لابد من العلم بحقائق الأحكام ليتصور هذا الأمر وليتمكن من إيضاح المسائل بضرب الأمثلةِ والشواهد عليها هذا وجه استمداد علم أصول الفقه من علم الفقه.
    ذكر بعضهم أمرا ً خامسا في استمداد هذا العلم وهو
    علم المنطق وضرب لذلك بعض الأمثلة وذكر أنه استمد من علم المنطق مثلا بعض المقدمات والكلام في الدلالات وقضايا الحدود والتعريفات وأساليب الاستدلال مع التنبيه إلى أن المؤلفات الأصولية قد تفاوتت مابين موسع ومضيق في تناولها أو في استمدادها أو تأثرها في هذه العلوم ففي حين نجد أن بعض المؤلفات قد تأثر في استمداده مثلا بمسائل الكلام أو علم العقيدة مثلا نجد أن الآخر قد تأثر باستمداده من علم المنطق وغلبت عليه الصبغة المنطقية وهكذا وفي الجملة فإن هذا التأثر ينبغي ألا يطغى على المقصد الأصلي من عرض القاعدة الأصولية بحيث يبدو بحث القاعدة كأنه من علم اللغة أو علم العقيدة مثلا ً أو علم المنطق مثلا ً وهذا أمر غير محبب في هذا العلم هذا ما يتعلق باستمداد علم أصول الفقه.

    س16- ما العلوم الأربعة التي يستمد منها علم أصول الفقه؟
    ج16- 1- مصدره الوحي القرآن والسنة 2- علم العقيدة
    3- علوم اللغة العربية 4- استمداد ٌفي علم أصول الفقه علم الأحكام الشرعية أو ما يعرف اصطلاحا ًبعلم الفقه
    5- علم المنطق

    وأما فائدة علم أصول الفقه والغاية ُ منه
    وأما فائدة علم أصول الفقه والغاية ُ منه فإن كثيرا ً من أهل هذا الفن يجعلون الفائدة هي الغاية الموصلة للأمور المهمة وبناء ً على هذا فإنه لا فرق بين الغاية ِ والفائدة وبعضهم يفرق بين الغاية والفائدة باعتبارين :
    الاعتبار الأول من حيث ابتداء التفكير في الشيء وهو المسمى عندهم بالعلةِ الغائية التي هي الباعث على الفعل
    والاعتبار الثاني من حيث النهاية وهي آخر العمل أو ثمرة الفعل وهي المسماة عندهم بالفائدة ونحن نؤثر هنا عدم التفريق بين الفائدة ِ والغاية لأن علم الأصول الذي هو المنهج الذي يتبعه الفقيه عند محاولته التوصل إلى الأحكام الشرعية لم يكن مقصودا ً لذاته بل لتحصيل الأحكام الشرعية فالباعث على وضعه معرفةُ الأحكام الشرعية والثمرة ُ المترتبة ُ عليه هي الأحكام الشرعية فالفرق بينهما زمني هو التقدم والتآخر وبناء ً على هذا التصور وبعد أن عرفنا معنى أصول الفقه والموضوع الذي يبحثه اتضحت لنا الغاية من هذا العلم وهي : وضع الأسس والقواعد التي يستعين بها الفقيه على استنباط الأحكام الشرعية ِ من الأدلة أو بتعبير ٍ آخر أن فائدة هذا العلم تتضح بأنه يرسم للفقيه الخطة التي يمكن أتباعها عند محاولته التوصل إلى معرفة الأحكام الشرعية والاستدلال عليها وحيث كانت هذه فائدة علم أصول الفقه فقد أثار بعض العلماء اعتراضاً حول ضرورته وحاجته للدارسين باعتبار أن الفقه قد أكتمل ونضج وأن الأحكام الشرعية في كل باب قد عرفت وتم تدوينها وهذا الاعتراض يتضح توجهه على القائلين بسد باب الاجتهاد أكثر من توجهه إلى غيرهم وقد ناقش الإمام ابن القيم رحمه الله وهو من علماء الحنابلة حجج القائلين بسد باب الاجتهاد وخصص جزء ً لا بأس به من كتابه ( إعلام الموقعين ) لهذا الغرض ولتزييف آراء المقلدين ومناصريهم وقد ذكر بعض العلماء أنه لا وجه لتخطئة ِ أولئك العلماء الذين قالوا بسد باب الاجتهاد لأن إعطاء َ الحق لكل فرد أن يجتهد ويدون لنفسه رأٌ يدعو إلى العمل به مدعاة ً لزيادة ِ التفرق والتفرق ُ علامة ُالخذلان وعلى ذلك فإن فائدة َ علم أصول الفقه عند من يقول بهذا القول هي لطلاب الأحكام الشرعية ممن لم يصلوا إلى درجة المجتهدين ولكنهم لم ينحطوا إلى درجة العامة فمثل هؤلاء يحبون التعرف على كيفية ِ توصل العلماء المجتهدين لما توصلوا إليه من أحكام حتى إذا عرضت عليهم مسألة لم ينص عليها في المذهب أمكنهم الإجابة َ عنها تخريجا ً على قواعد أئمتهم ومع ذلك فإن تجدد الحوادث بتجدد الزمان ووجود َ أمور ًٍ مستحدثة ٍ لم ينظرها المجتهدون السابقون ولا أتباعهم بسبب عدم وجودها في أزمانهم يجعل الاجتهاد من ضروريات الشريعة ِ باتفاق المسلمين فيكون أصول الفقه حين إذٍ ضرورة ً لمن يتصدى لمثل هذه الأمور أما فيما تم استنباطه من الأحكام فإن علم الأصول لا يعدم فائدة ً أيضا في ترجيح بعض المذاهب على بعض ولاشك في أن ترجيح رأي ٍ على رأي مما يحتاج فيه ِ إلى معرفة ِ القواعد الأصولية فتكون لدراستها فائدة ً بينة ً من هذه الناحية أيضا وإذا علمنا أن علم أصول الفقه من الممكن أن يكون ملكة ً يستطيع بها العالم أن يتفهم النصوص وأن يدرك مراميها وما تشمله وما لا تشمله من الجزئيات فإننا نجد لهذا العلم فائدة ً أخرى تضاف إلى ما سبق أن علمناه من فوائد وغايات لهذا العلم الجليل وخلاصة ُ ما تقدم أن فائدة علم أصول الفقه تتحقق فيما يأتي :
    أولا ً : أنه يمثل خطة ً يمكن إتباعها للتوصل إلى الأحكام الشرعية واستنباطها من الأدلة .
    ثانيا ً : أنه يساعد على استنباط الأحكام فيما لم يرد فيه نص عن الأئمة المجتهدين من الحوادث التي لم تكن موجودة ً في زمانهم .
    ثالثا ً : أنه يمكن العالم من تخريج المسائل والفروع غير المنصوص عليها وفق قواعد مذهبه أو أن يجد لها وجها ً أولى من الوجه الذي خرجت عليه في مذهبه .
    رابعا ً : أنه يمكن العالم من ترجيح الأقوال واختيار أقواها من ما هو من ضرورات الفقه المقارن .
    خامسا ً : أن علم أصول الفقه يفيد القضاة ودارسي القانون والنصوص التشريعية في تطبيق النصوص على جزئياتها وفي تفهم ما يحتمله النص من دلالات ٍ مما يخلق الملكة َ القانونية ويوسع المدارك هذه جملة ٌ من الفوائد لدراسة علم أصول الفقه لعلها تشحذ الهمم إلى الاهتمام به ودراسته وهي فوائد جليلة ُ القدر يتضح منها حاجة ُ أهل العلم إلى هذا العلم فقد تقرر أن هذا العلم يمثل خطة منهجيه يمكن للعالم أو لطالب العلم المبتدئ أن يتبعها في التوصل إلى الحكم استنباطا ً أو معرفة ً لوجه استنباطه كما أنه يمكن العلماء من استنباط الأحكام للحوادث التي لم يرد بشأنها نصوص في القرآن أو السنة كما أنه يمكن العالم بإلحاق المسائل مما يشبهها مما نص عليه أهل العلم المتقدمين كما يمكن من ترجيح الأقوال و اختيار أقواها وبيان وجه الاختيار وهذا أمر مهم خاصة ً أننا نعلم أن كثيراً من أحكام الفقه هي محل للاختلاف بين العلماء نظرا ً لكونها أحكاما ً اجتهادية وقع فيها خلاف ٌ بين السابقين فمعرفة الراجح وبيان وجه ترجيحه إنما يتمكن الإنسان منه من خلال إلمامه بعلم أصول الفقه فخلاصة ُ القول أن علم أصول الفقه يمثل منهجا ً وخطة ً يمكن للمرء أن يستفيد منها في بيانه للأحكام الشرعية وكذلك يمكن أن يكون خطة ً منهجية ً في حياته العامة لاشك أن علم أصول الفقه يُمَكِنُ الإنسان من ترتيب منهجه وترتيب أفكاره ِ وترتيب ِ بحثه ونظره ِ في مسألة من المسائل وهكذا فإذا رتب العلم نظرك إلى مسألة ٍ أثر فيك في ترتيب ذهنك في نظرك في مسائلك العامة ولذلك نجد أن الباحثين الذين اهتموا بما يعرف بمناهج البحث العلمي قد اعتنوا بعلم أصول الفقه عناية ً فائقة ولذلك لأجل أن هذا العلم يمهد السبيل للنظر في المسألة وبحثها ونحن نعلم أن مناهج البحث العلمي تعتمد في جزءٍ منها على بيان أو كيفية ِ التطرق إلى المسألة وبيانها وبحثها والتوصل فيها إلى حكم ٍ معين سواء كانت مسألة ً شرعية ً أو غير شرعيه فأصول الفقه يبين لك المنهج الذي يمكن أن تسير عليه والنظر السليم الذي يمكن أن تركبه في بحثك في هذه المسألة وحين إذ ٍ يوصلك إلى منهج ٍ علمي ٍ سليم تخرج به إلى نتيجة ٍ يغلب على ظنك صحتها لأن كل واحد ٍ منا يبحث في كل مسألة ٍ يريد فعلها أو الانتهاء منها إلى ما يوصله إلى ما يظن أنه صواب و حق وعلم أصول الفقه يرتب لك المنهج الذي يوصلك إلى غلبة ِ الظن هذه إن هذه الفوائد التي عرضناها فيما تقدم والغاية من دراسة ِ علم أصول الفقه التي أسسناها فيما سبق دعت كثيرا ً من العلماء السابقين من علماء الشريعة ِ الأفذاذ إلى الاهتمام بهذا العلم وإعطائه حقه من الاهتمام بدءً من أئمة الأعلام في عصر التابعين وأتباعهم إلى عصرنا الحاضر فقلما نجد عالما ًمجتهدا ً إلا وله وجه اهتمام ٍ بهذا العلم.

    س17- ما الفرق بين الغاية والفائدة؟
    ج17- الاعتبار الأول من حيث ابتداء التفكير في الشيء وهو المسمى عندهم بالعلةِ الغائية التي هي الباعث على الفعل
    والاعتبار الثاني من حيث النهاية وهي آخر العمل أو ثمرة الفعل وهي المسماة عندهم بالفائدة ونحن نؤثر هنا عدم التفريق بين الفائدة ِ والغاية

    س18- ما الغاية من هذا العلم؟
    ج18- وضع الأسس والقواعد التي يستعين بها الفقيه على استنباط الأحكام الشرعية ِ من الأدلة

    س19- فائدة علم أصول الفقه تتحقق في عدة أمور؟
    ج19- أولا ً : أنه يمثل خطة ً يمكن إتباعها للتوصل إلى الأحكام الشرعية واستنباطها من الأدلة .
    ثانيا ً : أنه يساعد على استنباط الأحكام فيما لم يرد فيه نص عن الأئمة المجتهدين من الحوادث التي لم تكن موجودة ً في زمانهم .
    ثالثا ً : أنه يمكن العالم من تخريج المسائل والفروع غير المنصوص عليها وفق قواعد مذهبه أو أن يجد لها وجها ً أولى من الوجه الذي خرجت عليه في مذهبه .
    رابعا ً : أنه يمكن العالم من ترجيح الأقوال واختيار أقواها من ما هو من ضرورات الفقه المقارن .
    خامسا ً : أن علم أصول الفقه يفيد القضاة ودارسي القانون والنصوص التشريعية في تطبيق النصوص على جزئياتها وفي تفهم ما يحتمله النص من دلالات ٍ مما يخلق الملكة َ القانونية ويوسع المدارك هذه جملة ٌ من الفوائد لدراسة علم أصول الفقه لعلها تشحذ الهمم إلى الاهتمام به ودراسته وهي فوائد جليلة ُ القدر يتضح منها حاجة ُ أهل العلم إلى هذا العلم


    س20- ما عناصر هذه الحلقة؟
    ج20- 1-حكم تعلم علم أصول الفقه
    2- واضع هذا العلم
    3- نبذة ٌ عن نشأة ِ علم أصول الفقه وتطوره ِ وتدوينه

    س21- ما حكم تعلم علم أصول الفقه؟
    ج21- فإن جمهور العلماء على أن تعلم علم أصول الفقه من فروض الكفايات فهو فرض كفاية
    شأنه في ذلك شأن الفقه إلا انه نقل عن بعضهم كما حكاه ُ ابن عقيل الحنبلي وغيره أن تعلم علم أصول الفقه فرض عين
    وقد فسر ذلك ابن مفلح ٍ الحنبلي بأن مقصودهم بأنه فرض عين ٍعلى العالِم المجتهد وبناءً على هذا يكون الخلاف بين القائلين بأنه فرض كفاية والقائلين بأنه فرض عين خلاف لفظي وذلك
    لأن الكلام الذي أطلقه القائلون بأنه فرض كفاية كلام عام لا يتعلق بالمجتهد ولذلك قالوا بأنه فرض كفاية أما لو تعلق بالعالم المجتهد فإنه لا يمكن للمجتهد أن يجتهد من دون تعلم علم أصول الفقه والإلمام به ولا نظن أحدا ًلا يقول بأنه فرض عين ٍعلى العالم المجتهد لأن من شروط تحصيل درجة الاجتهاد والقدرة ِعلى الفتوى أن يلم المكلف ُبعلم أصول الفقه ولذلك لا يمكن أن يقال أن تعلم علم أصول الفقه فرض كفايةٍ مطلقا بل هو في الأصل فرض كفاية وأما على العالم المجتهد فهو فرض عين لأنه مما لا يتم اجتهاده إلا به ومالا يتم الشيء إلا به يأخذ حكم ذلك الشيء، أي أنه فرض كفاية في أصله وفرض عين على العالم المجتهد .

    س22- من المقصود بواضع العلم؟
    ج22- المقصود به أول من صنف في هذا العلم وجعله علما ً قائما ً بنفسه متميزا ًعن غيره ِمن سائر العلوم وهنا تنازع أرباب المذاهب في أولوية التأليف فزعم الحنفية أن أئمتهم أبا حنيفة َ وأبا يوسف ومحمد بن الحسن هم أصحاب السبق والتدوين وزعم آخرون بأن محمد الباقر هو أول من ألف في هذا العلم إلا أن الذي يسرده الواقع أن الإمام الشافعي هو أول من دون وألف في هذا العلم استقلالا

    س23- من هو واضع هذا العلم؟
    ج23- فلذلك يعد الإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى عام 204 هـ هو واضع هذا العلم إذ أنه أول من دون فيه كتابا ًمستقلا ًوهو كتابه (الرسالة)

    س24- ماذا يقصد بواضع هذا العلم؟
    ج24- نحن هنا عندما نقول واضع هذا العلم فلا نقصد بذلك أول من تكلم في مسائل أصول الفقه , فالذين تكلموا في مسائل أصول الفقه قبل الإمام الشافعي عدد كثير حتى في عصر الصحابة ِوالتابعين , فنجد مثلا ًفي بعض خطابات عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومكاتباته إلى ولاته وقضاته شيئا ً من الإشارات إلى القواعد التي تعد من قبيل القواعد في أصول الفقه حينئذٍ لا نعني الكلام في مسائل أصول الفقه فلا شك أن الإمام الشافعي مسبوق ٌفي ذلك فقد سبقه علماء من الصحابةِ والتابعين ومن تبعهم في الكلام على بعض مسائل أصول الفقه لكننا نريد أن نحدد ضابطا لواضع علم أصول الفقه لأنه أول من دون كتابا ًمستقلا ًفي علم أصول الفقه ووصل إلينا هذا الكتاب فلابد من هذه الضوابط وإذا نظرنا إلى هذه الضوابط فإن الذي يسندها من الواقع هو أن الإمام الشافعي رحمه الله هو أول من دون كتابا ًمستقلا في هذا العلم لذلك يعد هو واضع علم أصول الفقه كما قلنا في كتابه الرسالة .

    س25- تكلم من أين استمد اصول الفقه علمه؟
    ج25- من المعلوم أن علم أصول الفقه مستمد من حقائق الأحكام الشرعية وتصوراتها وعلم العقيدة أو ما يسمى عند بعضهم بعلم الكلام واستمد كثير من قواعده من اللغة العربية التي جاء بها القرآن والسنة حيث إن اللغة مصدر نسترشد به إلى مقاصد الشريعة ويتمكن به المجتهد من معرفة الحقيقة والمجاز والصريح والكناية كما تقدم من مباحث اللغة .

    س26- كيف نشأ علم أصول الفقه؟
    ج26- نشأ علم أصول الفقه إبان ظهور الحركة الاجتهادية في عهد الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة الذين كانوا يستفتون في المسائل المستجدة
    فيبحث المجتهد منهم عن حكمها الشرعي في نصوص القرآن الكريم وظواهره ثم في منطوق الحديث النبوي ومفهومه وإيحاءاته وذلك عملا ًبقوله تعالى (فاعتبروا يا أولي الأبصار ) وعملا ًكذلك بما دلت عليه السنة النبوية بآثار بلغت حد التواتر على مشروعية القياس والاجتهاد منها حديث معاذ الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم قاضيا ًومعلما ً إلى اليمن حيث تضمن ذلك الحديث سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ماذا تصنع إن عرض لك قضاء ؟ قال: أقضي بكتاب الله قال: فإن لم تجد قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله قال: أجتهد رأيي ولا آلو رأي ولا أقصر فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدر معاذ وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله , فهذا يدل على إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمل بالرأي الصحيح المستند إلى النصوص التشريعية والقياس نوع من الرأي.
    استمر العمل بهذا المنهج في عصر التابعين فقدموا القرآن أولا ثم السنة ثم الإجماع ثم الرأي والاجتهاد وكان بعضهم يميل إلى العمل بالقياس الضيق بإلحاق الأمور غير المنصوص على حكمها بالمنصوص عليه وبعضهم مال إلى العمل بالمصلحة المتفقه مع مقاصد التشريع وذلك إن لم يكن في المسألة ِنص على حكمها وكان التابعون يأخذون بآراء الصحابة ويقدمونها على العمل برأيهم .
    ثم تبلور علم أصول الفقه في عهد أئمة المذاهب ابتداء ً من عصر الإمام أبي حنيفة َرحمه الله المتوفى عام 150 هـ وبرزت تسميات المصادر المختلف فيها مع اتفاقهم على مضمونها الصحيح في الواقع وظهر لديهم ما يعرف بمصطلح القياس ومصطلح الاستحسان ومصطلح المصالح المرسلة ومصطلح قول الصحابي ومصطلح شرع من قبلنا ومصطلح سد الذرائع ومصطلح عمل أهل المدينة ونحو ذلك من المصطلحات التي بحثها وقررها الأصوليون بعد ذلك في مؤلفاتهم وظهرت فيهم مدرستان مدرسة أهل الحديث بالحجاز ومدرسة أهل الرأي بالعراق ومع اتفاق أهل المدرستين على العمل بكل من الحديث الصحيح والرأي إلا أنه كان يغلب على اجتهاد أهل المدرسة الأولى الأخذ بالحديث الذي ثبت عندهم والوقوف عنده دون أخذ بالرأي المنسجم مع قواعد الشريعة العامة ومبادئها الكلية ويغلب على اجتهاد المدرسة الثانية العمل بالرأي عند عدم وجود نص قرأني أو نبوي صحيح علما ً أن بيئة العراق التي لم يتوافر لها ثقات كثر من الرواة كانت سببا ًواضحا ً في هذا الاتجاه كما أدى ذلك إلى خصوبة فقه أهل الرأي بسبب تقدم المدنية وازدهار الحضارة واستقرار الخلافة الإسلامية العباسية في بغداد وتوابعها .\

    س27- كيف بدأ التدوين في علم أصول الفقه؟
    ج27- بدأ تدوين علم أصول الفقه بنحو متكامل على يد الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة) بناء ً على طلب الإمام ابن مهدي
    الذي أعجب بالرسالة أعجابا شديدا ًوكان بعد ذلك يكثر من الدعاء للشافعي وكان يقول لمّا نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني لأنني رأيت كلام رجل عاقل ٍفصيح ٍناصح فإني لأكثر الدعاء له . وقد بحث الشافعي في كتابه هذا مصادر التشريع فأوضح البيان في القرآن وأبان حجية السنة ومنزلتها من القرآن حتى لقب بأنه ناصر السنة ِ وإمام المحدثين وتحدث عن الناسخ والمنسوخ وعلل الأحاديث وأثبت حجية خبر الواحد ثم أفاض بالكلام عن الإجماع والقياس والاستحسان وما يجوز الاختلاف فيه ومالا يجوز فضبط أصول الخلاف ووضع قواعد الاستنباط وأنار الطريق لمن بعده من العلماء لتأصيل مباحث هذا العلم وقواعده ومناهجه وتبيان طرق الاجتهاد والاستنباط وكان في هذا الرائد الأول في تحديد المفاهيم الأصولية ِ وضبطها وإبرازها للعلماء بل كان واضع هذا العلم في الجملة كما تقدم الإشارة لذلك .
    ولا نعني أن بدء التدوين لعلم أصول الفقه على يد الشافعي أن قواعد هذا العلم من وضعه المستقل وإنما كانت تلك القواعد مرعية ً في اجتهادات الصحابة ِوالتابعين وظهرت أيضا في وقائع اجتهاداتهم قواعد أصوليه فرعيه تعد أساسا في مبادئ الترجيح بين الأدلة المتعارضة ومثال ذلك ما ورد عن الإمام علي رضي الله عنه بقياسه حد السكران على المفتري القاذف وكما أفتى ابن مسعود بأن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل لأن سورة الطلاق وفيها عدة الحوامل نزلت بعد سورة البقرة وفيها عدة الوفاة والمتآخر من النصوص ينسخ المتقدم أو يخصصه وكتقديم المتواتر على الآحاد والخاص على العام والتحريم على الإباحة وتخصيص العام بالخاص وحمل المطلق على المقيد فمثلا ً قوله تعالى "حرمت عليكم الميتة والدم" وقوله تعالى "إلا أن يكون ميتة ً أو دما مسفوحا " فاللفظ المطلق في الآية الأولى الدم محمول على المقيد في الآية الثانية أو دما مسفوحا ويكون الدم المحرم هو الدم المسفوح كذلك كان لأئمة المذاهب قبل الشافعي كأبي حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله قواعد وأصول يعتمدونها في استنباط الأحكام الشرعية ِمن أدلتها وما تزال هذه الأصول والقواعد منقولة ٌ عنهم متميزة ٌ فيهم تميز كل مذهب عن غيره, ولا تزال آثارها واضحة ً في الاجتهادات المنقولة ٍ عن أولئك الأئمة الأعلام والتي سنوضحها إن شاء الله تعالى فيما ورد من مؤلفات ٍ لعلماء أصول الفقه من خلال بحث مناهج المؤلفين في هذا العلم , تتابع العلماء بعد الأمام الشافعي رحمه الله في تدوين وتوضيح علم أصول الفقه وفي طليعتهم ما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله الذي ألف كتاب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وكتاب الناسخ والمنسوخ وكتاب العلل وجاءت كتب علماء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة بعد ذلك لتأصيل مناهج وقواعد لاستنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية أي لتأصيل مناهج وقواعد أصول الفقه ومن خلال ما تقدم يتضح لنا شرف هذا العلم ومدى عناية العلماء به ابتداء ًمن عصر الصحابة ِ رضوان الله عليهم إلى عصرنا الحاضر وسنورد فيما يأتي أن شاء الله تعالى من حلقات بيانا لواقع اهتمام العلماء بالتأليف في هذا العلم من خلال كلامنا على مدارس هذا العلم ومناهج التأليف فيه ونعيد التنبيه إلى أن علم أصول الفقه كغيره من العلوم وجد في أذهان الصحابة والتابعين ومن تبعهم وذلك يظهر لنا من خلال اجتهاداتهم في الأحكام التي وقعت في أعصارهم فقد أتبعوا مناهج معينه في الاستنباط أو في الترجيح بين النصوص وهذه المناهج تعد قواعد اُستفيد منها بعد ذلك في إقرار جمله من المسائل الأصولية ونخص من ذلك ما ورد من اجتهادات ٍ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في وقائع كثيرة إذ كثيرا ما كان يرسم جملة من القواعد التي يسعى من خلالها إلى إقرار حكم معين فاستفاد من ذلك السلف من خلال نظرهم في تلك الاجتهادات وهكذا استفاد أيضا علماء أصول الفقه من اجتهادات الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومن اختلافهم وطرق تعاملهم مع النصوص الشرعية والوقائع الحادثة في وضع قواعد ينطلقون منها في استنباط أحكام الفقه
    فالذي يطلع على كتاب الرسالة للشافعي يلحظ الأسلوب الواضح والكلام الجلي والاتجاه الصحيح في رسم جملة من القواعد التي احتاج إليها علماء عصره في ذلك الوقت وكان لهذه القواعد التي رسمها الإمام الشافعي أثرا ًواضحا للعلماء الذين أتوا بعد ذلك من مختلف المذاهب حتى كان له تأثيره في علماء المذهب المالكي وعلماء المذهب الشافعي والمذهب الحنبلي ولا يزال هذا الأثر مستمرا إلى عصرنا الحاضر وكل أهل مذهب يؤكدون أن إمامهم هو واضع هذا العلم ولكن لا يسعفهم واقع المؤلفات التي بين أيدينا .
    وهناك مؤلفات ألفت في عصر الشافعي وقبله من أئمة المذاهب على اختلافهم سواء من المذهب الحنفي أو المالكي أو الحنبلي أو الشافعي أو حتى الظاهري لكن هذه المؤلفات من المذهب الحنفي خاصة والمالكي والظاهري لم تكن شاملة لمسائل أصول الفقه وإنما كانت مؤلفات تهتم بجزئيات محددة في هذا العلم فمنهم من يؤلف مثلا في علم القياس أو علم التقليد ومنهم من يؤلف في حجية خبر الواحد ومن يؤلف في دلالات الأخبار المتواترة وهكذا.
    وهذه المؤلفات على تخصصها في علم معين ومسألة جزئية محدده يُلحظ عليها أيضا أنها في الغالب لم يصل إلينا منها ما يحكم فيه بأن هذا العالم قد ألف ذلك الكتاب فعلا بهذه الصورة بعلم أصول الفقه وإنما يستند في ذلك إلى كتب التراجم التي ترجمت لأولئك الأعلام أو إلى نقولات العلماء الذين جاءوا بعدهم عنهم في مؤلفاتهم التي وصلت إلينا .
    فهناك جمله من العلماء ألفوا قبل الإمام الشافعي في مسائل أصول الفقه لكنها مسائل محددة ليست شامله لمسائل أصول الفقه والأمر الآخر أيضا أنه لم يصل إلينا منها شيء فنحكم بتقدم أولئك الأعلام على الإمام الشافعي في التدوين في علم أصول الفقه إنما بالضابط الذي ذكرناه يعد الإمام الشافعي هو واضع هذا العلم باعتباره أول من دون كتابا مستقلا في هذا العلم بعد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أستمر التدوين في هذا العلم وتنوعت المؤلفات مابين كتاب مختصر في علم الأصول ومابين شرح كتاب سابق في هذا العلم حتى أننا نجد بعض علماء الشافعية من يهتم بشرح كتاب الشافعي (الرسالة ) لكن للأسف اختصر إيراد هذه المؤلفات على كتب التراجم فقط وأما في الواقع فقد فقدت هذه المؤلفات التي اعتنت بشرح كتاب الرسالة للإمام الشافعي قد ورد عن بعض الأئمة الإعلام من علماء الشافعية الجهابذة الأفذاذ شروحا لهذا الكتاب ولكنها فقدت ولم يصل إلينا منها شيء.


    س28- ما مواضيع هذه الحلقة؟
    ج28- 1- طرق الـتأليف في أصول الفقه وأشهر المؤلفات فيه
    2- مناهج الـتأليف وذكر الطريقة وأبرز سماتها وخصائصها والإشارة إلى عيوبها
    3- التمثيل بطائفة من المؤلفات على ذلك المنهج

    س29- إن المناهج بعد عصر الأمام الشافعي رحمه الله قد تنوعت كما يذكر المؤرخون وكما هو واقع التأليف الأصولي إلى ثلاثة طرق أو مناهج,أذكرها؟
    ج29- أولا ً : منهج المتكلمين أو طريقة الشافعية
    ثانيا :ً منهج الحنفية أو ما يسمى بطريقة الفقهاء
    ثالثا ً : منهج المتآخرين أو الجمع بين الطريقتين


    أولاً :منهج المتكلمين أو طريقة الشافعية :
    س30- على ماذا تقوم هذه الطريقة؟ (منهج المتكلمين أو طريقة الشافعية)
    ج30- تقوم على تقرير قواعد أصول الفقه المأخوذة من الأدلة النصية النقلية واللغوية والكلامية والعقلية وتحقيقها من غير نظر إلى الفروع الفقهية ,علل؟
    وذلك لأن
    1- الأصول عند أصحاب هذه الطريقة أسمى وأسبق من الفروع وهذه الطريقة أو المنهج أسلم في تقرير القواعد الأصولية المستفادة من الأدلة المجردة من غير تعصب لمذهب أو استنباط معين
    2-لتكون ميزانا ً لضبط الاستنباط ومعيارا ً لسلامة الاستدلال وأساسا ً للاجتهاد الحر الطليق دون أن يكون للفروع الفقهية حاكمية ً أو توجيها ً للنظر أو تقييدا ً لا خروج عنه وحينئذ ٍتكون الأصول هي الحاكمة وليس الفروع

    س31- من هو امام هذه المدرسة أو الطريقة وماذا تسمى؟(منهج المتكلمين أو طريقة الشافعية)
    ج31- إمام هذه المدرسة أو الطريقة هو الإمام الشافعي كما يقتدي به أصحاب هذه الطريقة
    وسميت بطريقة المتكلمين وتسمى بطريقة الشافعية وبطريقة الجمهور

    س32- لماذا تسمى بطريقة الشافعية؟(منهج المتكلمين أو طريقة الشافعية)
    ج32- 1- لأن الإمام الشافعي هو الذي وضع هذه الطريقة وتبناها
    2- لان أغلب الذين دونوا في أصول الفقه من علماء الشافعية وهم على هذه الطريقة أو على هذا المنهج

    س33- لماذا سميت بطريقة الجمهور؟(منهج المتكلمين أو طريقة الشافعية)
    ج33- لان الجمهور من علماء المالكية والشافعية والحنابلة قد ألفوا في أصول الفقه على هذه الطريقة

    س34- فهذه الطريقة كتب فيها العلماء و اعتمدها أكثر المصنفين (منهج المتكلمين أو طريقة الشافعية) علل؟
    ج34- فهذه الطريقة كتب فيها العلماء و اعتمدها أكثر المصنفين لامتيازها بالمنهج العقلي المجرد ومواكبتها للنظريات المجردة دون ارتباط بالفروع الفقهية وقد كثر أنصاره فشمل جميع مذاهب أهل السنة ماعدا الحنفية.

    س35- هذه المدرسة لها سمات وخصائص ما هي؟
    ج35-1- أنها تعتمد على الاستدلال العقلي المجرد .
    1. أنها لا تتعصب لمذهب فقهي معين .
    2. أنها تقتصر على الفروع الفقهية لمجرد التوضيح والمثال .

    مهــــــــــــــــم:
    ولاشك أن هذه الطريقة تستهوي الباحثين في كل عصر لذا كانت هذه الطريقة سببا ًفي إثراء علم الأصول والتعمق في مدلولاته وبلورة قضاياه ومبادئه دون تأثر بالمسائل الفرعية وبهذا يقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني على أن في مسالك الأصول لا نلتفت إلى مسائل الفقه فالفرع يصحح على الأصل لا على الفرع إذا تقرر هذا

    س36- من أهم وأبرز المؤلفات التي ألفت على هذه الطريقة جملة مؤلفات على مختلف المذاهب من المالكي أو الشافعي أو الحنبلي أذكر أشهرها من مذهب المالكية؟
    ج36- كتاب (التقريب والإرشاد) للقاضي أبي بكر الباقلاني وهو من علماء المالكية.
    أبو الوليد الباجي ألف كتابه (إحكام الفصول) وهو من علماء المالكية.

    س37- من أهم وأبرز المؤلفات التي ألفت على هذه الطريقة جملة مؤلفات على مختلف المذاهب من المالكي أو الشافعي أو الحنبلي أذكر أشهرها من مذهب الشافعية؟
    ج37- كتاب (البرهان في أصول الفقه) وكتاب (الورقات) لإمام الحرمين أبا المعالي الجويني وهو من الشافعية.
    وأيضا ً كتاب( قواطع الأدلة) لابن السمعاني وهو من علماء الشافعية . وهو من أفضل الكتب

    س38- من أهم وأبرز المؤلفات التي ألفت على هذه الطريقة جملة مؤلفات على مختلف المذاهب من المالكي أو الشافعي أو الحنبلي أذكر أشهرها من المذهب الحنبلي؟
    ج38- ألف على هذه الطريقة أبويعلى الحنبلي وهو من علماء الحنابلة في كتابه (العُدة في أصول الفقه)
    أيضا ابن عقيل الحنبلي في كتابه (الواضح في أصول الفقه).

    س39- أذكر باقي الكتب؟ الرجاء مراجعة المذكرة الأصلية صفحة رقم 23
    ج39- كتاب (المعتمد في أصول الفقه) لأبي حسين البصري .
    أبو حامد الغزالي ألف كتابه (المستصفى في أصول الفقه) و (المنخول في أصول الفقه).
    وفخر الدين الرازي وله كتاب ( المحصول في أصول الفقه) .
    وسيف الدين الآمدي وله ( الإحكام في أصول الأحكام ) .

    س40- ما أشهر وأهم وأبرز المؤلفات التي ألفت على هذه الطريقة جملة مؤلفات على مختلف المذاهب من المالكي أو الشافعي أو الحنبلي؟
    ج40- كتاب (روضه الناظر ) لابن قدامه الحنبلي وهو من أشهر الكتب

    س41- ما أفضل الكتب التي بنيت على هذه الطريقة (منهج المتكلمين أو طريقة الشافعية)؟
    ج41- ومن أفضل الكتب التي بنيت على هذه الطريقة كتاب (شرح مختصر الروضة ) للطوفي.
    والروضة هي (روضة الناظر) لابن قدامه
    وأيضا ً كتاب( قواطع الأدلة) لابن السمعاني وهو من علماء الشافعية .

    س42- على ماذا تتضمن هذه المؤلفات؟
    ج42- جملة من المباحث وغالبا ًما تكون المباحث فيها على النحو التالي :
    تبدأ أولا: ًبالتعريفات المشتملة على المقدمات المنطقية واللغوية
    ثانيا: يتكلمون بعد ذلك عن الأحكام الشرعية
    ثالثا: يوردون الكلام على الأدلة ودلالات الألفاظ
    رابعا يتكلمون عن الاجتهاد والتقليد هذه أبرز المباحث التي يتكلم عنها أصحاب هذه الطريقة في مؤلفاتهم في علم أصول الفقه .

    ثانياً : منهج الفقهاء أو طريقه الحنفية :
    س43- على ماذا تقوم هذه الطريقة ( منهج الفقهاء أو طريقة الحنفية) ؟
    ج43- تقوم على استنباط القواعد الأصولية في ضوء الفروع الفقهية التي قررها أئمة المذهب وجعلوا القاعدة الأصولية منسجمة مع الفرع الفقهي

    س43- من هم مؤلفي هذه الطريقة ( منهج الفقهاء أو طريقة الحنفية) ؟
    ج43- غالب الذين ألفوا على هذه الطريقة هم من متآخري الحنفية

    س44- بماذا اشتهروا متأخري الحنفية ؟
    ج44- اشتهروا بالحماس لمذهبهم والدفاع عنه والشهادة بسلامة فروعه وإثبات أن له أصولا ً سابقه فحينما لم يجدوا لأئمتهم من علماء المذهب الحنفي قواعد أصولية مدونة كما فعل الإمام الشافعي وإنما وجدوا فروعا ً فقهية كثيرة يتخللها بعض القواعد المنثورة صارت هذه القواعد أو الأصول أداة للدفاع عن مذهبهم في مقام المناظرة والجدل بينهم وبين أتباع المذاهب الفقهية الأخرى ثم أصبحت أساساً في استنباط الأحكام الشرعية للوقائع والمسائل الجديدة عند علماء الحنفية .

    س45- لماذا سميت هذه الطريقة ( منهج الفقهاء أو طريقة الحنفية) بالطريقة الحنفية؟
    ج45- لأن أغلب الذين ألفوا عليها هم من علماء المذهب الحنفي

    س46- لماذا تسمى هذه الطريقة ( منهج الفقهاء أو طريقة الحنفية) بطريقة الفقهاء؟
    ج46- لشدة تعلقها بالفرع الفقهي وإخضاع الأصل أو القاعدة لذلك الفرع



    س47- ما الغاية المرجوة التي يؤديانها الطريقتين (منهج المتكلمين أو طريقة الشافعية) و ( منهج الفقهاء أو طريقة الحنفية)؟
    ج47- استنباط الحكم الشرعي للفروع الفقهية التي تندرج تحت القاعدة سواء قررت
    أولا ًقبل الحادثة أو ثانيا ًبعدها أو على العكس كما أن النتيجة واحدة وهي تحقيق النماء وخصوبة الفقه الإسلامي الذي لا يترك واقعة من أفعال الناس إلا ويكون له فيها حكم

    س48- على ماذا اتسمت وما هي خصائص هذه الطريقة ( منهج الفقهاء أو طريقة الحنفية)؟؟
    ج48- أنه طريقة عمليه قائمة على ربط الأصول بالفروع تمهيداً لاستخلاص الأصول من الفروع
    فتميزت :
    1- بالتطبيق العملي
    2- أنها قاربت بين الأصول والفقه ومزجت بينهما بأسلوب مفيد
    3- أنها خدمت الفقه على نحو جلي في مجال التأليف في باب الخلاف وتخريج الفروع على الأصول وكتابة قواعد الفقه الكلية وسبق التأليف في القواعد

    س49- من أهم الكتب أو المؤلفات التي ألفت على هذا المنهج أو على هذه الطريقة عدة مؤلفات ,أذكرها؟
    ج49- كتاب (أصول الجصاص) وهو لأبي بكر الجصاص الرازي
    كتاب (تقويم الأدلة) لأبي زيد الدبوسي وله أيضاً كتاب ( تأسيس النظر )
    كتاب (أصول البزدوي) لفخر الإسلام البزدوي وقد شرحه عبدالعزيز البخاري شرحا ً وافيا ً في كتابه ( كشف الأسرار على أصول البزدوي) وهو من الكتب المهمة والمفيدة في طريقة الحنفية.
    وكتاب ( المنار ) للحافظ النسفي وله شروح عديدة ٌ وكثيرة.

    س50- ما أهم كتب ومؤلفات ( منهج الفقهاء أو طريقة الحنفية)؟
    ج50- كتاب (أصول البزدوي) لفخر الإسلام البزدوي وقد شرحه عبدالعزيز البخاري شرحا ً وافيا ً في كتابه ( كشف الأسرار على أصول البزدوي)

    س51- هذه المؤلفات على طريقة الحنفية فنحن نجد مباحث هذه الكتب في الغالب ترتب على نحو ما , أذكره؟
    ج51- فتبدأ أولا ً بتعريف علم أصول الفقه
    ثانيا: تذكر الأدلة إجمالا ً
    ثالثا : تبين في الغالب المصدر الأول وهو القرآن وفي أثناء بحثهم للقرآن يذكرون جملة من القواعد اللغوية وطرق الاستنباط
    رابعا: يتكلمون عن السنة ومباحثها
    خامسا: بقية الأدلة وهي كما هو معلوم شرع من قبلنا ومذهب الصحابي والإجماع والقياس والاستصحاب والاستحسان
    سادسا: يتكلمون عن أحوال المجتهدين ثم عن مسائل التعارض والترجيح
    سابعا: يختمون أخيراً بالكلام على مباحث الحكم أي الحاكم والحكم الشرعي والمحكوم فيه والمحكوم عليه والأهلية وهذا واضح في تأمل الكتب والمؤلفات على هذا المنهج .

    ثالثاً : طريقة المتآخرين وتسمى طريقة الجمع بين منهجي الشافعية والحنفية :
    س52- متى ظهرت هذه الطريقة طريقة المتآخرين؟
    ج52- هذه الطريقة ظهرت في القرن السابع الهجري في عصر التقليد وتعد مدرسة فريدة ً في التأليف في علم أصول الفقه

    س53- على ماذا تقوم هذه الطريقة (طريقة المتأخرين)؟
    ج53- تقوم هذه الطريقة على الجمع بين طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية
    فتقوم على تحقيق القواعد الأصولية وإثباتها بالأدلة ثم تطبيقها على الفروع الفقهية

    س54- من هم مؤلفوا هذه الطريقة (طريقة المتأخرين)؟
    ج54- بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية

    س55- لماذا سميت هذه الطريقة بالمتأخرين؟
    ج55- لأنها ظهرت في وقت متآخر بعد استقرار التأليف في علم أصول الفقه

    مهــــــــــــــم:
    وقد أفادت هذه الطريقة كثيرا ً في مجال المقارنة ومناقشة الآراء الأصولية لكلتا الطريقتين السابقتين مع الترجيح بينهما في الجزيئات الفقهية لكن الكتابة على هذه الطريقة في الغالب أتسمت بالإيجاز والتلخيص

    س56- ما أهم الكتب والمؤلفات على هذه الطريقة ؟
    ج56-كتاب (بديع النظام ) الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام للآمدي وهو لابن الساعاتي الحنفي.
    كتاب (تنقيح الأصول ) وشرحه ويسمى كتاب ( التوضيح شرح التنقيح ) وهو لصدر الشريعة من علماء الحنفية وجمع في كتابه هذا بين ثلاث مؤلفات هي أصول البزدوي والمحصول للرازي الشافعي و(منتهي السول والأمل) أو ( المختصر الأصولي )لابن الحاجب المالكي
    ومن الكتب أيضا (جمع الجوامع) لتاج الدين عبد الوهاب ابن علي السبكي واستمد مضمونه من ما يقرب من مئة مصنف كما يذكر وسماه (جمع الجوامع) ومنها أيضا.
    كتاب (التحرير) لكمال الدين ابن الهمام وهذا الكتاب له شروح كثيرة منها (التقرير والتحبير) شرح التحرير لابن أمير الحاج وهو من علماء الحنفية وأيضا ً كتاب (تيسير التحرير) لأمير باد شاه وهو أيضا من علماء الحنفية من الكتب أيضا
    كتاب (مسلم الثبوت ) لمحب الله بن عبد الشكور الهندي وهو من أدق الأدلة التي ألفت على هذه الطريقة ومن أحسنها شرحه محمد بن نظام الدين الأنصاري في شرح نفيس سماه ( فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ) هذا فيما يتعلق بهذه الطرق الثلاثة التي سار عليها التأليف في أصول الفقه .

    س57- ما هو الكتاب الذي كان من أق الأدلة على هذه الطريقة (طريقة المتأخرين)؟
    ج57- كتاب (مسلم الثبوت ) لمحب الله بن عبد الشكور الهندي وهو من أدق الأدلة التي ألفت على هذه الطريقة ومن أحسنها شرحه محمد بن نظام الدين الأنصاري في شرح نفيس سماه ( فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ) هذا فيما يتعلق بهذه الطرق الثلاثة التي سار عليها التأليف في أصول الفقه

    س58- أذكر الوقفات التي ذكرها أستاذ هذه المادة لهذه المناهج الثلاثة؟
    ج58- الوقفة الأولى : أن حصر المناهج أو الطرق في هذه الثلاث حصر غير دقيق رغم أن الكاتبين قد تواتروا في معظم مؤلفاتهم التي ألفوها في مناهج التصنيف في هذا العلم على ذكر هذه الطرق الثلاث والسبب فيما يظهر في حصرهم .علل؟
    أنهم اعتمدوا على مقولة لابن خلدون الذي يعد أول من ذكر هذه المناهج الثلاث وتناقلوها عنه دون مناقشه وإلا في الحقيقة فإننا عندما نتأمل التأليف في علم أصول الفقه نجد هناك طرقا أخرى للتأليف يمكن أن نذكر منها طريقتين آخريين فمنها مثلا:
    طريقة : بناء الفروع على الأصول أو تخريج الفروع على الأصول فهذه الطريقة
    تعنى بذكر القاعدة الأصولية ثم ذكر ما يتفرع عليها من المسائل الفقهية
    ومن أبرز المؤلفات على هذه الطريقة:
    تخريج الفروع على الأصول للزنجاني وهو من علماء الشافعية
    كتاب(مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول ) للشريف التلمساني وهو من علماء المالكية تعرض فيه للقواعد الأصولية التي وقع فيها الخلاف وبين أثرها في المذاهب الثلاثة الحنفي والمالكي والشافعي
    كتاب (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول ) لجمال الدين الأسنوي وهو من علماء الشافعية
    ( كتاب القواعد والفوائد الأصولية ) لعلاء الدين ابن اللحام الحنبلي
    فهذه مؤلفات من مختلف المذاهب ألفت على هذه الطريقة التي نعدها طريقة أخرى من طرق التأليف في علم أصول الفقه ومن الطرق التي يمكن أيضا أن نذكرها في هذا المقام ما يسمى بطريقة المنهج الاستقرائي وهذه تبناها, من تبنا هذه الطريقة؟
    الإمام الشاطبي رحمه الله من علماء المالكية في كتابه ( الموافقات في أصول الشريعة ) على ماذا ركز في كتابه ؟
    ركز على معرفة كليات الشريعة ومقاصدها بناء ً على النظر لاستنباط الاجتهادي لمعرفة كليات الشريعة ومقاصدها وأسرار التكليف ثم التوصل إلى هذه الكليات ومعرفة المقاصد من خلال الاستقراء لأحكام الشريعة وجزئياتها مع الاستدلال بالأصول النقلية وأطراف من القضايا العقلية وهاتان طريقتان آخريان يمكن أضافتهما للمناهج السابقة التي ذكر أنها مناهج التأليف في علم أصول الفقه .

    الوقفة الثانية : أن تسمية منهج غير الأحناف لمنهج المتكلمين لما في طريقتهم من الشبه بطريقة أهل الكلام التي تستند إلى الدليل العقلي دون نظر في الجزئيات فإن هذا السبب أول من أطلقه ابن خلدون رحمه الله فقد نقلت عنه هذه المقولة دون تمحيص .
    ولنا مع هذه الوقفة ملاحظتان :
    الملاحظة الأولى : في تسمية من عدا الحنفية بالمتكلمين فنقول بهذا إن علم الكلام الذي ينسب إليه المتكلمون علم مذموم عند السلف وهو شعار لمن ترك الاستدلال بالكتاب والسنة ومال إلى أقوال الفلاسفة وقواعد المنطقيين فإطلاق هذه التسمية على من عدا الأحناف من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم إطلاق يحمل في لفظه ما يقتضي رفضه ويدل على معناه ما يستوجب نقضه فحين إذ ٍ ما يستوجب تسمية هذا المنهج بمنهج المتكلمين فيها ما فيها من الملاحظة .
    الملاحظة الثانية : أن القول فيمن عدا الأحناف يميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن لأنه غالب فنونهم ومقتضى طريقتهم قول ينقضه البرهان والواقع فإن الناظر في كتب القوم يجد أنهم يستدلون على قضاياهم الأصولية بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول فهم مستندون آرائهم الأصولية على هذه الأدلة كيف لا وهم جميعا يقررون أن أصل الأدلة هو الكتاب ثم السنة المبينة له ثم الإجماع المستند إليهما ثم القياس غير المعارض لهذه الأدلة ,, نعم لم يسلكوا منهج الحنفية في استخراج آرائهم الأصولية من فتاوى أئمتهم بل بينوا ذلك على ما يدل عليه الكتاب والسنة والإجماع والمعقول الصحيح إلا أنه يبقى أن هذا المنهج له طريقته المميزة التي استقل بها هؤلاء العلماء ولم يتأثروا فقط بالمنهج العقلي الذي أشيع عنهم وإنما لهم جهد واضح بالاستدلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع .


    جرت عادة بعض العلماء أن يبدؤوا كلامهم في مسائل أصول الفقه الخاصة بهذا العلم بمسائل الحكم الشرعي فيتعرض لجملة من مسائله و أقسامه وتعريفاته ونحو ذلك ويعد الحكم الشرعي هو الدائرة التي يدور حولها كلامنا في هذا العلم وفي هذه الحلقة سيكون كلامنا على الحكم الشرعي حقيقته وأقسامه وفي هذا سنتكلم عن المراد بالحاكم وما يترتب على تحديد من هو الحاكم ,ثم نتكلم عن المراد بالحكم الشرعي ويشمل ذلك تعريفه وشرح هذا التعريف ثم نعرض للكلام على أقسام الحكم الشرعي مع تبيين قسمي الحكم الشرعي وتعريف كل قسم وشرح التعريف لكل قسم منها وبيان الفروق بين هذه الأقسام , فأما ما يتعلق بمسألة الحاكم فإنه قبل الدخول في تعريف الحكم لابد من الإشارة

    س59- العلماء عندما يريدون البحث في الأحكام يفصلون الكلام فيها إلى أربعة أبواب أذكرها ؟
    59- الحاكم والحُكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه
    وما ذلك إلا لتعلق أبحاث هذه الأحكام بكل منها

    س60- ما المراد بالحاكم؟
    ج60 - هو الله جل وعلا إذ إنه مما لا مجال للشك فيه أن الحاكم عند المسلم هو الله عز وجل وأن الحاكمية المطلقة له وحده سبحانه

    لأنه الخالق البارئ العليم الحكيم المتصرف في ملكه كما يشاء ولم يعرف التاريخ خروجا ً عن هذه الحاكمية المطلقة لله تعالى إلا من شرذمة من الملحدين الذين تنكروا لوجود الله تعالى واستبدلوا بعبادته سبحانه عبادة َشهواتهم وأهوائهم ليطلقوا لأنفسهم العنان للفساد بزعمهم أما أمة الإسلام بجميع طوائفها فمجمعة ٍعلى أنه لا حكم إلا لله تعالى وإن اختلف بعضهم في طرق معرفة هذه الأحكام الإلهية فهل يمكن معرفتها عن طريق العقل أو لا تدرك إلا عن طريق الشرع فقالت طائفة ٌ منهم
    إن العقل على الرغم من إدراكه حسن بعض الأفعال وقبحها فإن هذا الإدراك وحده لا يجعل هذا الشيء لازما ً ومطلوبا ً شرعا ما لم ترد به الأدلة الشرعية فإن العقل عندهم لا يوجب وجوب الحكم بمجرد إدراك الحسن أو القبح وإنما يستدعي لذلك الإدراك استحقاق الفعل للحكم من الله عز وجل لأنه سبحانه حكيم عليم لا يرجح ما هو مرجوح , وإذا لم ترد الأدلة الشرعيةُ به فلا إيجاب ولا تحريم
    وقال طائفة ٌ أخرى إن العقل لا مدخل له في معرفة الأحكام الشرعية لأنه يظن القبيح حسنا والحسن قبيحا فلا يدرك الحكم إلا عن طريق الشرع
    وقالت طائفة ثالثة: أن العقل مدرك لبعض الأحكام الإلهية سواء ورد بها الشرع أو لا ويقصدون بإدراكه هذا أن العقل إذا علم حسن الفعل علم أنه مأمور به من قبل الشارع لا بمعنى أن العقل أوجبه بنفسه على الله وعلى العباد وكذلك إذا علم العقل قبح الفعل علم أنه منهي عنه من قبل الشارع لا بمعنى أن العقل هو الذي نهى عنه ويتقرر مما سبق أن خلاف العلماء في طرق معرفة الحكم لا يخرجهم عن الاتفاق بأن الحاكم هو الله أولا ً وآخراً ولذلك اتفقوا على وجوب الإذعان لهذه الحاكمية هذا فيما يتعلق بمسألة الحاكم وأما مسألة الحُكم فإن المراد بالحُكم هنا خطاب الله تعالى أو ما يثبت به ذلك الحُكم وأما المحكوم فيه فالمراد به فعل العبد سواء كان هذا الفعل امتثالا ً أم اجتنابا وسواء أكان فعل الجوارح أم فعل القلوب

    س61- ما المراد بالمحكوم عليه؟
    ج61- وأما المحكوم عليه فهو العبد الذي توجه إليه الخطاب وتعلق بفعله وسيأتي بيان مسائل المحكوم عليه في شروط التكليف عند الحديث عن المكلف , فأما الحكم الشرعي ومسائل الحُكم ومباحث الحُكم فإننا سنتكلم كما قلنا ابتداء ً بتعريف الحُكم الشرعي وسنتكلم من خلال ذلك عن تعريفه في اللغة وتعريفه في الاصطلاح .

    س62- عرف الحكم في اللغة؟
    ج62- فله عدة معاني منها القضاء ومنها المنع فيقال حكمت عليه بكذا إذا منعته من ذلك ويظهر من هذا المعنى اللغوي لكلمة حكم أننا إذا قلنا حكم الله أو حُكم الله في مسألة الوجوب معناه أنه سبحانه قضى فيها بالوجوب ومنع المكلف من مخالفته هذا معنى كلمة الحُكم في اللغة .
    س----- ما الرماد بكلمة الشرع؟
    ج---- فمعناه أن الحُكم منسوب إلى الشرع ومعنى نسبته إلى الشرع أن الحُكم مستفادٌ من أدلة الشرع

    س63- عرف الحكم الشرعي في اصطلاح العلماء؟ تعريف الأصوليين؟
    ج63- المقصود به اصطلاح علماء أصول الفقه فقد ذكر الأصوليون للحكم عدة تعريفات منها :
    تعريف جمهور الأصوليين منهم بأنه (خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً) وقد تختلف عباراتهم في أداء هذا التعريف وهناك تعريف آخر أختاره بعض الأصوليين

    س64- ما هو تعريف العالم الأصولي لأصول الفقه سيف الدين الآمدي للحكم؟
    ج64- سيف الدين الآمدي بأنه عرف الحُكم بأنه (خطاب الشارع المفيد فائدة ً شرعية)

    س64- بما وصف سيف الدين الآمدي تعريفه؟
    ج64- ووصف تعريفه هذا بأنه مطرد ٌ منعكس لا غبار عليه لكن الذي يظهر أن تقييد الآمدي للحكم بأنه ما يفيد فائدة ً شرعية يجعل تعريفه غير مانع إذ تدخل فيه الخطابات المفيدة ُ فائدةً شرعيه وليست بحُكم في الاصطلاح مثل إخبار الله عز وجل عن أحوال الأمم السابقة بالقرآن وعن أرضه سبحانه ما جرى لها من عذاب وغيره إذ أن هذه الأخبار تفيد فائدة ًشرعيه مقصودةً للشارع وتتعلق بالمكلفين وأفعالهم كفائدة الاعتبار والاتعاظ بأحوالهم كما تدخل فيه الخطابات غير المتعلقة بأفعال المكلفين لذلك تبقى القيود التي قيد بها الجمهور تعريفهم وهو التعريف الأول هي الطلب والتخيير والوضع تبقى هي المرجحة في التعريف لأنها أكثر دقة ً وتحقيقا ً للاطراد والانعكاس

    س65- ما التعريف الثالث للحكم من بعض أصولي الفقه؟
    ج65- تعريف مشى عليه كثير من الفقهاء فقالوا في تعريف الحُكم هو (أثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً) وقد يعبر عنهم بعضهم بقريب من هذا المعنى فيقول الحُكم هو (مدلول خطاب الشارع)
    فواضح من هذه التعريفات أو من هذا التعريف الأخير أنهم جعلوا أثر الخطاب ومدلوله هو الحُكم ولم يعتبروا الخطاب نفسه حُكما كما فعل جمهور الأصوليين والآمدي فالحُكم عند هؤلاء في قوله تعالى " وأقيموا الصلاة " هو وجوب الصلاة المستفاد من هذا النص الشرعي أما جمهور الأصوليين فيعتبرون النص نفسه هو الحكم وأما التعريف المختار من هذه التعريفات للحكم الشرعي فإن الذي يترجح في تعريف الحُكم الشرعي هو التعريف الثالث الذي أختاره بعض الأصوليين ومشى عليه كثير ٌ من الفقهاء وهو تعريف الحُكم الشرعي بأنه أثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد اقتضاء ً أو تخييرا ً أو وضعاً وهذا الاصطلاح مشى عليه بعض الأصوليين وأيضا الفقهاء وهذا التعريف يجعل الحُكم أثر الخطاب وليس الخطاب نفسه

    س66- ما التعريف المرجح من هذه التعريف ولماذا؟
    ج66- التعريف الثالث هو الراجح
    و السبب لترجيحنا لهذا التعريف هو
    أن هذا التعريف الأخير ميز الحكم الشرعي عن دليله تمييزا ً واضحا فجعل الحُكم ما ثبت بالخطاب والدليل هو الخطاب نفسه خلافاً لتعريف جمهور الأصوليين الذي دمج بينهما تقريبا ً بجعل الخطاب الشرعي دليلا ً وحكما ً في آن واحد

    مهـــــــــــــــــم:
    وبترجيحنا لهذا التعريف نسلم من كثير من الانتقادات التي وجهت لتعريف الأصوليين للحُكم الشرعي فنستريح من تكلف الأجوبة التي أضطر إليها جمهور الأصوليين دفاعا ً عن مصطلحهم بما لا يقطع النزاع ولا يؤدي إلى نتيجة ٍ سليمة ولولا هذه الاعتراضات القوية والأجوبة المتكلفة لما اضطررنا إلى ترجيح اصطلاح على اصطلاح إذ لا مشاحة َ في الاصطلاح إلا أن وجود ما ذكرنا والخروج بذلك عن موضوع الأصوليين اضطرنا إلى ترجيح اصطلاح ٍ قائم ٍ هو أسلم وأحكم وإن مما يؤيد هذا الترجيح أن جمهور الأصوليين عندما أرادوا تعريف الخطاب الوارد في تعريف الحكم قالوا إن المراد به ما خوطب به فأطلق المصدر وأريد به اسم المفعول مجازا لأن الخطاب في حقيقته هو توجيه الكلام وتوجيه الكلام ليس بحكم وإنهم لو عرفوا الحُكم بأثر الخطاب لسلموا من هذه الإشكالات وغيرها, وممن نحى هذا المنحى
    وأخذ بهذا الترجيح الشيخ بخيت المطيعي رحمه الله فإنه نسب هذا الترجيح في هذا التعريف إلى المحققين وتعجب ممن لا يزال يسلك في تعريف الحُكم مسلك جمهور الأصوليين الذي لا يسلم من الاعتراضات الكثيرة في ذلك , حيث قال : وما أحوجنا إلى رعاية هذه التكلفات إلا اصطلاح أولئك المتآخرين من الأشاعرة ِ ومن وافقهم على أن الحُكم هو الخطاب المتعلق ثم قال ولو عرفنا الحُكم من أول الأمر بما هو مصطلح الفقهاء من أنه ما ثبت بالخطاب اللفظي إلى آخر ما تقدم لسلمنا كل ما قاله المعتزلة وسلمنا من اعتراضاتهم ولم نحتج إلى تكلف الجواب عنهم بما هو بعيد عن الحقيقة , وإذا خلصنا إلى ترجيح هذا التعريف فإننا يمكن أن نصل إلى شرح هذا التعريف فنقول عندما اخترنا هذا التعريف بأنه أثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا ً أو تخييرا ً أو وضعا فإننا في شرحنا لهذا التعريف نقف عند كلمات هذا التعريف

    س67- ما شرح التعريف الثالث الراجح للحكم؟
    ج67-المراد بقولنا أثر خطاب الله : ماثبت بالخطاب ونتج عنه كما أوضحنا ذلك في الكلام عن تعريف الفقهاء للحُكم وليس الخطاب نفسه كما هو عند جمهور الأصوليين .
    والمراد بقولنا خطاب الله تعالى: ما خوطب به العباد لا حقيقة الخطاب وذلك على سبيل إطلاق المصدر على اسم المفعول وقد صار بعد الاصطلاح عليه حقيقةًً عرفية ويظهر من قولنا في تعريف الخطاب ما خوطب به أن المراد به كلام الله تعالى وهو مبحوث في علم الأصول إجمالاً وفي الفقه تفصيلا وخرج بقيدنا خطاب الله تعالى خطاب غير الله تعالى من الجن والإنس والملائكة إذ لا حُكم إلا لله تعالى ودخل فيه ما ثبت بخطابات السنة والإجماع والقياس وقد ظن بعضهم خروج هذه الأمور عن حكم الله تعالى فاعترض على هذا التعريف بمثل هذا إلا أن الحق أنها داخلةٌ في هذا لأن خطابات الله تعالى منها ما ينسب إليه مباشرة ً كالتي وردت بالقرآن الكريم ومنها ما ينسب إليه بواسطةٍ كالتي ثبتت بالسنة وغيرها من الأدلة الشرعية المعتبرة فكل هذه الأدلة في حقيقتها راجعة ٌ إلى خطاب الله عز وجل ومعرفاتٍ بحكمه وليست بمثبتاتٍ ولا منشئات ويظهر لنا هذا واضحا ً بالرجوع للأدلة وحجيتها في كتب أصول الفقه.
    وأما قولنا المتعلق : فهذا مقصود به المرتبط بمعنى ارتباط الخطاب بالفعل على وجهٍ من الوجوه الآتي ذكرها لا مطلق التعلم
    وخرج بقولنا فعل العباد : ما تعلق من الخطابات بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله كقوله عز وجل {شهد الله أنه لا إله إلا هو} وقوله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} كما خرج بذلك ما تعلق بذات العباد لا بفعلهم كقوله عز وجل {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} ويخرج كذلك ما تعلق بالجماد كقوله تعالى {ويوم نسير الجبال}.
    وأما المراد بقولنا أفعال : فهذا لفظ عام يشمل أفعال القلوب والجوارح سواء منها الاعتقادات أو المعاملات أو العبادات أو الأخلاق فإنها جميعا ً تتعلق بها الأحكام الشرعية والمراد بقولنا العباد جنسٌ يشمل التعريف ما تعلق بفعل الواحد كما يشمل ما تعلق بفعل الجماعة فتدخل في التعريف الأحكام الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الخاصة ببعض صحابته رضوان الله عليهم كما تدخل الأحكام المتعلقة ما يطلق عليه لفظة عبد سواء كان صغيرا أو كبيرا وهذا دعا إلى العدول عن لفظة المكلفين إلى لفظة العباد وبناء ً على ذلك رجحنا استعمال لفظة العباد على لفظ المكلفين مع أن جمهور الأصوليين سار على التعبير بلفظ المكلفين بحجة أن الخطاب لا يوجه إلى الصبيان وإنما يوجه إلى البالغ العاقل فقط وإذا توجه إلى غيره كالصغير فإنه في الحقيقة متوجه إلى وليه ومع تسليمنا بذلك إلا أننا نقول أن الخطاب يمكن أن يوجه إلى الصبي غير البالغ كما أنه يتعلق الحكم بفعله ويكون تعلقه حينئذ ٍ معنويا وهو الذي يسميه الحنفية ِ بالوجوب في الذمة فلا فرق بهذا الوجوب بين الصبي والبالغ والمريض والصحيح والنائم والمستيقظ وفي هذا يقول ابن قدامة رحمه الله إن أهلية ثبوت الأحكام في الذمة الإنسانية التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي يفهم التكليف فكذا الصبي غير المميز مصيره إلى العقل فصلح لثبوت الحكم في ذمته ولم يصلح للتكليف في الحال فأما الصبي المميز فتكليفه ممكن لأنه يفهم ذلك إلا أن الشرع قد حط ّ التكليف عنه تخفيفا وعلى كل حال فإن الجمهور قد لاحظوا في الخطابات الشرعية الموجهة إلى الصبيان مباشرة ً فعدلوا بذلك إلى لفظ المكلفين دون لفظ العباد وهو ملحظ ٌ قد بينا موقفنا منه ثم إننا نقول إذا جاز أن يكون في تعلق الحكم التكليفي بفعل الصبي مجال النظر والمناقشة فإن تعلق الحكم الوضعي بفعل الصبيان وغيرهم من غير المكلفين مما لا يقبل مناقشة أصلا إذ إن الحكم الوضعي كما سيأتي لا يتوقف على عقل ولا فهم فلقد جعل الله تعالى حياة الجنين وقرابة الصبي سببا ً في ميراثهما كما جعل جناية الصغير سبباً في الضمان من ماله وإن دفع عنه وليه وكل هذه أحكام وضعية ٌ متعلقة بفعلهم ومادمنا قد اخترنا في أول الكلام أن نضيف إلى تعريف الحكم قيد الوضع واعتبرنا الحكم الوضعي نوعاً خاصاً من أنواع الحكم فيلزمنا حين إذ ٍ استبدال كلمة المكلفين بكلمة العباد ليصبح التعريف جامعا ً لكل نوع من أنواع الحكم وبهذا تظهر لنا وجاهة انتقاد صدر الشريعة الحنفي لكلمة المكلفين بالتعريف وتنبيهه إلى ضرورة استبدالها بكلمة العباد .
    والمراد بقولنا طلب ما جاء من الخطابات : على سبيل الطلب سواء أكان ذلك الطلب طلب إتيان بفعل أم طلب كفٍ عنه وسواء أكان ذلك الطلب جازماً أم غير جازم لأن كلمة الطلب تشمل هذه الأنواع كلها وقد يعبر بعضهم عن ذلك بقوله اقتضاءً ولكننا آثرنا التعبير بكلمة الطلب لأن كلمة الطلب أوضح دلالة ً على المراد
    والمراد بقولنا تخييراً : ما جاء من الخطابات على سبيل التخيير بين العمل والترك و استوى في ذلك الأمران وخرج بقيد الطلب والتخيير الخطابات المتعلقة بأفعال العباد مع أنها لا تفيد طلباً ولا تخييراً وإنما تعلقت بأفعالهم على سبيل الإخبار عما جرى لهم كما ورد في قصص القرآن عن أحوال الأمم السابقة كما في قوله تعالى مخبرا عن بني إسرائيل {لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل} .
    والمراد بقولنا في التعريف أو وضع : ما كان من الخطابات الشرعية المتعلقة بأفعال العباد خاليا عن الطلب والتخيير وإنما تضمنت وضع أشياء لهم كجعل الشيء سببا في الشيء أو شرطا له أو مانعا منه فحكم الله عز وجل بجعل الطهارة مثلا شرطا في صحة الصلاة وجعل القتل مانعاً من موانع الميراث وأمثاله أحكام وضعيةٌ شرعيه وليست بتكليفية ويجدر التنبيه إلى أن بعض الأصوليين لم يذكر قيد الوضع في التعريف ولم يعتبر الحكم الوضعي نوعا من أنواع الحكم الشرعي الذي يدخل في التعريف والذي يترجح أن الحكم الوضعي داخل ٌ في أقسام الحكم الشرعي ولذلك لابد من دخوله في تعريف الحكم والنص عليه في تعريفه هذا فيما يتعلق بتعريف الحكم الشرعي والتعريف المختار وشرح هذا التعريف

    س68- ما أقسام الحكم الشرعي؟
    ج68- ينقسم إلى قسمين : حكم شرعي تكليفي وحكم شرعي وضعي
    وقد ذكر العلماء تقسيمات أخرى للحكم الشرعي لكننا نعتمد الراجح منها في هذا الأمر المستمد من التعريف السابق للحكم الشرعي وهو أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين حكم شرعي تكليفي وحكم شرعي وضعي

    س69- عرف الحكم الشرعي التكليفي؟
    ج69- هو أثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلباً أو تخييراً

    س70- عرف الحكم الشرعي الوضعي؟
    ج70- فهو أثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد وغيرهم عن طريق الوضع
    وذلك بجعل الشيء ركنا ً في شيء آخر أو شرطا ً له أو سببا ً أو مانعا ً أو صحيحا ً أو فاسدا ً وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى للحكم الوضعي عند الكلام عنه وعن مسائله إذا تقرر هذا فإنا نحتاج إلى التفريق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي فحتى يتميز كل قسم منهما نحتاج إلى التفريق بينهما وقد

    س71- ذكر العلماء للفرق بين الحكم الشرعي التكليفي والحكم الشرعي الوضعي عدة أمور أذكرها؟
    ج71- الأمر الأول/ أن الحكم التكليفي في تعلقه بأفعال العباد إنما يكون بطلب شيء منهم أو تخييرهم فيه أما الحكم الوضعي فإنه حينما يتعلق بأفعال العباد فإنما يكون بوضع شيء لهم وترتيب أحكامهم التكلفية عليه ولذلك أطلق عليه بعض العلماء خطاب الإخبار.
    الأمر الثاني/ أن الأحكام التكليفية تكون دائما مقدورة وفي قدرة الإنسان لأن التكليف بما لا يقدر عليه المرء نوع من التكليف بالمحال الخارج عن القدرة وهذا تكليف غير واقع شرعا أما الأحكام الوضعية الشرعية فإنها يمكن أن تكون مقدورةً للمكلف كما يمكن أن تكون خارجةً عن قدرته فزوال الشمس مثلا يعد سببا ً في وجوب الصلاة ومع ذلك غير داخل ٌ في قدرته وقد توجد أحكام وضعيه تدخل في قدرته مثل السرقة فإنها حكم وضعي لأنها سبب في قطع اليد وهو داخل في قدرة المرء.
    الأمر الثالث/ أن الحكم التكليفي لا يتصور وجوده منفردا ً عن الحكم الوضعي, بخلاف الحكم الوضعي فإنه من الممكن إنفراده عن الحكم التكليفي كما يمكن اجتماعهما معا ومن أمثلة إنفراد الحكم الوضعي عن التكليفي أوقات العبادات وجعل الشارع البلوغ شرطا ً في التكليف ومن أمثلة اجتماعهما كون الزنا حراما ً وهو في الوقت نفسه سبب لوجوب الحد على صاحبه .
    الأمر الرابع/ أن الحكم التكليفي يتعلق بأفعال العباد دون أفعال الحيوانات وغيرها مما لا يمكن تكليفهم خلافا للحكم الوضعي فإنه يتعلق بكل هذه الأشياء فلو أتلفت الدابة شيئا ً ضَمٍن صاحبها فكان إتلافها سببا ً في الضمان وهذه أبرز الفروق بين الحكمين التكليفي والوضعي وبه نختم الكلام .


    الحكم التكليفي :

    س72- عن أي شيء سنتكلم في هذه الحلقة؟
    ج72- حقيقة الحكم التكليفي تعريفه وشرح هذا التعريف
    أقسام الحكم التكليفي وتقسيم جمهور الأصوليين وتقسيم الحنفية
    نشأة مصطلحات التقسيم والحكمة من تنوع أقسام الحكم التكليفي

    س73- عرف الحكم التكليفي؟
    ج73- هو قسم من أقسام الحكم الشرعي الذي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا ً أو تخييرا أو وضعا ويمكن أن نأخذ من هذا التعريف تعريف الحكم التكليفي

    س74- ما المراد بقولنا التكليفي؟
    ج74- فقد ورد هذا القيد في هذا القسم فالتكليفي مأخوذ ٌ من التكليف وهو الأمر بما يشق والمعنى الشرعي للتكليف يتفق مع المعنى اللغوي

    س75- ما المشقة الملازمة للتكليف في الشرع؟
    ج75- هي المشقة المعتادة التي يسهل تحملها
    أما المشقة التي تخرج عن طاقة المكلف وقدرته فليست داخلة ً في تكليفه والمشقة التي تدخل في طاقة المكلف هي المشقة المعتادة الملازمة لطبيعة التكليف والتي لا يخلو منها حكم من الأحكام فالطهارة مكلف بها المسلم وطلبها لا يخلو من نوع من المشقة كما أن الصوم مطلوب أيضاً ومكلف به المسلم والقيام به لا يخلو من نوع من المشقة وهذا النوع من المشقة في قدرة الإنسان وفي قدرة المرء وطاقته فإذن يكون المراد بالتكليف هنا ما فيه كلفة ٌ ومشقة هذا المراد بالتكليف

    س76- ما المراد بالحكم الشرعي التكليفي في الاصطلاح؟
    ج76- نأخذه من تعريف الحكم الشرعي بشكل عام فنقول بالحكم الشرعي التكليفي هو : خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا ً أو تخييرا

    مهـــــــــــــــــــم:
    إلا أن هذا التعريف لا يخلو من إشكال حاصله أننا لما أدخلنا في قيود التعريف قولنا طلبا أو تخييرا ورد على ذلك أن التخيير ورد قيدا ً من قيود الحكم التكليفي مع أن التخيير في حقيقته وهو الإباحة لا يتضمن طلبا ولا تكليفا وإنما يستوي فيه جانب الفعل وجانب الترك , وقد تكلف بعض الأصوليين للجواب عن ذلك أجوبة ًنعدها بعيدةً في هذا المقام فقالوا إن التخيير أو ما يسمى بالإباحة هو تكليف أيضا فإن خطاب الشارع الذي ورد بالتكليف على سبيل التخيير في أمر من الأمور يتضمن تكليف المكلف به باعتقاد أن هذا الأمر مباح أو باعتقاد أن هذا التخيير صادر من الشرع ويغني عن هذا الجواب ما أجاب به جمهور الأصوليين من أن إطلاق التكليف على ما اشتمله هذا التعريف إنما هو من باب التغليب إذ إن صفة التكليف متوفرةٌ في أكثر أنواع الحكم التكليفي وهو استعمال معروف في اللغة العربية وأساليبها وجعل بعضهم إطلاق التكليف على التخيير ونحوه من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء لأن التكليف في الحقيقة إنما هو للوجوب والتحريم وهذان الجوابان الأخيران هما اللذان نرتضيهما ولو جاز لنا أن نقبل الجواب الأول الذي يقول أن تسمية التخيير أو دخوله في التكليف من باب أن المرء مكلف باعتقاد كونه مخيراً لقلنا أيضا في الأحكام الوضعية أيضا أنها أحكام تكليفيه لأن المرء مكلف باعتقاد بأن الشارع قد وضعها فهو ملزم بذلك إلا أن هذا لا نرتضيه بالحكم الوضعي فكذلك لا نرتضيه في الجواب عن كون التخيير من أحكام التكليف فخلص من هذا أن الحكم التكليفي هو أثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا أو تخييراً ، هذا في ما يتعلق بحقيقة الحكم التكليفي .



    س77- ما أقسام الحكم التكليفي؟ بحسب جمهور الأصوليين؟
    ج77- أما أقسام الحكم التكليفي وأنواعه فإنه ينقسم بحسب تعريفه
    فجمهور الأصوليين على أنها خمسة أقسام
    خمسة هي : الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة وقد يعبر عنها بعضهم بلفظ الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح

    س78- ما أقسام الحكم التكليفي؟ بحسب جمهور الحنفية؟
    ج78- والحنفية على أنها سبعة أقسام
    الحنفية فأنهم يقولون أقسام الحكم التكليفي سبعة وهي : الفرضية والوجوب والحرمة والكراهة التحريمية والندب والكراهة التنزيهية والإباحة
    وقد يعبرون عنها بألفاظ أخرى فيقولون الفرض والواجب والحرام والمكروه تحريماً والمندوب والمكروه تنزيها والمباح


    س79- من أين استخلص الطرفان أقسام الحكم التكليفي؟
    ج79- استخلص هذه الأقسام من التعريف الذي ذكرناه للحكم الشرعي التكليفي وقلنا أنه أثر خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال العباد طلبا أو تخييرا فإذا أتينا لننظر في وجهة نظر كل فريق منهم في تقسيمه هذا التقسيم بحسب العدد الذي ذكره

    س80- ما سبب تقسيم جمهور الأصوليين واعتمادهم هذه الأقسام الخمسة؟
    ج80- كأقسام للحكم التكليفي فإنهم يقولون إننا ننظر في الحكم التكليفي وهو أثر خطاب الله تعالى وهو إما أن يكون واردا ً بطلب الفعل وإما أن واردا ً بطلب الترك وإما يكون واردا ً بالتخيير فإن ورد بطلب الفعل فننظر إن ورد على سبيل الجزم فهذا نسميه واجب أو وجوب وأن ورد بطلب الفعل على غير سبيل الجزم والحتم فهذا نسميه ندب أو مندوب وطلب الترك إما أن يرد على سبيل الجزم فهذا نسميه محرما ً أو حرام أو على غير سبيل الجزم فإننا نسميه مكروها وأما إن ورد خطاب الله تعالى بطلب التخيير فنسميه إباحة

    س81- ما سبب تقسيم جمهور الحنفية واعتمادهم هذه الأقسام الخمسة
    ج81- وأما الحنفية فأنهم يفصلون أكثر في هذا الأمر فيقولون فننظر في أثر خطاب الله تعالى إما أن يرد بطلب الفعل وإما أن يرد بطلب الترك وإما أن يرد بالتخيير وأن ورد بطلب الفعل فإما أن يكون جازما أو غير جازم
    فإن ورد بطلب الفعل على سبيل الجزم والحتم فننظر إن كان دليله قطعيا فهذا هو الفرض
    وأما إن كان دليله ظنيا فهذا نسميه الواجب
    وأما إن ورد طلب الفعل على غير سبيل الجزم والحتم فهذا هو المندوب أو الندب
    ثم قال ننظر في طلب الترك فإما أن يرد على سبيل الجزم أو على غير سبيل الجزم
    فإن ورد على سبيل الجزم والحتم فننظر إن كان دليله قطعيا فهذا هو المحرم
    وإن كان دليله ظنيا فهذا هو المكروه تحريما
    وأما إن ورد طلب الترك على غير سبيل الجزم والحتم فهذا نسميه مكروها كراهة تنزيه أو المكروه تنزيها
    ثم قالوا وأما أن ورد على سبيل التخيير فهذا هو الإباحة

    مهــــــــــــــــم:
    فحصل بذلك أن تبينا وجهة نظر الحنفية في هذا التقسيم إلى الأقسام السبعة وهنا يمكن أن نقول أن الجمهور اقتصروا على هذه الأقسام الخمسة والحنفية اقتصروا على هذه الأقسام السبعة إلا أن بعض الأصوليين قد ذكر أقساما ً وأنواعا أخرى سوى هذه الأقسام فنجد
    مثلا ابن السبكي في كتابه (جمع الجوامع ) قد أضاف إلى أقسام الحكم التكليفي نوعا أو قسما آخر سماه خلاف الأولى

    س----- ما الأقسام التي ضافها ابن السبكي؟
    ج----- في كتابه (جمع الجوامع ) خلاف الأولى ويرجع الى القسم المعروف بالمكروه

    وهو في الحقيقة يرجع إلى القسم المعروف بالمكروه ونجد أيضا أن هناك من أضاف قسما آخر وسماه العفو

    س----- هناك من أضاف قسم آخر ؟
    ج----- هو العفو ونسب الى الشافعية

    ونسب ذلك إلى بعض الشافعية وقال أننا عندنا أحكام لا توصف بحل ولا حرمه مع أن الله تعالى قد حكم فيها ومثل لذلك بوطء الشبهة وقال بأن ذلك لا يوصف بحل ولا حرمة ولابد أن يكون لله تعالى حكم فيه فنطلق عليه وصف العفو ويأخذ قسما آخر من أقسام الحكم التكليفي فهذان قسمان آخران زادهما بعض العلماء على أقسام الحكم التكليفي سواء الخمسة عند جمهور الأصوليين أو السبعة عند الحنفية ونحن إذا تأملنا هذه الألفاظ التي بيناها قبل ذلك وقلنا واجب وحرام وندب وكراهة وإباحه فأننا في هذه الحالة نلحظ اختلاف عبارات العلماء فمنهم من يعبر
    مثلاً ولنأخذ مثال على ذلك الواجب فمنهم من يعبر بالواجب ومنهم من يعبر بالوجوب ومنهم من يعبر بالإيجاب فالعلماء يختلفون في تعبيراتهم فكثيرا ما يطلقون الإيجاب والتحريم والندب والكراهة والإباحة وكثيرا ما يطلقون الواجب بدل الإيجاب والحرام بدل التحريم والمندوب بدل الندب والمكروه بدل الكراهة والمباح بدل الإباحة ولتوجيه ذلك قال بعضهم: إننا لما عرّفنا الخطاب الوارد في التعريف بأنه ما خوطب به المكلف أو العبد فإنه لابد أن يكون مخاطبا بـ(افعل) أو (لاتفعل) فليس للفعل صفة حقيقية لذلك نطلق على هذا المخاطب به بالنسبة إلى مصدره اسم الإيجاب وبالنسبة لتعلقه بالفعل اسم الواجب فإما أن ننظر إلى المصدر من الأمر أو النهي وإما أن ننظر إلى الأثر أو الفعل فإذا لاحظنا المصدر الذي انبثق منه هذا الأمر أو هذا النهي فإننا نسميه إيجابا أو تحريما مثلا وإذا لاحظنا تعلقه بفعل المكلف فإننا نسميه واجبا أو محرما أو نحو ذلك فإذن مثل هذه الألفاظ تعتبر ألفاظا متحدة في ذاتها ومختلفة في اعتبارها ,ولما كانت متحدة في ذاتها فإنه يجوز لكل فريق أن يطلق ما يختاره من الأسماء على حسب الاعتبار الذي لاحظه فلا ننكر إطلاق الإيجاب أو الحرمة لكن
    بشرط أن ننظر إلى الاعتبار الذي يبني عليه فإن بنينا على المصدر نتخذ لفظا معينا وإن بنينا على الفعل الذي يصدر من المكلف نعتبره لفظاً معيناً وهذا من باب الدقة في التعبير , هذا فيما يتعلق بأقسام الحكم التكليفي وتقسيم الجمهور والحنفية لهذه الأقسام .
    وهنا قد يتساءل سائل فيقول هل هذه المصطلحات التي ذكرتموها سواء عند الجمهور أو عند الحنفية هل لها مستند من الشرع بمعنى هل هي مصطلح عليها شرعا قد ورد بها القرآن والسنة فنقول في الجواب عن هذا والكلام عن نشأة هذه المصطلحات التي هي سميت أقسام الأحكام التكليفية فإننا نقول إن هذه الأنواع للحكم التكليفي وجدت بمعناها الاصطلاحي وحدودها وتعريفاتها التي ذكرناها قبل قليل متآخرة ً عن الصدر الأول وذلك تبعا ً لتدوين علم أصول الفقه إلا أن معظم هذه الأسماء أو المصطلحات كان مستعملا ً في الصدر الأول في إطار معناها اللغوي فنجد مثلا ً في الصدر الأول استعمال لفظ (الحلال والحرام) ولفظ (الواجب والسنة) وغير ذلك،
    وكثيرا ًما استعمل الشارع هذه الألفاظ بمعنى اللغوي العام فكلمة مكروه ، مثلاً استعملها الشارع بمعنى المبغوض
    س---- كيف استعمل الشارع كلمة مكروه؟
    ج----- بمعنى المبغوض سواء كان حرام أم مكروه

    س---- حدت استعمال الكلمات( الحلال – السنة - وكلمة فرض – كلمة المندوب – وكلمة الحرام- كلمة مكروه؟
    ج----- كلمة الحلال بما يقابل كلمة الحرام
    لفظ السنة بمعنى الطريقة حتى شملت السنة باستعماله الواجب والمندوب
    فكلمة فرض مثلا ًوردت بالقرآن الكريم بمعنى القطع كما جاءت بمعنى التقدير والإلزام وكلمة الحرام وردت في القرآن بما يقابل الحلال وجاءت في الحديث أو في السنة كذلك
    أما كلمة المندوب فلا نجد لها ذكرا ً في لسان الشرع بمعناها الاصطلاحي
    إلا أن كلمة السنة المرادفة لكلمة المندوب وردت كثيراً بمعناها اللغوي في كثير من نصوص القرآن والسنة
    وكلمة مكروه استعملها الشرع بمعناها اللغوي كثيرا بما يقابل المحبوب واستعملت لفظ مكروه أيضا بما يشمل الحرام في بعض النصوص الواردة في السنة وأما لفظ مباح فلا يوجد له ذكرٌ في القرآن والسنة وإنما ورد معناها في نصوص أخرى في القرآن والسنة فوردت بلفظ رفع الجناح ولفظ الحلال،
    ولفظ رفع الحرج ونحو ذلك من الألفاظ

    بقيت هذه الألفاظ مستعملةً بلسان الشرع بالمعنى العام
    حتى جاء عهد التدوين لعلم أصول الفقه وظهرت الضرورة العلمية إلى تقسيمها وتحديدها بمعان اصطلاحيه ليدخل تحت كل نوع منها ما يناسبه من فروع فقهية فسلك العلماء حينئذٍ ووقفوا من ذلك المسلك الاستقراء فتتبعوا النصوص الشرعية والأحكام الفقهية فوجودها لا تخرج عن هذه الأقسام التي عدها بعضهم خمسة وعدها بعضهم سبعة ولذلك الواقع يسند هذا فإننا لا نجد فرعا من الفروع الفقهية يخرج حكمه عن هذه الأقسام الخمسة أو الأقسام السبعة إلا ما رآه بعضهم من زيادة الأقسام كما بينا ذلك في القسم الذي زاده بعضهم وهو قسم العفو أو ما يعرف بقسم خلاف الأولى. هذا فيما يتعلق بنشأة هذه المصطلحات فتلخص من ذلك أن هذه المصطلحات في جملة منها قد استعملت في نصوص القرآن والسنة بمعان عامه لا تعني المصطلح الدقيق الذي تكلم عنه علماء أصول الفقه بعد ذلك في عصر التدوين ومنها ألفاظ لم تستعمل في الصدر الأول إنما ظهر استعمالها والاصطلاح عليها بعد عصر التدوين في أصول الفقه وعلى كل حال كما قلنا فإن هذه الاصطلاحات دعت إليها الضرورة العلمية وضرورة ضبط الأحكام وضبط الألفاظ في مجال التأليف والتدوين ونختم في الكلام على أقسام الحكم التكليفي في الكلام عن نقطةٍ قد يتساءل عنها وقد تكون محل لتساؤل بعض الأذهان وهي ما الحكمة إلى أن ينوع الشرع الأحكام التكليفية إلى هذه الأقسام الخمسة أو السبعة وفي هذا نقول إن الحكمة ليس بالضرورة ِ أن تظهر لنا فكثيرا ً ما يأمرنا الشرع أو يوجهنا إلى الالتزام بأمور قد لا تظهر لنا الحكمة فيها فلا يعني ذلك التوقف عن العمل لكن التماس الحكمة أمر مشروع لأنه يزيد النفس اطمئنانا ويثيرها على العمل

    فقد يرد تساؤل المرء هنا فيقول مادامت الأحكام التكليفية بهذه الأقسام صادره من الله تعالى ومادام أن شريعة الإسلام عبارة عن أمر ونهي فلماذا تنوعت هذه الأوامر والنواهي إلى واجب ومندوب وحرام ومكروه ونحو ذلك ولماذا لا تكون كلها واجبات ومحرمات

    ففي الجواب عن ذلك نقول :أن الله تعالى رحيم بعباده وحكيم في تشريعه فلم يقيد الله تعالى المكلفين بهذه الأحكام التي هي الواجبات والمحرمات فقط لأن في ذلك تضييقا عليهم وإحراجا لهم فشرع هذه الأحكام لتوصلوا بالسير على منهاجها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة

    ولهذا صرح جمهور العلماء بأن أحكام الله عز وجل معللة بمصالح العباد فالشريعة من حيث هي جالبة ٌ للمصالح ودارئة ٌ للمفاسد وبهذا يقول الشاطبي رحمه الله إنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد
    ويقول في موضع آخر تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق وهذه المقاصد لا تعدو
    ثلاثة أقسام أحدها أن تكون ضرورية
    والثاني أن تكون حاجية
    والثالث أن تكون تحسينية ولما كانت الأحكام التكليفية من مصلحة الإنسان كان قصرها على الوجوب والتحريم يشتمل على نوع من الحرج والمشقة فقد لا يستطيع الإنسان لضعفه أحيانا امتثال جميع الأوامر واجتناب جميع النواهي ولذلك فتح الله لعباده باب المباحات توسعة عليهم من جهة وجعل لهم المندوب والمكروه تخفيفا ً عليهم وزيادةً في الابتلاء لهم من جهة أخرى ولتكون هذه الأنواع سترةً بينهم وبين الحرام ولعل من الحكم التي يمكن أن تلتمس أيضا ً هنا أن في ذلك ابتلاء ً واختبارا فإن الابتلاء والاختبار إنما يكون في المندوب والمكروه أوضح منه في الواجب والحرام إذ إن امتثال الواجب واجتناب الحرام أقرب إلى النفس الضعيفة التي تخاف العقاب دون رغبة لها في الثواب أما إذا قوي إيمان المرء وفهم أن هذه التشريعات بواجبها ومندوبها وحرامها ومكروهها أنما هي لمصلحته وحده وسبيل سعادته في الدنيا والآخرة فلا يرضى عند ذلك أن يقف عند حدود الواجب بل يتعداه إلى فعل الفضائل والمندوبات كما لا يرضى لنفسه أن يقتصر على اجتناب الحرام بل يتعدى اجتنابه لكل المكروهات وهذا هو سبيل الصالحين المخلصين ويشهد لذلك أن الأعرابي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن أمور الشرع فلما بين له الرسول صلى الله عليه وسلم الفرائض قال: لا أزيد على هذا ولا أنقص وذلك لضعف نفسه بتحمل المندوبات واجتناب المكروهات وأما لو زادت نفسه في احتمال هذه الأمور لحصل الثواب وأجتنب العقاب بالتزامه بالواجب واجتنابه للمحرم هذه حكم ملتمسه في سبيل الحث جملة الناس على التزام الواجبات واجتناب المحرمات وحثهم على تلمس العمل بالمندوبات واجتناب المكروهات فقد تضعف النفس وتتساهل في ترك المندوبات وتتساهل في فعل المكروهات مع نظرا لكونه لا عقاب لترك المندوب ولا ثواب على اجتناب المكروه إلا بالنية لذلك تتساهل الأنفس في مثل هذه الأمور فالشرع عندما جاء بالواجبات والمحرمات وألزم الناس بها قد يستوي الناس فيها فيحصل تفاضلهم حين إذ ٍ بعملهم بالمندوبات واجتنابهم للمكروهات هذه بعض الحكم التي أقول بأنها ملتمسة في جانب هذا الأمر وإلا لا يقطع بها في حقيقتها إنما حاصلها النظر كما قال الشاطبي إلى استقراء أحكام الشريعة , فإننا عندما استقرينا أحكام الشريعة وجدنا أنها جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد ومن جلب المصالح للعباد أمرهم بالمندوبات ومن درء المفاسد عن العباد نهيهم عن المكروهات .

    س82- عما تتكلم هذه الحلقة؟
    ج82- القسم الأول من أقسام الحكم التكليفي وهو الواجب
    تعريف الواجب وتسمياته وصيغه ِ وكيفية معرفته
    الفرق بين الواجب والفرض باعتبار أن الفرض قسم مستقل ذكره الحنفية
    حكم الواجب وحكم الفرض

    تعريف الواجب
    س83- عرف الواجب لغة؟
    ج83- فإن الواجب مشتق من الوجوب وهو السقوط ومنه قوله تعالى {فإذا وجبت جنوبها} أي سقطت على الأرض وقيل مشتق من الوجبة وهي الاضطراب

    س84- عرف الواجب اصطلاحا؟
    ج84- فإننا نجد أن للجمهور تعريفا ً له في الاصطلاح وللحنفية ِ تعريف آخر بناءً على تفريقهم بينه وبين الفرض
    فجمهور الأصوليين يعرفون الواجب بأنه: ما يستحق فاعله الثواب وتاركه العقاب وزاد بعضهم
    كابن عقيل الحنبلي أنه قال: إلزام الشارع بما يستحق فاعله الثواب وتاركه العقاب وعلل ذلك بأن الثواب والعقاب أحكامه ومتعلقاته، وعلى كل حال فهذا التعريف عند الجمهور في الواقع تعريف محل انتقاد لأنه تعريف بالحكم ولذلك قال بعضهم إن تعريفه بحكمه يأباه المحققون
    وعرفه بعضهم كالقاضي البيضاوي عرفه بأنه ما يذم شرعاً تاركه قصداً مطلقا وهو بهذا التعريف يشمل الواجب والفرض
    لأنهما مترادفان عنده وقيده البيضاوي بهذه القيود ليخرج غيره فأخرج بقوله يذم شرعا ً المندوب لأن المندوب أو المستحب أو السنة لا يذم تاركه وأخرج بقوله يذم تاركه الحرام لأن الحرام يذم فاعله وقوله قصدا ً في آخر تعريفه أخرج تارك الواجب من غير قصد فإنه لا يذم وقوله في آخر التعريف مطلقا ً أخرج ما تُرك لكونه واجباً كفائياً والمعروف بالواجب الكفائي أنه إذا فعله بعضهم سقط الإثم عن الباقين فهذا لا يذم تاركه لأنه لم يتركه مطلقا وإنما تركه لكونه واجباً كفائياً هذا فيما يتعلق بتعريف الواجب عند الجمهور فهذان تعريفان من تعريفات الجمهور للواجب وبينا الانتقاد الوارد على التعريف الأول وهو أنه تعريف بالحكم.

    س85- عرف الواجب في اصطلاح الحنفية؟
    ج85- أما الحنفية فإنهم عرَّفوا الواجب بما يميزه عن الفرض فقالوا في تعريف الواجب هو ما ثبت طلبه من الشارع طلباً جازما بدليل ظني, ويميزون بينه وبين الفرض لأنهم يقولون إن الفرض ما ثبت طلبه من الشارع طلباً جازماً بدليل قطعي ومرادهم سواء كان الظن متعلقاً بالدليل عن طريق الثبوت أو عن طريق الدلالة فقد يكون خبر آحاد فيكون من طريق الثبوت عند أكثر العلماء وقد يكون طريق الدلالة كأن يكون لفظ الدليل مشتركا ً أو نحو ذلك فيكون مفيدا ً للظن وحينئذٍ يكون حكمه الوجوب هذا فيما يتعلق بتعريف الواجب عند الحنفية وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى له عند الكلام عن تعريفهم للفرض.

    س86- تكلم وعدد صيغ الواجب؟
    ج86- أما ما يتعلق بصيغ الواجب وأساليبه وكيفية معرفته يعني كيف نعرف الواجب في أحكام الشرع فإن هناك صيغاً وأساليب للواجب في الشرع تدل على الوجوب والإلزام وهذه الصيغ هي صيغ الأمر إذا تجردت عن القرائن الصارفة لها عن الوجوب وهذه الصيغ منها صيغ ٌ أصليه ومنها صيغ تابعة فمن الصيغ الأصلية:
    الأول: الأمر كقوله تعالى {وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة} فإن لفظ أقيموا وآتوا فعل أمر ٍ يدل على الوجوب وكقوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} فـخذ فعل أمر يدل على الوجوب.
    الثاني: فعل المضارع المقترن بلام الأمر كقوله تعالى {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} وإن ليقضوا وليوفوا وليطوفوا أفعال مضارعه اقترنت بلام الأمر فتدل على الوجوب وكقوله تعالى {لينفق ذو سعة من سعته} فإن قوله لينفق فعل مضارع مقترن بلام الأمر فيدل على الوجوب.
    الثالث : اسم فعل الأمر كقوله تعالى {عليكم أنفسكم} فإن عليكم هنا فعل أمر بمعنى ألزموا فهو يفيد الوجوب .
    والرابع : المصدر النائب عن فعل الأمر كقوله تعالى {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} فقوله فضرب مصدر نائب عن فعل الأمر معنى أضربوا فيدل على الوجوب .

    س87- على ماذا تدل الصيغ السابقة؟
    ج87- فهذه الصيغ السابقة تدل على الطلب على سبيل الجزم فيستفاد منها إما الوجوب أو الفرض على قول الحنفية

    س88- هناك أساليب أخرى يمكن أن يستفاد منها الوجوب أيضا يمكن أن نسميها بالصيغ غير الأصلية أو التابعة مثل وهذه عدة أنواع ,أذكرها؟
    ج88- أولا ً : التصريح من الشارع بلفظ الأمر
    كقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فيأمركم تصريح بالأمر لأداء الأمانات فيدل على الوجوب .
    ثانيا ً : التصريح بلفظ الإيجاب والفرض والكتب وغيرها
    كقوله تعالى {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} فلفظ كتب لفظ أمر يدل على الإيجاب وقوله تعالى {فريضة ًمن الله} فهو يدل على الإيجاب وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الوتر " الوتر حق " فلفظ حق يدل أيضا ً على الإيجاب والإلزام.
    ولذلك استفاد الحنفية من قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا في الوتر أن حكمه الوجوب.
    الثالث : ترتيب الذم والعقاب على الترك أو إحباط العمل به
    مثل قوله تعالى {لئن أشركت ليحبطن عملك }وقول الرسول صلى الله عليه وسلم بعد قوله "الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا " فهذه ألفاظ تدل على الإيجاب والإلزام .
    الرابع : كل أسلوب في اللغة العربية يفيد الوجوب
    مثل قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من أستطاع إليه سبيلا} فعبارة ولله على الناس لفظ يدل في اللغة العربية على الوجوب فيكون دالا ً على الإيجاب والإلزام.وهذه الصيغ دالة على الفرض في الوقت نفسه عند الجمهور إلا أن الحنفية يفرقون بينهما باعتبار الدليل المثبت لهما كما سيأتي .

    س89- ما الفرق بين الواجب والفرض عند الحنفية؟
    ج89-
    س----- عرف الفرض لغة؟
    ج----- بأنه القطع والحز والتقدير

    س---- عرف الفرض فب الاصطلاح؟
    فإن الجمهور لا يفرقون بينه وبين الواجب ولذلك يعرفون ما عرفوا به الواجب عرفوا به الفرض

    فما فرق بينهم فكل واجب فرض وكل فرض واجب .
    وأما الحنفية فإنهم فرقوا بين الواجب والفرض
    فقد عرفوا الواجب بأنه كما سبق ما ثبت طلبه من الشارع طلباً جازماً بدليل ظني وعندما جاءوا إلى
    الفرض عرفوه بأنه ما ثبت طلبه من الشارع طلباً جازما ً بدليل ٍ قطعي ومثلوا للفرض بأن من أمثلته الصلوات الخمس والأمر بالطهارة والزكاة والصيام والحج وهذه الأمور كلها ثبت طلبها من الشارع طلبا جازما بطريق قطعي لا شبهة فيه من نصوص الكتاب والسنة ولذلك يكون حكمها الفرض
    ومثلوا لما ثبت بدليل ظني مثل قراءة الفاتحة في الصلاة فإنها ثبتت بدليل ظني وهو ثبوتها بخبر الآحاد بقوله صلى الله عليه وسلم "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "وقالوا أنها هذا ثبت بخبر آحاد وخبر الآحاد يفيد الظن فيكون حكم قراءة الفاتحة بالصلاة أنها واجبه وليست فرضا والمراد بالحنفية عندما عبروا ما ثبت بدليل قطعي بتعريفهم للفرض ما يشمل القطعي الثبوت وقطعي الدلالة وقطعي الثبوت مثل أن يكون الدليل ثابتا ً بالقرآن أو بحديث متواتر أو مشهور عند بعض الحنفية ويشمل أيضا قطعي الدلالة أيضا بأن يكون النص الوارد قطعيا ً في دلالته على المراد فإذا كان الدليل ظنياً في ثبوته ودلالته أو في أحدهما فلا يثبت فيه الفرض إنما يثبت به الواجب فقوله تعالى مثلاً {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} هذا وإن كان نصاً قطعياً من حيث الثبوت إلا أنه ظنياً من حيث الدلالة فإن كلمة قرء مشتركه باللغة العربية بين الحيض والطهر

    ولذلك اختلف العلماء في إرادة أحدهما على قولين
    1- قال الحنفية فلا يمكن أن تثبت بمثله الفرضية لوجود الشبهة في دلالته على المراد منه ولذلك أخرجوا من قيد ما ثبت بدليل قطعي ما ثبت دليل ظني فيه شبهة ما يسمونه عندهم بالواجب هذا التفريق في التسمية بين ما ثبت بدليل قطعي وما ثبت بدليل ظني فسموا ما ثبت بدليل قطعي فرض وما ثبت بدليل ظني واجب من حيث أنه مأمور ومطلوب فعله.
    هذا التفريق اختص به الحنفية دون الجمهور تابع الحنفية على ذلك الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في إحدى الروايات عنه حكاه ابن عقيل عن الحنابلة وهذا هو مذهب أيضا القاضي الباقلاني أما جمهور الأصوليين فإنهم يسوون في التسمية بين ما ثبت بدليل قطعي وما ثبت بدليل ظني ويجعلون كلمة فرض مرادفة لكلمة الواجب تماما وإن كانوا يتفقون مع الحنفية في الأحكام المترتبة على هذا التفريق.

    2- وعلماء الأصول سلكوا في بحث هذا الخلاف بين الحنفية وبين الجمهور مسلكين فاعتبر أكثرهم أن هذا الخلاف خلاف لفظي في التسمية وأنه اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح إلا أن بعض العلماء قد اعتبر أن الخلاف معنوي وله آثاره الفقهية فمثلا ذكر بعضهم أن الخلاف يترتب عليه بعض الآثار الفقهية ومنها قالوا أن منكر الفرض يكفر لأنه أنكر ما ثبت بدليل قطعي وأن منكر الواجب لا يكفر لأنه أنكر ما ثبت بدليل ظني
    قالوا أيضا إن تارك القراءة في الصلاة مطلقا تبطل صلاته لأنه ترك فرضا وهو ثبت بدليل قطعي وهو قوله تعالى {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}
    فأما تارك قراءة الفاتحة في الصلاة فلا تبطل صلاته لأنه ترك أمراً واجباً قد ثبت بدليل ظني هذا عند الحنفية أما الجمهور فإنهم لا يفرقون بين الفرض والواجب وإن كانوا يتفقون مع الحنفية بالذات في مسألة تكفير منكر القطعي دون منكر الظني لكنهم يقولون القطع يسمى واجبا وفرضا والظن يسمى واجبا وفرضا لا فرق بينهما ويتفقون مع الحنفية في الحكم وإن اختلفوا معهم في المصطلح, وهذا دعا بعض العلماء إلى أن يقولوا أن الخلاف معنوي في هذه الحالة.

    س----- على ماذا بنوا الحنفية قولهم؟
    ج------ الحنفية بنوا رأيهم في مسألة التفريق بين الفرض والواجب على أمر لغوي فقالوا أن اللغة العربية تساعد على التفريق بين الفرض والواجب فإن الفرض اسم لمقدر شرعا لا يحتمل الزيادة ولا النقصان كما أنه باللغة بمعنى التقدير ومن ذلك قوله تعالى {فنصف ما فرضتم} أي ما قدرتم
    وأما الواجب فهو مأخوذ من الوجوب وهو السقوط كما في قوله تعالى {فإذا وجبت جنوبها} أي سقطت على الأرض قالوا : فما كان ساقطا ً على المرء عملا ً بلزومه إياه من غير أن يكون دليلا ً موجبا ً للعلم قطعاً سمي واجباً أو هو ساقط في حق الاعتقاد القاطع وثابت في حق لزوم الأداء عملا فكأنهم نظروا إلى أنه من حيث التسمية اللغوية الواجب أقل قدرا ً من الفرض ولذلك بنوا على هذا التفريق اللغوي تفريقا ً اصطلاحيا ً الجمهور ردوا على الحنفية على هذا الاستئناس اللغوي
    وقالوا إن التقدير كما يكون في القطعي يكون في الظن وإن كلمة وجب كما تأتي بمعنى سقط تأتي بمعنى ثبت أيضا فيبقى الترادف بين الاسمين الفرض والواجب وقالوا أيضا الاختلاف في طريق الثبوت لا يقتضي الاختلاف في التسمية ومادام الطرفان متفقين على أن هناك خلافا ً وتباين في الأحكام بين الحكم الثابت بدليل قطعي والحكم الثابت بدليل ظني إذ يكفر منكر الأول منهما دون منكر الثاني فالحقيقة أنه يحسن التفريق بين الفرض والواجب في الاصطلاح لتصبح دلالة كل اسم على نوعه أدق وأوضح دون حاجة إلى القرائن
    ومعنى هذا أنه مادمنا نقول أن هناك فرقا ً بين الفرض والواجب من جهة الحكم من حيث أن الفرض مختص بما كان قطعيا والواجب مختص بما كان ظنيا ويترتب على ذلك أن منكر الفرض يكفر ومنكر الواجب لا يكفر فمعنى هذا أنه يحسن التفريق بينهما في الاصطلاح وهذا أمر حقيقة ً يقتضيه الأسلوب العلمي الدقيق الذي يذهب الغموض والالتباس ولذلك نجد أن الشافعية وغيرهم من بعض علماء المذاهب الأخرى قد لجأوا إلى التفريق بين الركن والواجب في أحكام الحج كما لجأ إلى ذلك غيرهم من الجمهور أيضا عندما اختلفت الآثار الفقهية لكل منهما فجعلوا الركن ما يبطل الحج بتركه والواجب ما يمكن أن ينجبر بدم أو غيره وقالوا إن أركان الحج ستة وواجباته خمسة ,وهكذا نجد في الفقه على مختلف المذاهب تفريقا ً بين الأركان والواجبات مع أن الركن في هذه الأمور يرادف الفرض بل إن الفرض يشمل الركن والشرط معا ً في الاصطلاح الفقهي لذلك نجد أن كثيرا ً من المحققين قد استغرب إنكار الشافعية لاصطلاح الحنفية في التفريق بين الفرض والواجب مع أنهم لجأوا إلى التفريق بينهما في جملة من أحكام الفقه هذا فيما يتعلق بالنظر إلى حقيقة مذهب الجمهور والحنفية في مسألة الفرق بين الفرض والواجب
    وتلخص من ذلك أن الحنفية يفرقون بينهما وأن الجمهور لا يفرقون بينهما في الاصطلاح الأصولي وإن استعانوا بهذا الفرق ولجأوا إليه عند تطبيقهم في أحكام الفقه كما بينا أنهم قد يفرقون في مسائل الحج بين الأركان وبين الواجبات وكأنهم في ذلك ينظرون إلى ذلك ما ثبت بدليل قطعي وما ثبت بدليل ظني فملاحظة القطعية والظنية أمر ثابت عند الجمهور ولذلك ساغ أن نقول إن الأولى الالتزام بالمصطلح الدقيق في هذا وترجيح مذهب الحنفية في الفرق بين الفرض والواجب.

    س90- ما حكم الواجب وحكم الفرض ؟
    ج90- نختم بالكلام عن مسألة حكم الواجب وحكم الفرض , تقرر معنا فيما سبق أن الواجب ما ثبت بدليل ظني وأن الفرض ما ثبت بدليل قطعي هذا عند الحنفية وتأثر به بعض علماء جمهور الأصوليين عند تطبيقهم الفقهي ولهذا نشير إلى بعض الأحكام المترتبة على التفريق بين الفرض والواجب باعتبار أن الفرض ما ثبت بدليل قطعي وان الواجب ما ثبت بدليل ظني فنقول أنه ينبني على هذا أن يكون
    حكم الواجب على النحو التالي :
    أولا ً: لا يلزم المكلف الاعتقاد بحقيقته وإنما يكفيه الظن بها فإذا جحده إنسان لم يكفر بذلك وإنما يفسق فقط إذ إن مبنى الأمور الاعتقادية على اليقين بخلاف الأمور العملية فيكفي فيها الظن.
    ثانيا ً:يلزم المكلف العمل بالواجب لقيام الأدلة الشرعية على وجوب العمل بالظن فإذا تركه المكلف من غير تأويل ولا استخفاف به اعتبر فاسقا ً لخروجه عن طاعة الله تعالى لتركه ما أوجبه عليه فأما إذا تركه استخفافا به فإنه يكفر ومن تركه عن تأول لا يعتبر فاسقا ً لأنه اجتهاد ظني .
    ثالثا ً : يترتب على ترك الواجب العقاب الشديد لوجوب العمل به إلا أن عقاب تاركه دون عقاب تارك الفرض لنزوله عنه في درجات الثبوت .
    رابعا ً : لا يبطل العمل بترك الواجب بخلاف ترك الفرض وإنما ينجبر ترك الواجب بعدة أمور منها الإعادة في الوقت إذا كان له وقت جبره مثلا ً بسجود السهو كما في الصلاة جبره بالفدية كما في أحكام الحج ونحو ذلك هذا فيما يتعلق بحكم الواجب.

    حكم الفرض:
    وأما الفرض فإنه له أحكاماً على نظائر أحكام الواجب باعتبار أن الفرض هو ما ثبت بدليل قطعي منها:
    أولا ً: أنه يلزم المكلف الاعتقاد بفرضيته اعتقادا ً جازما ً لا يدخل الشك فإذا أنكر المكلف أمرا ً ثبت بدليل قطعي في الشرع فإنه يكفر كأن ينكر أحد ٌ فرضية الصلاة أو الزكاة أو غيرهما والعياذ بالله.
    ثانيا ً : أنه يلزم المكلف العمل به قطعاً دون إهمال فإذا ترك العمل به تساهلا ً مع اعتقاد فرضيته اعتبر فاسقاً خارجاً بذلك عن طاعة الله تعالى إلا ما استثناه بعض العلماء من هذه الفروض فكفّر تاركها مطلقا ً كما في الصلاة ونحو ذلك .
    ثالثا ً : أنه يلزم بتركه العقاب الشديد في الدنيا والآخرة ويستثنى من ذلك مشيئة الله تعالى إن شاء غفر له .
    رابعاً: بطلان العبادة لتركه سواء كان الفرض المتروك في الصلاة أم شرطا ً ولا ينجبر حينئذ ٍ إلا بالإعادة .
    هذا ما يتعلق بترجيحنا لمصطلح الحنفية باعتباره يدعو إلى الدقة في الاصطلاحات وهو تفريق ٌ كان له أثره عند الجمهور في بعض الأحكام الفقهية كمسائل الحج والنكاح وغيرها

    مهـــــــــــــــــم:
    هذا التفريق الذي ذكرناه بين الفرض والواجب باعتبار أن الفرض ما ثبت بدليل قطعي وأن الواجب ما ثبت بدليل ظني سيأتي إن شاء الله تعالى ما يقابله في الفرق بين المحرم والمكروه تحريما ً فجمهور الأصوليين لا يفرقون بين المحرم وبين المكروه تحريما ,علل؟
    لأن كل منهما قد ثبت طلب الشارع تركه طلبا جازما ً وأما الحنفية كما سيأتي فإنهم يفرقون بين المحرم والمكروه تحريما ً لأن المحرم ما ثبت طلب ترك الشارع له طلبا ً جازما ً بدليل قطعي وأن المكروه تحريما ً ما ثبت طلب الشارع تركه طلبا ً جازما ً بدليل ظني .


    س91- ما هي مفردات هذه الحلقة؟
    ج91-
    عدد
    1. تقسيم الواجب باعتبار ذاته
    2. أقسام الواجب باعتبار ذاته
    3. تعداد الأقسام ,وتعريف كل قسم ومثاله وحكمه
    4. حكم الواجب وحكم الفرض
    5. تعلق الإيجاب بالواجب المخير ويشمل ذكر أقوال, العلماء وأدلتهم وبيان الراجح من ذلك
    6. ذكر نوع الخلاف وثمرته
    7. حكم الجمع بين الأمور المخير بينها

    الواجب في الواقع ينقسم إلى أقسام متعددة وهذه الأقسام باعتبارات مختلفة فينقسم باعتبار ذاته إلى أقسام وينقسم باعتبار وقته إلى أقسام وينقسم باعتبار المكلف به إلى أقسام .

    الواجب باعتبار ذاته :
    س92- وعلماء الأصول يقسمون الواجب باعتبار ذاته إلى قسمين, أذكرهما؟
    ج92- القسم الأول : الواجب المعين
    القسم الثاني : الواجب المخير

    س93- عرف الواجب المعين؟
    ج93- وهو الواجب المعين فهو ما طلبه الشارع بعينه من غير تخيير بينه وبين غيره
    مثال هذا القسم الصلوات المفروضة وصيام رمضان ونحو ذلك من الواجبات فإن مثلا ً الصلوات المفروضة أمر الشارع بها بعينها ولم يخير بينها وبين غيرها بحيث إن المكلف يسوغ له أن يفعل هذا الواجب أو أن يفعل واجبات أخرى بديلة عنها إنما هذا هو الواجب المعين بذاته و كذلك صيام رمضان فقد عيّنه الشارع ولم يخير بينه وبين صيام شهر آخر بديل عنه وهذا القسم أي الواجب المعين هو أكثر الواجبات في أحكام الشرع
    لأن حكم الواجب المعين : لا تبرئ ذمة المكلف إلا بفعل ذلك الواجب بعينه فلا تبرئ ذمة المكلف من الصلاة إلا بفعلها بعينها ولا يمكن أن يفعل بديل عنها ينوب منابها ولا تسقط عنه إلا في حال العجز التام عن أدائها أما في حال الاستطاعة ولو كانت جزئية فإنه يجب عليه فعل الواجب بحسب استطاعته .

    س94- تكلم عن الواجب المخير؟ وبماذا يسمى؟
    ج94- ما طلبه الشارع على سبيل التخيير بينه وبين أشياء أخرى محصورة, ويسمى هذا الواجب المبهم
    ويسمى الواجب المخير ومن أمثلته مثلا ً : كفارة اليمين فقد خير الشارع المكلف بأداء أحد ثلاثة أشياء
    في قوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} فهذه الواجبات الثلاثة وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة من قبيل الواجب المخير أو المبهم وقد جاء التخيير بينها بلفظ أو التي تفيد التخيير
    من الأمثلة أيضا ً تخيير الإمام في حكم الأسرى بين المن والفداء كقوله تعالى {فإما مناً بعدُ وإما فداءَ}
    ومن أمثلته أيضا ً تخيير المحرم في جزاء الصيد في قوله تعالى {ومن قتله منكم متعمدا ً فجزاء ٌ مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} فجاء التخيير أيضا ً هنا في جزاء الصيد بين هذه الأمور بلفظ أو التي تفيد التخيير بين هذه الواجبات فهذا من قبيل الواجب المخير

    س95- ما حكم الواجب المخير؟
    ج95- تبرئ ذمة المكلف بفعل واحد من تلك الأمور المخير بينها فإن تركها جميعاً صار آثما ً مستحقا ً للإثم والعقاب

    س96- إلا أنه ينبغي أن ننبه إلى أن الواجب المخير لابد أن تتوافر فيه بعض الأمور حتى نحكم بأنه واجب ٌ مخير منها,أذكرها؟
    ج96- أولا ً: أن تكون الأشياء المخير بينها معلومة ً للمخاطب ومحصورة ًومعينه حتى يحيط بها المكلف ويوازن بينها.
    ثانيا ً: أن تتساوى تلك الأشياء المخير بينها في الرتبة بمعنى أن تكون متساوية في الوجوب فلا يمكن التخيير بين واجب ومندوب ولا بين واجب ومباح ونحو ذلك .
    ثالثا ً: أن تكون الأشياء المخير بينها متميزة للمكلف أي أن يتميز بعضها عن بعض فلا يجوز التخيير بين متساويين من جميع الوجوه .
    رابعاً: أن يتعلق التخيير بما يستطيع المكلف فعله فلا يصح التخيير بين شيء يستطيعه وشيء لا يستطيعه

    فهذه أمور لابد من اعتبارها في الواجب المخير حتى نحكم بتحقق التخيير هنا ويصدق على الواجب بأنه مخير
    س97- تعلق الإيجاب في الواجب المخير ومعنى ذلك هل الإيجاب في الواجب المخير متعلق بجميع أفراده, أم انه متعلق بواحد منها فقط ؟
    ج97- مثلا ً كفارة اليتيم ذكرنا أن المرء مخير فيها ابتداء ً بين ثلاثة أمور فهل المكلف مأمور بهذه فهل الإيجاب متعلق بهذه الأمور الثلاثة ابتداء ً أم أنه متعلق بواحد منها فقط, هذا محل خلاف بين العلماء
    .
    س98- فقد اختلف العلماء في تعلق الإيجاب في الواجب المخير على جملة من الأقوال أوصلها بعضهم إلى ثلاثة ,أذكر القول الأول؟
    ج98 - القول الأول قول الجمهور: وهو أن الخطاب في الواجب المخير يتعلق بواحد مبهم من الأمور المخير بينها حكى الباقلاني أن هذا القول هو قول العلماء عليه إجماع السلف وأئمة الفقه .

    س99- فقد اختلف العلماء في تعلق الإيجاب في الواجب المخير على جملة من الأقوال أوصلها بعضهم إلى ثلاثة ,أذكر القول الثاني؟
    القول الثاني قول جمهور المعتزلة وهم إحدى الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة في مسائل الاعتقاد وهم على فرق كثيرة أوصلها بعضهم إلى عشرين فرقه على رأسهم واصل بن عطاء الذي خالف الحسن البصري في مجلسه فقال بأن الفاسق في منزلة بين المنزلتين فأبعده الحسن البصري من مجلسه فاعتزل في زاويةٍ من المسجد ولحق به عمر بن عبيد فسموا بذلك المعتزلة ولحق بهم من لحق بهم وسموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد ويسمون بالقدرية لاشتهار نفي القدر عنهم

    س----- من هم أشهر علمائهم الذين ألفوا في أصول الفقه؟
    ج---------- القاضي عبد الجبار بن أحمد وأبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم الجبائي وأبو الحسين البصري والنظّّام
    هؤلاء هم أشهر المعتزلة الذين ألفوا في علم أصول الفقه و ذكرت لهم أراء في هذا العلم جمهور المعتزلة يقولون في متعلق الإيجاب في الواجب المخير إن الإيجاب في الواجب المخير متعلق في كل فرد من أفراده

    س---- اختلف العلماء في تفسير مراد المعتزلة هؤلاء إلى رأيين, أذكرهما؟
    ج------ فقال بعضهم في تفسير هذا الرأي أنهم أرادوا بتعلقه بكل الأفراد أنه لا يجوز تركها كلها وإذا فعل المكلف كلها أثيب ثواب واجب واحد وإذا تركها كلها عوقب عقاب ترك واجب واحد فقط وإذا فعل واحد منها يكون قد فعل ما وجب عليه ,وبناء ً على هذا التفسير لمراد قول المعتزلة يصبح قولهم موافقا ً لقول جمهور العلماء ويعود الخلاف لفظياً في المسألة وممن ذكر هذا التفسير البيضاوي في كتابه (المنهاج) وجعل قولهم وقول الجمهور مقابلا ً لقول فئة من المعتزلة سيأتي الكلام عنها وكذلك مشى على هذا التفسير لقول المعتزلة أبو الحسين البصري وهو أحد أئمة المعتزلة وعلل الزركشي رأي المعتزلة هذا بأنه مترتب على مذهبهم في التحسين والتقبيح .
    القول الثاني أن هناك من فسر رأي المعتزلة بتفسير آخر قال أن مرادهم بأن الإيجاب في الواجب الموسع متعلق بكل فرد من الأفراد بأنه إذا فعل الأمور كلها فقد فعل واجبات ويثاب عليها ثواب واجبات وإذا تركها كلها عوقب عليها عقاب تارك واجباتٍ وإذا فعلها واحد منها سقط عنه غيره، هذا تفسير أيضا ً وبهذا التفسير يصبح الخلاف بين الجمهور وبين المعتزلة خلافاً معنوياً وله ثمره كما سيأتي الكلام على ذلك في نوع الخلاف.

    س100 - فقد اختلف العلماء في تعلق الإيجاب في الواجب المخير على جملة من الأقوال أوصلها بعضهم إلى ثلاثة ,أذكر القول الثالث؟
    ج100- القول الثالث في المسألة هو قول لبعض المعتزلة: قالوا إن الإيجاب في الواجب المخير متعلق بواحد معين عند الله مبهم عندنا والعلماء يطلقون على هذا القول قول التراجُم لأن الأشاعرة ينسبون هذا القول إلى المعتزلة والمعتزلة ينسبون هذا القول إلى الأشاعرة فكل طرف منهم يرجم الطرف الآخر بهذا القول ويتبرأ منه الآخر في المقابل هذا القول قال الإمام السبكي عنه عندي أنه لم يقل به أحد وإنما نشأ من مبالغة المعتزلة بالرد علينا يقصد بذلك الأشاعرة في أسباب تعلق الوجوب بالجميع وأما رأي أصحابنا -يقصد الأشاعرة- له عن المعتزلة فلا وجه له لمنافاته لقواعدهم ويقصد بمنافاته قواعدهم منها مثلا ً إيجاب الأصلح على الله تعالى وعدم تكليف مالا يطاق ونحو ذلك وإنما قال ابن السبكي ذلك لأن الطرفين اتفقا على أن المكلف به يجب أن يكون معلوما ً للمكلف الجواب عن هذا المذهب الذي يقول أن الواجب المخير متعلق بواحد معين عند الله تعالى وهذا القول قول ٌ ظاهر الفساد نقول فيه إن الواجب معين عند الله وليس معين عند المكلفين يجعل الواجب غير معلوم عند المكلف فلا يمكنه فعله لجهله به فإذا كُلف به مع ذلك كان تكليفا ً بما لا يطاق وقد أتفق العلماء على أن التكليف بما لا يطاق غير واقع.

    هذا فيما يتعلق الأقوال في المسألة هناك أدله لجمهور العلماء وأدله لجمهور المعتزلة
    فجمهور العلماء يقولون إن الإيجاب في الواجب المخير يتعلق بواحد مبهم من الأمور المخير بينها استدلوا على هذا بأدلة منها دليل يتعلق بالجواز العقلي ودليل يتعلق بالوقوع الشرعي أما دليل الجواز العقلي فقالوا أن السيد مثلا ً لو قال لعبده أوجبت عليك خياطة هذا القميص أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم أيها فعلت اكتفيتُ به وأثبتُك عليه وإن تركت الجميع عاقبتك ولستُ أوجب الجميع وإنما أوجب واحدا ً لا بعينه فأي واحدٍ أردت فإن هذا الكلام الصادر من السيد لعبده يعد كلاما ً معقولا ً لا يمكن أن يقال فيه أنه لم يوجب عليه شيء لأنه عرضه للعقاب بترك الكل ولا يمكن أن يقال أوجب الجميع عليه لتصريحه بنقيضه ولا يمكن أن يقال أوجب عليه واحدا ً بعينه لتصريحه بالتخيير فلا يبقى إلا أن يقال أوجب عليه واحدا ً لا بعينه هذا فيما يتعلق بدليل الجواز العقلي الذي استدل به الجمهور بهذه المسألة دليل الوقوع الشرعي قالوا ورد في كفارة اليمين وجزاء الصيد على المحرم وعقد الإمامة لأحد الإمامين الصالحين لها وغير ذلك مما هو كثير في الأمور الشرعية ولا يمكن أن يقال في هذه الأمور المراد وجوبها جميعا فالجمع بين الإمامين معاً حرام كما أن الأمة

    أجمعت أن خصال الكفارة غير واجبة كلها جمهور المعتزلة استدلوا بدليلين نعرض لهما ومناقشتهما .
    الدليل الأول : قالوا إننا نقول بوجوب الجميع بالواجب المخير قياسا ً على الواجب الكفائي فكما أن الوجوب بالواجب الكفائي على الجميع ويسقط بفعل بعضهم فكذا هنا في الواجب المخير. الجمهور أجابوا أن حاصله قياس فاسد لأنه وقع في مقابلة النصوص الشرعية التي تفيد وجوب واحد من عدة أمور كما أنه قياسٌ مع الفارق لأن تأثيم الواحد المبهم في الواجب الكفائي غير معقول أما التأثيم بترك واحد مبهم في الواجب المخير فهو أمر معقول ومن هنا تحقق الفارق بين الواجب الكفائي والواجب المخير فلا يصح قياس أحدهما على الآخر .
    الدليل الثاني : قالوا أنه يستحيل التكليف بواحد مبهم لأنه مجهول والتكليف بالمجهول محال فلا بد إلا أن يجعل التكليف بكل واحد من هذه الأمور .
    أجاب الجمهور : عن هذا بأننا لا نُسلم هنا بجهالة الواحد المبهم إذ الواجب المخير هو القدر المشترك الذي يتحقق حصوله بحصول جزء ٍ من جزئيات المخير فيه ولا جهالة في هذه الحالة ومن هنا يظهر من مناقشة الأدلة أن دليل الجمهور هو الحق في هذا الجانب وبناءً عليه يترجح قول الجمهور القائلين بأن الإيجاب في الواجب المخير متعلق بواحد مبهم من أفراد الواجبات المخير بينها وذلك لأن ظاهر النصوص الشرعية في الواجبات المخيرة تؤيد قولهم فإن لسان العرب يقتضي إذا خير الإنسان بين أمور متعددة فيجب عليه أحدها ويخير بأداء أي منها فإن كلمة (أو) في اللغة العربية لأحد الشيئين أو الأشياء سواء وقعت في الخبر أو الإنشاء , هذا هو وجه الترجيح للجمهور في هذه المسألة .

    س------ ما نوع الخلاف في متعلق الإيجاب في الواجب المخير؟
    ج------ وأما نوع الخلاف في متعلق الإيجاب في الواجب المخير
    فقد حصل خلاف بين الأصوليين في هذا الجانب هل الخلاف لفظي أو أنه خلاف معنوي فمنهم من قال أن الخلاف لفظي لا ثمرة له ولا يترتب عليه أي أثر لأن الفريقين قد اتفقا على أنه لا يجب الإتيان بكل واحد من الأمور المخير بينها ولا يجوز تركها كلها كذلك واتفقوا أيضاً على أنه إذا أتى بواحد منها كفى ذلك في سقوط التكليف وإذا كان الأمر كذلك فلا فرق في العمل

    س------ هذه وجهة نظر بعض الأصوليين , وجهة نظر أخرى تقول إن الخلاف في متعلق الإيجاب في الواجب المخير خلاف معنوي وذكروا لذلك بعض الآثار الفقهية منها, أذكر القول الأول؟
    ج------ أولا ً : قالوا إذا ترك جميع خصال الكفارة وقلنا للإمام المطالبة بالكفارات فعلى المذهب الأول يجبِر الإمام هذا المكلف على فعل واحد منها من غير تعيين وعلى المذهب الثاني يجبِره على فعل واحد منها بعينه هناك من فصل في ثمرة الخلاف في هذا الجانب وقال أن الخلاف في هذا القول لفظي أو معنوي يرجع إلى تفسير مراد جمهور المعتزلة في قولهم إن الخطاب في الواجب المخير متعلق بكل فرد من أفراد الواجب المخير فمن قال إن جمهور المعتزلة أرادوا بتعلقه بكل الأفراد أنه لا يجوز تركها كلها وإذا فعل المكلف كلها أثيب ثواب واجب واحد وإذا تركها كلها عوقب عقاب ترك واجب واحد وإذا فعل واحد منها يكون قد فعل ما وجب عليه فإن الخلاف هنا يكون لفظي ؛ أما من قال أن جمهور المعتزلة أرادوا بتعلقه بكل الأفراد أنه إذا فعل الأمور كلها فإنه يثاب عليه ثواب واجباتٍ وإذا تركها كلها عوقب عليها عقاب تارك واجبات وإذا فعل واحد منها سقط عنه

    س------ غيره فإن الخلاف هنا معنوي الراجح في هذا في الواقع أن الخلاف لفظي لا ثمرة له حيث إن مراد جمهور المعتزلة هو نفسه ما يريده جمهور العلماء ولا فرق لأن المعتزلة لا يخالفون في أمور ثلاثة, أذكرها؟
    ج------- الأمر الأول : أنه لا يجب الإتيان بجميع الخصال المخير بينها .
    الأمر الثاني : أن من أتى بواحد منها فقد برئت ذمته .
    الأمر الثالث : أنه لا يقع التخيير بين الواجب وغيره من مباح ومندوب وبهذا يتفقون مع جمهور العلماء في حاصل هذا القول فإذن لا خلاف في الحقيقة .

    س101-إذا كان الخلاف لفظيا ً فإنه يكون مقصد المعتزلة هو مقصد جمهور العلماء فلماذا عبر جمهور المعتزلة بتعبير يخالف ما عبر به جمهور العلماء؟
    ج101- عن هذا أن جمهور المعتزلة وصفوا الجميع بالوجوب وهو تعبير يخالف ما ذكره جمهور العلماء فراراً من التسوية بين الواجب وغير الواجب بناءً على قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين وإيجاب الأصلح على الله حيث قالوا إن الحكم على الشيء يتبع حسنه أو قبحه فإيجاب شيء ما تابع لحسنه الخاص به فلو كان الواجب واحدا لا بعينه والباقي غير واجب لخلا الباقي عن المقتضي للوجوب وأصبح التخيير بين ما هو واجب وما ليس بواجب وهذا لا يقول به أحد فلا بد من أن يكون واحد لخصوصه مشتملا ً على صفة تقتضي وجوبه وحينئذٍ يوصف كل منها بالوجوب والتخيير أما نحن فلا نقول بالتحسين والتقبيح العقليين ولا بإيجاب الأصلح على الله تعالى فلا مانع عندنا من إطلاق الوجوب على واحد منها لا بعينه .

    س102- هل يجوز الجمع بين الأمور المخير بينها؟
    ج102- الحقيقة أن الأمور المعينة المحصورة المخير بينها قد يحرم على المكلف الجمع بينها وقد يباح الجمع بينها وقد يندب أي يستحب الجمع
    بينها فمثال الأول أي ما يحرم الجمع في الأمور المخير بينها تزويج المرأة من كفئين متساويين معا وكذا إمامين للأمة فهذا واجب مخير لا يجوز الجمع بين الواجبات في هذه الحالة
    مثال الثاني وهو ما يباح فيه الجمع بين الأمور المخير بينها ستر العورة بثوب بعد سترها بثوب آخر فستر العورة واجب والمكلف مخير بسترها بأي ثوب شاء متى تعددت هذه الثياب ويباح له سترها بأكثر من ثوب واحد فيكون الجمع بين الأثواب في الستر مباح
    مثال الثالث وهو ما يستحب أو يندب الجمع فيه بين الأمور المخير بينه خصال كفارة اليمين فإننا نعلم أن الخطاب قد تعلق بها على سبيل التخيير بينها والواجب يسقط بفعل واحد منها ولكن يستحب له أو يندب له الجمع بين الإطعام والكسوة والعتق زيادة في طلب الثواب فبهذا يكون الجمع بينها مستحب فحصل بذلك أن الأمور الواجبة المخير بينها قد يحرم الجمع بينها وقد يباح وقد يستحب الجمع بينها .


    س103- ما هي عناصر الحلقة؟
    ج103-
    عدد
    1. تقسيم الواجب باعتبار وقته أو زمن أدائه
    2. مؤقت و مطلق وشرح كل قسم منها والتمثيل له
    3. تقسيم الواجب المؤقت بذكر أقسامه ومنشأ تقسيمه وتعريف كل قسم منها ومثاله
    4. ثبوت الواجب الموسع واختلاف الأصوليين في ثبوته مع بيان أدلته والراجح في هذه المسألة
    5. الكلام على مسألة اشتراط العزم على الفعل في الواجب الموسع

    تقسيم الواجب باعتبار وقته أو زمن أدائه :
    إن الواجبات الشرعية منها ما هو له وقت محدد ومنها ما ليس له وقت محدد فماله وقت محدد يسمى الواجب المقيد وما ليس له وقت محدد يسمى الواجب المطلق

    س104- فالواجب بالنسبة لوقت الأداء ينقسم إلى قسمين؟
    ج104 - الواجب المؤقت / الواجب المطلق

    س105- تكلم عن الواجب المؤقت؟
    ج105- الواجب المؤقت فهو الواجب الذي عين الشارع وقت لأدائه مثل الصلوات الخمس وصيام رمضان وغير ذلك .
    الواجب المؤقت بالنظر إلى وقته :
    منه ما يكون واسع ومنه ما يكون وقته بقدر الواجب نفسه فالعلماء قسموا الواجب المؤقت إلى ثلاثة أنواع :
    النوع الأول : واجب موسع ويطلق عليه الحنفية اسم الظرف .
    النوع الثاني : الواجب المضيق ويطلق عليه الحنفية اسم المعيار .
    النوع الثالث :زاده بعضهم وهو الواجب ذو الشبهين ويسميه بعضهم الواجب المشكل وهو الذي يشابه الواجب الموسع من جهة ويشابه الواجب المضيق من جهة أخرى.
    أمثلتها : مثال الواجب الموسع أوقات الصلوات فإن أوقات الصلوات بالنسبة لوقتها تعتبر واجب موسع
    والواجب المضيق يمثلون له بصيام رمضان وهو بالنسبة للصيام في الشهر واجب مضيق لا يتسع لغير هذا الواجب الواجب ذو الشبهين يمثلون له بالحج .

    س106- تكلم عن الواجب المطلق؟
    ج106- الواجب المطلق ويسمى الواجب غير المؤقت وهو الواجب الذي لم يعين الشارع وقتاً لأدائه مثل كفارات الأيمان وقضاء رمضان عند الحنفية

    منشأ هذه التقسيمات :
    س107- الوجه الذي أستند إليه العلماء في هذه التقسيمات؟
    ج107- أن وقت الواجب إما أن يكون مساوياً لقدر الفعل كما في الواجب المضيق
    كصيام رمضان وأما أن يكون أقل من المدة من مدة الفعل وهذا غير واقع لأنه يعتبر من التكليف بالمحال والله عز وجل يقول : {لا يكلف الله نفسا ً إلا وسعها} فإذا وُجد فإنما يراد به وجوب الابتداء بالفعل فقط أما إكماله فيكون عندئذٍ خارج وقته وذلك مثل أن تطهر الحائض قبل خروج وقت الصلاة لمدة لا تكفي لأداء الصلاة كلها بل إنما تكفي للبدء فيها فقط فيجب عندئذ ٍعليها البدء بالصلاة في هذه المدة المتبقية فإذا لم تبدأ بها وجب عليها قضاءها فالواجب هنا وقته أقل منه لكنه ليس في أصل الشرع كذلك بل إنما بحسب فعل المكلف ولذلك لم ينظر العلماء إلى هذا الاعتبار في تقسيم أوقات الواجب وإما أن يكون وقت الواجب أكثر من المدة اللازمة لأدائه كما في الواجب الموسع إذ إن وقت الصلاة مثلا ً يسعها ويسع غيرها من الصلوات والعبادة.




    وفيما يأتي نعرض لتعريف هذه الواجبات الثلاثة الواجب الموسع والواجب المضيق والواجب ذو الشبهين
    س108- عرف الواجب الموسع؟
    ج108- ما كان وقته واسعاً يتسع للواجب نفسه ولأداء غيره من جنسه ولهذا المعنى أطلق عليه الحنفية أسم الظرف الذي يتسع لأشياء كثيرة من الواجبات فوقت صلاة الظهر مثلا ً وقت موسع يمكن المكلف بأداء صلاة الظهر وأداء غيرها من جنسها .

    س109- عرف الواجب المضيق؟
    ج109- هو ما كان وقته يسعه وحده ولا يسع غيره من جنسه ولهذا يطلق عليه الحنفية اسم المعيار الذي لا يسع لغيره مثلاً صوم رمضان فوقته مضيق لأنه فقط في شهر رمضان فلا يمكن للإنسان أن يصوم في هذا الشهر أي صوم آخر سوى صوم الواجب.

    س110- ما هو الواجب ذو الشبهين؟وماذا يسمى؟
    ج110- يسمى بالواجب المشكل
    فهو ماكان وقته متردداً في الشبه بالنوعين السابقين

    وبالمثال يتضح هذا التعريف فمثلاً الحج إذا نظرنا إليه من جهة أن المكلف لا يستطيع أن يؤدي في السنة كلها إلا حجاً واحدا فإنه في هذه الحالة يشبه الواجب المضيق وإذا نظرنا إليه من جهة أن أعمال الحج لا تستغرق سوى جزء صغير من العام فإنه في هذه الحالة يشبه الواجب الموسع فهو بهذا الاعتبار سمي واجبا ً ذو الشبهين وسمي واجبا ً مشكلا وسيأتي بعد ذلك الكلام عن فائدة هذا التقسيم بمعنى هل هناك أثار أو فوائد تنبني على تقسيم الواجب إلى واجب موسع وواجب مضيق وواجب ذو شبهين ثم هل هناك أصلا أثار تنبني على تقسيم الواجب باعتبار وقته إلى واجب مؤقت وواجب مطلق أصل التقسيم نفسه سيأتي الكلام إن شاء الله لأنه قد يأتي شخص ويقول أنتم تتكلفون هذه التقسيمات في علم أصول الفقه فهل هناك طائل من وراء هذه التقسيمات فنقول: نعم هناك طائل من ورائها وهناك فائدة وثمرة فقهيه تجعل هذا التقسيم له فائدة ومن يلم به يستطيع ضبط جمله من أحكام الفقه التي سيأتي الكلام عنها في ختام الكلام عن مسائل الواجب الموسع, فإذاً حصل مما تقدم أن الواجب باعتبار وقته ينقسم إلى واجب مؤقت وواجب مطلق يعني واجب غير مؤقت والواجب المؤقت هو الذي يُعين الشرع وقتا ً لأدائه والواجب المطلق هو الواجب الذي لم يعين الشرع وقتا ً لأدائه بل أطلق أدائه بحسب عمر الإنسان وهنا مسألة متعلقة بالواجب الموسع

    س111- هي مسألة ثبوت الواجب الموسع بمعنى هل هو ثابت أصلا ً أو غير ثابت وهي مسألة فيها خلاف بين الأصوليين وبين العلماء بشكل عام وخلافهم على قولين؟
    ج111- القول الأول : أن الواجب الموسع ثابت وموجود في الشريعة وهذا مذهب جمهور الأصوليين
    واستدلوا على ذلك بأدلة منها قوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} ووجه الدلالة من هذه الآية أن هذا الأمر عام يتناول جميع أجزاء الوقت المذكور الذي هو من دلوك الشمس إلى غسق الليل من غير إشعار بالتخصيص من بعض أجزائه فليس المراد من الأمر تطبيق أول فعل الصلاة في أول الوقت وآخر الفعل في آخر الوقت لان هذا خلاف الإجماع وليس المراد من الأمر إقامة الصلاة في كل وقت من أوقات فلا يخلو جزء من الوقت من الصلاة فهذا أيضا خلاف الإجماع وليس المراد من الأمر تعين جزء من الوقت لاختصاصه بوقوع الواجب فيه لأن اللفظ الوارد في الآية عام ولا يوجد مخصص فلم يبقى إذاً عندنا من الاحتمالات إلا أن يكون المراد من الأمر هو أن كل جزء ً من الوقت صالح ٌ للوقوع الواجب فيه باختيار المكلف لأجل امتناع الأقسام الأخرى فتعين من ذلك أن عندنا واجب موسع بدلالة هذه الآية لأنه قال أقم الصلاة لدلوك الشمس يعني من دلوك الشمس إلى غسق الليل .
    الدليل الثاني على ثبوت الواجب الموسع الذي قال به جمهور الأصوليين أن ما ورد في حديث قصة جبريل عليه السلام حينما صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوقت وآخره ثم قال له بعد ذلك يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت فيما بين هذين، وفي رواية الوقت فيما بينهما ووجه الدلالة من ذلك أن الله تعالى حينما فرض الصلاة أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه أوقاتها وأفعالها فصلى به مرة في أول وقتها وصلى به مرة أخرى في آخر وقتها ثم قال له ذلك القول الذي ذكرناه وهذا يفيد تخيير المكلف في أداء الصلاة في جزء ٍ من أجزاء الوقت المحدد لها .
    الدليل الثالث على ثبوت الواجب الموسع دليل عقلي حاصلة أن السيد لو قال لعبده أوجبت عليك بناء هذا الجدار في هذا اليوم في أي جزء منه أن شئت في أوله أو في أوسطه أو في آخره فمهما فعلت تكون قد امتثلت أمري وإن لم تفعل تكون قد خالفت أمري فإن هذا الكلام من السيد يكون معقولا ً ولا يمكن أن يقدح في صحته أحد فلا يمكن أن يقول أحد أن السيد لم يوجب على العبد شيئا لان العبارة واضحة أنه أوجب عليه شيئا ولا يمكن أن يقال أن السيد قد أوجب على العبد بناء الجدار في وقت واحد فقط لأنه صرح بأن يفعل في أي وقت فلم يبقَ من ذلك إلا أنه أوجب بناء الجدار في ذلك اليوم ووسع عليه في الوقت فهذا هو الواجب الموسع وبه يتقرر ثبوت الواجب الموسع عقلا ً .
    القول الثاني هنا: قول بإنكار الواجب الموسع وهذا القول نسبه ابن قدامه إلى أكثر أصحاب أبي حنيفة وهذا فيه نظر حيث لم ينكره إلا بعضهم بل نقل بعضهم الاتفاق على انقسام الواجب إلى موسع ومضيق وإنما حصل الخلاف في وقت الإيجاب في الواجب الموسع كما سيأتي الكلام على ذلك في ضمن مسائل الواجب الموسع بعد ذلك ؛ فالخلاف المنقول عن الحنفية إنما هو خلاف في وقت الإيجاب في الواجب الموسع وليس في أصل إنكار الواجب الموسع وعلى كل حال فهذا المذهب ذكر أن من أدلته أنهم يقولون في إنكار الواجب الموسع إن التوسع ينافي ويناقض الوجوب ومعنى هذا أن الوجوب مع التوسعة يتنافيان لأن الواجب لا يجوز تركه وهذا يجوز تركه عن الوقت الذي وصفتموه بالوجوب فيه وهو أول الوقت وآخره فلا يكون للواجب الموسع حقيقة, ومن العلماء من أجاب عن هذا بأننا لم نجوز ترك الفعل في أول الوقت مطلقاً بل جوزنا ترك الفعل في أوله بشرط العزم على الفعل في آخر الوقت وهناك من أجاب بأن جواز التأخير إنما يضاد الواجب المضيق أما الواجب الموسع فلا. لأنه لا يجوز ترك فعل الواجب الموسع في أول وقته وفعله في وسطه أو آخره حيث مخير بين أجزاء الوقت الموسع قياسا على الواجب المخير هذا فيما يتعلق بمسألة ثبوت الواجب الموسع والخلاف فيها كما قلنا على قولين مذهب الجمهور وهو القول القائل بإثبات الواجب الموسع وذكرنا أدلته من أدلة الشرع وأدلة العقل وهناك قول بإنكار الواجب الموسع منسوب إلى بعض أصحاب أبي حنيفة وهذا كما قلنا قول فيه نظر والخلاف كما قلنا إنما هو في وقت الإيجاب في الواجب الموسع وليس في أصل ثبوته.

    س112- هنا مسألة يذكرها العلماء في مسألة الإيجاب في الواجب الموسع وهذه المسألة متعلقة بمسألة اشتراط العزم في الواجب الموسع بمعنى إذا ترك المكلف الفعل في أول الوقت وأراد فعله في آخر الوقت هل يشترط العزم على ذلك أم لا ؟
    مثلا الصلاة هل يشترط من أراد فعلها في أول الوقت أو في وسط أو في آخره هل يشترط أن يعزم على فعلها أو يكفي أن ينوي الفعل بدون اشتراط العزم التام اختلف العلماء في ذلك على مذهبين القائلون بإثبات الواجب الموسع .
    ج112- المذهب الأول : أنه لا يشترط العزم ومعنى ذلك أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء وقته بلا بدل فالمكلف مخير بين أن يوقع الفعل في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره وهذا ذهب إليه الرازي وابن حسين البصري والبيضاوي وابن الحاج وابن الخطاب وابن السبكي ومجد الدين بن تيميه وغيرهم من العلماء وعللوا لعدم اشتراط العزم على فعل الواجب الموسع بأن الأمر مثلا بصلاة الظهر قيد بجميع وقت الظهر ولم يتعرض الشارع بتخصيصه بجزء من أجزاء ذلك الوقت وكان كل جزء من أجزاء الوقت قابلا ً له فوجب أن يكون حكم ذلك الأمر إيقاع ذلك الفعل في أي جزء من أجزائه بحسب إرادة المكلف بدون تخيير أو تعيين وبناءً على ذلك يكون التخيير بين الفعل والعزم تحكماً وكذلك يكون تعيين أول الوقت أو آخره تحكماً والتحكم هو الدعوى بلا دليل.
    الحاصل إذا ً أن المكلف إذا ترك الفعل في أول الوقت وأراد فعله في آخر الوقت فإنه لا يشترط له العزم كما قلنا لأن النصوص في الواجبات الموسعة جاءت مطلقة دون أي تقييد باشتراط.
    والمذهب الثاني : في مسألة الخلاف في اشتراط العزم على فعل الواجب الموسع إذا أراد أن يتركه عن أول وقته يقول أن المكلف إن لم يفعل في أول الوقت فإنه يشترط العزم على الفعل في آخر الوقت بمعنى أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء وقته فالمكلف مخير في أن يوقعه في أي وقت في أوله أو في وسطه أو في آخره لكن لا يجوز ترك الفعل في أول الوقت إلا بشرط العزم على فعله في آخر الوقت فإذا جاء آخر الوقت وهو لم يفعل الواجب فحينئذٍ تعين فعله. ذهب إلى هذا القاضي أبو بكر الباقلاني والآمدي وأبو يعلى والشيرازي وأبو علي وأبو هاشم الجبائيان والغزالي وصححه النووي في المجموع وهذا مذهب أكثر الشافعية وأكثر الحنابلة وأكثر المالكية وهو ما ذهب إليه أيضا ً ابن قدامه وهذا حقيقة هو الراجح أنه يشترط إذا أراد المكلف أن يترك الواجب الموسع
    س------- في أول وقته وأن يفعله في وسطه أو في آخره فإنه يشترط العزم على الفعل ووجه ترجيح هذا القول عدة أمور,أذكرها؟
    ج------ الأمر الأول : أن اشتراط العزم في الواجب الموسع لابد منه وذلك لتمييزه عن المندوب الذي يجوز تركه مطلقاً؛ أما الواجب الموسع فلا يجوز تركه في أول الوقت إلا بشرط الفعل بعده أو العزم على الفعل وما جاز تركه بشرط فليس بمندوب فإذا حاصل الدليل الأول أنه لأجل التفريق بين الواجب وبين المندوب فإن المندوب يجوز تركه مطلقا وأما الواجب فلا يجوز تركه مطلقا بل يجوز تركه بشرط العزم على فعله فيحصل بذلك أي العزم التمييز بين الواجب وبين المندوب فحصل بذلك وجود قائده من اشتراط العزم على الفعل .
    والأمر الثاني الذي يحصل به ترجيح هذا القول أنه لو جاز ترك الفعل في أول الوقت بلا عزم ٍ على فعله في الوقت الثاني مع القول بوجوبه في أول الوقت لجاز ترك الواجب من غير بدل عن الفعل وهذا يخرجه عن كونه واجبا لأن الواجب مالا يجوز تركه بلا بدل والعزم على الفعل حقيقة ليس بدلا عن الفعل مطلقا وإنما هو بدل عن الفعل في الجزء الذي لم يفعل فيه إلى أن يبقى من الوقت ما يسع الفعل
    الأمر الثالث الذي حصل به ترجيح هذا القول أن وجوب العزم تابع لبقاء الفعل في الذمة ولازم لكل من عليه التكليف دخل وقته أو لم يدخل لأنه لم يعزم على الفعل مع التذكر فقط عزم على الترك وهو معصية وترك المعصية واجب إذن العزم يكون واجبا .

    الخــــــــــــــــــــلاصة:
    أما ما ذكره أصحاب المذهب الأول حيثُ قالوا إن اشتراط العزم لم يثبت عليه دليل فيجاب على هذا بأن اشتراط العزم قد ثبت بأدلة ذكرناها بمسوغات ترجيح هذا القول فحصل بذلك ترجيح اشتراط العزم على الفعل فإذن الحاصل من ذلك أن الواجب الموسع وهو الذي وقته يسع الواجب ويسع غيره من جنسه إذا أراد المكلف أن يفعله في وسط الوقت أو في آخره فإنه يُشترط العزم على الفعل في الراجح من أقول العلماء وإلا هناك من يقول أنه يجوز أن يؤخره إلى وسط الوقت أو آخره بلا اشتراط العزم على الفعل .


    في الحلقة العاشرة ختمنا فيها بعض المسائل المتعلقة بالواجب الموسع وفي هذه الحلقة أيضا يستمر الكلام عن
    مسائل متعلقة بالواجب الموسع هذه المسائل هي على النحو الأتي :
    أولا : جزء الإيجاب في الواجب الموسع ويشمل ذلك ذكر اختلاف العلماء في الجزء الذي يتعلق به الإيجاب في الواجب الموسع مع بيان الراجح ونوع الخلاف وثمرته ومن المسائل التي نتكلم عنها في الواجب الموسع:
    ( حالات تأخير الفعل في الواجب الموسع) ومنها أيضا ( تضييق الواجب الموسع) ومنها (الآثار المنبنية على تقسيم الواجب باعتبار وقته)

    س113- هذه المسألة متعلقة بالتقسيم بصورة عامه أذكر المسألة الأولى؟
    ج113- أما المسألة الأولى : وهي جزء الإيجاب في الواجب الموسع أو الجزء الذي يتعلق به الإيجاب في الواجب الموسع نحن قلنا إن الواجب الموسع هو عبارة عن واجب جعل له الشرع وقتا ًيتسع له ويتسع لغيره من جنسه مثل صلاة الظهر فوقتها واسع يتسع لصلاة الظهر ويتسع لغيرها من جنسها هذا الوقت الموسع

    س----- هل يتعلق الإيجاب بأوله؟ أو يتعلق بوسطه؟ أو يتعلق بآخره؟ أو يتعلق به كله ؟
    هذا محل خلاف بين العلماء اختلف العلماء في هذا فعندما نقول الجزء الذي يتعلق به الإيجاب في الواجب الموسع فنقصد جزء الوقت الذي يتعلق به الإيجاب؟ هل هو يتعلق بأول الوقت؟ هل الإيجاب مرتبط بآخر الوقت؟ أو هل الإيجاب مرتبط بكل الوقت؟ أو هناك شيء آخر غير هذه الأمور التي ذكرناها ؟
    الحقيقة اختلف العلماء الأصوليون في جزء الوقت الذي يتعلق به الإيجاب في الواجب الموسع على مذاهب كثيرة منها ما يأتي أذكر القول الأول؟
    ج-----
    القول الأول : أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء وقته بمعنى أنه ليس هناك وقت محدد لتعلق الإيجاب بالواجب الموسع بل هو متعلق بأي وقت منه سواء أوله أو وسطه أو آخره على السواء يستوي في هذا جميع أجزاء الوقت وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء ومن المتكلمين وغيرهم

    س---- ما معنى القول السابق؟
    ج----- أن مقتضى التوسيع في الوقت يفيد تخيير المكلف في إيقاعه في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد له ولا يكلف العزم على فعله في أي جزء من هذه الأجزاء وإنما يجزئه أدائه في أي جزء منه استدلوا على هذا بالحديث الوارد الذي تقدم ذكره في قصة جبريل عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وسلم حينما علمه أوقات الصلوات وأفعالها فأمه مرة في أول الوقت وأمه في الصلاة مرة في آخر الوقت وأمره أن يعلم أمته بقوله " الوقت مابين هذين " هذا الحديث استدل به أصحاب هذا القول في تخيير المكلف في أداء الصلاة في أي جزء من أجزاء وقتها والصلاة من قبيل الواجب الموسع فيكون هذا دليلا ً على أن الإيجاب في الواجب الموسع يتعلق بأي جزء ٍ من أجزاء الوقت أوله أو وسطه أو آخره بدلالة هذا الحديث .

    س114- هل يتعلق الإيجاب بأوله؟ أو يتعلق بوسطه؟ أو يتعلق بآخره؟ أو يتعلق به كله ؟ تكملة السؤال في السؤال السابق , أذكر القول الثاني؟
    ج114- القول الثاني : وهو قول يتفق مع القول الأول فهو يشابه المذهب السابق مذهب الجمهور في أنهم يقولون إن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء وقته إلا أنهم يزيدون على هذا بوجوب العزم من المكلف في الجزء الذي لم يؤدي فيه الواجب فيقولون يجب عليه إذا أراد أن يؤدي الواجب في الجزء الأخير أن يعزم على الفعل حتى يصل إلى الوقت الأخير فإذا وصل إليه تعين عليه الأداء فيه وهذا القول ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني وتابعه على ذلك جماعة من متكلمي الأشاعرة والمعتزلة .

    س----- ما الأدلة التي استدلوا بها أصحاب القول الثاني؟
    ج---- واستدلوا على قولهم هذا بالدليل السابق الوارد في أصحاب القول الأول في قصة تعليم جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في أوقات الصلوات وأفعالها وزادوا على ذلك الاستدلال على وجوب العزم فاستدلوا على وجوب العزم بدليل عقلي وشرعي أما الدليل العقلي فقالوا : لو لم يلزم العزم على المكلف في الوقت الذي لم يؤد فيه الواجب لزم من ذلك ترك الواجب دون بدل عنه وترك الواجب دون بدل يخرجه عن كونه واجبا لأن الواجب لا يجوز تركه بلا بدل واستدلوا بدليل شرعي على وجوب العزم وهو قوله صلى الله عليه وسلم" إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار...." الحديث فجاء به تعليل النبي صلى الله عليه وسلم لكون المقتول في النار لكونه حريصا ًعلى قتل صاحبه فهذا دليل على أن العزم يقوم مقام الفعل فدل ذلك على أن العزم معتبر فلا بد من اعتباره في الواجب الموسع .

    الجمهور الذين قالوا بأنه لا يشترط العزم هنا أجابوا عن دليلهم هذا بأنه لا يلزم بترك الواجب الموسع بجزء من أجزاء وقته تركه مطلقا وإنما الذي ينافي الواجب الموسع إنما هو تركه في جميع وقته المحدد له كما أن جعل العزم بدلا ً عن الفعل لا يصلح لأن شأن البدل أن يقوم مقام المبدل عنه ولا يقوم العزم مقام الفعل .
    يبقى الكلام بين الجمهور والباقلاني في هذه المسألة متقارب وعلى كل حال كأن هذا يعتبر من قبيل المذهب الواحد إنما الخلاف فقط في اشتراط العزم .

    س114- هل يتعلق الإيجاب بأوله؟ أو يتعلق بوسطه؟ أو يتعلق بآخره؟ أو يتعلق به كله ؟ تكملة السؤال في السؤال السابق , أذكر القول الثالث؟
    ج114- القول الثالث : أن الإيجاب في الواجب الموسع يقتضي إيقاع الفعل في الجزء الأول من أجزاء الوقت فإذا مضى من الوقت ما يسع الفعل ولم يفعله المكلف في ذلك الوقت كان فعله له في الباقي من الوقت قضاءً لا أداءً واختلفوا فيما بينهم في الإثم في هذا التأخير على قولين .
    وهذا يتضح منه أنه يلزم منه إنكار الواجب الموسع من أصله وحقيقة أن هذا المذهب لا يعرف قائله على وجه التحقيق وإنما نقل عن بعض المتكلمين وبعض الشافعية إلا أن بعض الشافعية نفى هذه النسبة إليهم لعدم ثبوته عنهم لاشك أن هذا القول حقيقة قول مردود لثبوت الوجوب على من صار أهلا ً له في آخر الوقت باتفاق العلماء ولو كان الوجوب متعلقا ً بأول الوقت كما زعموا لم يجب عليه في آخره ,

    س------ ما الأدلة التي استدلوا بها؟
    ج----- واستدلوا في هذا القول حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله " وهذا يقتضي أن فعلها في آخر الوقت معصية ٌ تتطلب العفو ولو كان الوقت كله صالحا ً للأداء وكان المكلف مخيرا ً بأي جزء ٍ من أجزاء الوقت لما كان تأخيره للواجب عن أول الوقت موجبا ً للعفو والغفران الجمهور أجابوا عن هذا الحديث بجوابين :

    س----- أذكر القولين ؟
    ج----- أولهما : جواب من حيث الإسناد فقالوا إن في إسناده يعقوب ابن الوليد وهذا كذبه الأمام أحمد وسائر الحفاظ وقال أبن حبان ما رواه إلا يعقوب وكان يضع الحديث على الثقات فلا يصح هذا الحديث بهذا الإسناد .
    ثانيهما : من حيث متنه أجابوا أنه يقتضي الترغيب في المبادرة لأداء الصلاة في أول وقتها والمراد بالعفو هنا العفو عن تقصير المكلف عن أداء الأفضل للواجب ويؤيد هذا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "أحب العمل إلى الله الصلاة لوقتها" وفي رواية "على وقتها" وفي رواية أخرى "في أول وقتها " فأثبت هذا الحديث أن الصلاة في أول وقتها أحب وأفضل ولا يقتضي هذا المعصية و الإثم بتأخيرها .

    هذا بالنسبة للقول الثالث وهو قول في ثبوته نظر أصلا وفي نسبته إلى قائله نظر وهم بعض الشافعية.

    س115- هل يتعلق الإيجاب بأوله؟ أو يتعلق بوسطه؟ أو يتعلق بآخره؟ أو يتعلق به كله ؟ تكملة السؤال في السؤال السابق , أذكر القول الرابع؟
    ج115- القول الرابع : أن الإيجاب في الواجب الموسع يتعلق بآخر جزء من أجزاء الوقت وهذا القول نسب إلى بعض الحنفية وذكر السرخسي وهو من علماء الحنفية أنه منسوب إلى أكثر العراقيين من الحنفية ؛ هؤلاء أصحاب هذا القول اختلفوا في أدائه في أول الوقت هل يقع نفلا ً أو فرضا فقال بعضهم إن الأداء في أول الوقت يقع نفلا ً يمنع لزوم الفرض في آخر الوقت إذا بقي المكلف على صفة التكليف وقال بعضهم يقع فرضا إن بقي المكلف موصوفا بصفة التكليف إلى آخر الوقت وقال بعضهم إن المؤدى في أول الوقت موقوف على ما يظهر من حاله في آخر الوقت.

    س----- ما أدلة أصحاب القول الرابع؟
    ج----- هؤلاء أصحاب هذا القول استدلوا على مذهبهم على أن الوجوب في الواجب الموسع يتعلق بآخر الوقت بأن قالوا أنه لو وجب الفعل قبل الجزء الأخير من الوقت لما جاز تركه بالأجزاء السابقة إلا أن تركه بالأجزاء السابقة جائز باتفاق العلماء فدل على أن سبب الوجوب هو الجزء الأخير فقط .
    الجمهور يجيبون عن هذا بأن ترك الواجب الموسع في أول الوقت لا يعتبر تركا وهذا مقتضى التوسع في وقت الواجب فالمكلف فيه مخير بإيقاعه بأي جزء من أجزاء وقته كما أنه في الواجب المخير كذلك إلا أن المكلف بالواجب المخير مخير ٌ بأن يوقع بين أي فرد من أفراد الواجب وأما في مسألة الواجب الموسع فالتخيير في الوقت فكما أن ترك أي فرد من أفراد الواجب المخير لا يعتبر تركا للواجب فكذلك ترك أي جزء من أجزاء الوقت في الواجب الموسع لا يعد تركا ً للواجب .

    س116- هل يتعلق الإيجاب بأوله؟ أو يتعلق بوسطه؟ أو يتعلق بآخره؟ أو يتعلق به كله ؟ تكملة السؤال في السؤال السابق , أذكر القول الخامس؟
    القول الخامس:في هذه المسألة أن الإيجاب في الواجب الموسع متعلق بالجزء الذي يليه أداء الفعل
    السرخسي يقول: في حاصل هذا القول أنه يتعين للسببية الجزء الذي يتصل به الأداء من الوقت فإن اتصل بالجزء الأول كان هو السبب وإلا تنتقل السببية إلى آخر الجزء الثاني ثم إلى الثالث وهكذا ومعنى هذا القول أن الإيجاب بالواجب الموسع متعلق بفعل المكلف فإذا فعل في أول الوقت قلنا هو وقت الإيجاب وإذا فعل في وسط قلنا هو وقت الإيجاب وإذا فعل في آخر الوقت قلنا أنه وقت الإيجاب فجعلوا فعل المكلف هو المعرف للوقت وليس الوقت هو المعرف لفعل المكلف وهذا كما ذكر كمال الدين أبن الهمام أنه قول نسب للحنفية وهو قول مردود ؛

    س----- السرخسي أيَّد هذا القول وهو من علماء الحنفية وناقش قول الجمهور السابق وهو القول الأول نقف مع الخلاف في هذه المسألة عدة وقفات , أذكر الوقفة الأول؟
    ج----- الوقفة الأولى : أن مذهب جمهور الحنفية القائل بأن سبب الوجوب بالواجب الموسع هو الجزء الذي يليه الأداء وهو القول الخامس الذي سبق ذكره هذا القول في حقيقته متفق مع قول جمهور العلماء القائل بأن السبب هو جميع الوقت وهو القول الأول وإنما ابتعد الحنفية عن اعتبار سبب الوجوب جميع الوقت لما بيَّنه السرخسي في مناقشته وهو أن تقرر السببية موقوف على اتصال الأداء وفي هذا يقول السعد في كتابه (التلويح) هو الحاصل أن كل جزء سبب على طريق الترتيب والانتقال ولكن تقرر السببية موقوف على اتصال الأداء كما أن قول الجمهور بأن جميع الوقت سبب في الوجوب مبني ٌ على أن كل جزء ٍ من الوقت صالح ٌ للأداء فيه وهذا ما يقرره الحنفية أيضا ويقول السرخسي فإن الشرع خير المكلف في الأداء فعرفنا أن هذا المعنى تخيير له في نقل السببية من جزء إلى جزء وما بقي الوقت واسعا يبقى الخيار له فلا يكون مفرطا فيتضح من هذا خطأ من نسب إلى الحنفية إنكار الواجب الموسع لقول بعضهم إن سبب الوجوب في آخر الوقت كما ذكر ذلك الزنجاني فالحاصل أن الكل متفقون على وجود الواجب الموسع فإن الحنفية لا ينكرون الواجب الموسع بالمعنى الاصطلاحي المراد وإنما ينكرون أن وقت الأداء يفضل على الواجب ويقولون إن وقت الأداء لا يفضل على الواجب، وقولهم هذا متفرع عن مذهبهم بين الوجوب ووجوب الأداء وبناءً عليه لم يعينوا جزءً، من أجزاء الوقت لتحقق وجوب الأداء إلا الجزء الأخير الذي يسع الواجب فقط .
    فكما يسميه الشافعية وجوب أداء موسع هو الذي يسميه الحنفية نفس الوجوب بمعنى شغل الذمة والذي سماه الحنفية وجوب أداء هو وجوب تفريغها مما شغلها بالفعل ولهذا صرح السعد في كتابه ( التلويح ) بأن هذا خلاف ٌ في التعبير فقط .

    س----- السرخسي أيَّد هذا القول وهو من علماء الحنفية وناقش قول الجمهور السابق وهو القول الأول نقف مع الخلاف في هذه المسألة عدة وقفات , أذكر الوقفة الثانية؟
    ج--- الوقفة الثانية : أن القول الذي ذهب إليه الجمهور والذي يتفق مع ما قاله جمهور الحنفية هو الراجح دليلاً على تلك الأقوال كلها بما ظهر لنا بعد مناقشتها من ضعف فيها ولما يؤيد قولهم هذا من الأحاديث الصحيحة بأن وقت الصلاة موسع بين أول الوقت وآخره فكما روى أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعا ً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن للصلاة أولا ًوآخراً وإن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر وأن أول وقت العصر حين يدخل وقتها وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق وإن أول وقت العشاء حين يغيب الأفق وإن آخر وقتها حين ينصف الليل وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس ومن ذلك ما ذكروه من الحديث الصحيح في أول الاستدلال في قولهم إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تفيد هذا المعنى فحصل بذلك رجحان قول الجمهور القائل بأن جميع الوقت هو وقت للإيجاب في الواجب الموسع سواء أوله أو وسطه أو آخره إنما الخلاف بينهم فقط في اشتراط العزم في هذه المسألة نوع الخلاف في مسألة تعلق الإيجاب في الواجب الموسع .
    الخلاف بين الجمهور وهم المثبتون للواجب الموسع وبين بعض الشافعية القائلين بأن الوجوب متعلق بأول الوقت هذا خلاف إن صحت نسبته إلى الشافعية هذا خلاف لفظي لا ثمرة له لأن القائلين بأن الوجوب متعلق بأول الوقت يجوزون فعله في وسط وآخر الوقت ويقولون أنه قضاء سد مسد الأداء وهذا متفق في المعنى مع مذهب الجمهور المثبتين للواجب الموسع .

    بعض الحنفية القائلين أن الوجوب متعلق بآخر الوقت فهنا هل الخلاف لفظي بين الجمهور وبينهم وقع خلاف بين العلماء، منهم الخلاف لفظي ومنهم من يقول الخلاف معنوي والظاهر أن الخلاف معنوي وله ثمرة فقهيه من الثمرات التي تنبني من الخلاف بين جمهور العلماء وبين الحنفية جمهور العلماء القائلين بأن الوجوب متعلق بجميع أجزاء الوقت وبين الحنفية القائلين، بأن الوجوب متعلق بآخر الوقت يتضح من خلال الثمرات الآتية :

    س---- أذكر الثمرة الأولى؟
    ج---- :إذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ قبل انقضاء الوقت في الواجب الموسع فهل تجزئ تلك الصلاة ولا إعادة عليه أم لا تجزئ ؟ وقع خلاف فالجمهور المثبتون للواجب الموسع الذين يقولون أن جميع الوقت هو وقت للوجوب يقولون إن الصلاة التي صلاها في أول الوقت تجزئه ولا يلزمه إعادتها بناء على أنه قد فعل الواجب في جزء ٍمن أجزائه أما الحنفية فيقولون أن الوجوب متعلق في آخر الوقت فأن هذه الصلاة لا تجزئه لأنه حين صلاها في أول الوقت لم يكن مكلفا.

    س--- أذكر الثمرة الثانية؟
    ج---:إذا سافر شخص في أول الوقت أو حاضت المرأة بعد دخول الوقت ومضى مقدار الفعل من أول الوقت فهل يجب الإتمام على المسافر وهل يجب القضاء على الحائض وقع خلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف في هذا التقسيم في مسألة الواجب الموسع .
    فالجمهور يقولون يجب الإتمام على المسافر ويجب القضاء على الحائض لأن كلا ًمن المسافر والحائض قد أدركا وقت الوجوب ووقت الوجوب عندهما هو جميع الوقت سواء أوله أو وسطه أو آخره أما الحنفية فيقولون إن المسافر هنا لا يجب عليه الإتمام وإنما يجوز له القصر والحائض لا يجب عليها القضاء لأنهما أدركا أول الوقت فقط والوقت ليس وقت وجوب إنما وقت الوجوب عندهم إنما متعلق بآخر الوقت

    س117- مسألة متعلقة أيضا ًبالواجب الموسع وهي : حالات تأخير الفعل في الواجب الموسع ومنها, أذكر الحالة الأولى؟
    ج117- إذا أخر المكلف الفعل في الواجب الموسع عن أول الوقت وغلب على ظنه عدم البقاء إلى آخر الوقت فإنه يكون عاصياً بترك الفعل في أول الوقت وإن لم يمت لأنه قد تضيق الوقت بناء على ظنه الغالب وترك الواجب في وقته المضيق بلا عذر فيكون ذلك عصيانا ً وهذا بالاتفاق .

    س118- مسألة متعلقة أيضا ًبالواجب الموسع وهي : حالات تأخير الفعل في الواجب الموسع ومنها, أذكر الحالة الثانية؟
    ج118- لو أخر المكلف الفعل حتى ضاق الوقت عن فعله ثم مات ولم يبق إلا الوقت الذي يتسع لأقل من أربع ركعات فإنه كما قالوا يموت عاصيا ً لأنه لا يجوز تأخير الفعل عن هذا الوقت .

    س119- مسألة متعلقة أيضا ًبالواجب الموسع وهي : حالات تأخير الفعل في الواجب الموسع ومنها, أذكر الحالة الثالثة؟
    ج119-إذا أخر المكلف الفعل في الواجب الموسع عن أول الوقت مع غلبة ظن السلامة فمات فجأة أثناء الوقت الموسع فمثل هذا لو مات مثلا ً بعد زوال الشمس وقد بقي من وقت الظهر ما يتسع لفعلها وأكثر ولم يصلها فاختلف العلماء المثبتون للواجب الموسع وهناك من يقول أنه يموت عاصياً.
    وهذا ذهب إليه أكثر المثبتين للواجب الموسع وهناك من يقول أنه لا يموت عاصيا ً وهذا ذهب إليه إمام الحرمين وابن الخطاب والمجد بن تيميه والصحيح أنه يموت عاصياً في هذه الحالة لأن الواجب الموسع يجوز تركه في أول الوقت ليعمله في آخر الوقت المحدد وقد جاز الترك مع عدم علمه بالعاقبة وإذا كان تركه في أول الوقت ليفعله في آخر وقته جائزاً فكيف يعصي فالحقيقة أنه لا يموت عاصيا ً في هذه الحالة

    س120- عندنا مسألة وهي متعلقة بتضييق الواجب الموسع, ذكرنا أن الواجب الموسع وقته واسع يتسع لهذا الواجب ويتسع لغيره من جنسه لكن هل يمكن أن يتضيق فيجب على المكلف أن يفعله في هذا الوقت المحدد فقط ولا يجوز له أن يؤخره إلى وقت آخر؟
    ج120- الحقيقة أن الواجب الموسع قد يتضيق فيصبح الواجب الموسع واجبا ً مضيقا ً وذلك في حالات, أذكر الحالتين؟
    الحالة الأولى : أن يترك المكلف الواجب إلى آخر الوقت فإذا تركه إلى آخر الوقت بحيث لن يبقى إلا زمن يسير لا يمكن إلا أداء الواجب فيه فإنه حينئذ ٍيتضيق هذا الواجب الموسع فيصبح واجباً ضيقا ً وإذا خرج هذا الوقت ولم يؤده المكلف يكون عاصيا بخروج وقته .
    الحالة الثانية : إذا غلب على ظن المكلف عدم البقاء إلى آخر الوقت فإنه حينئذ ٍيجب عليه العمل بموجب غلبة ظنه أو عدم التمكن من الفعل في آخر الوقت فإنه يجب عليه الأداء في أول الوقت فيصبح واجبا مضيقا ً في هذه الحالة مثل المرأة التي تعرف أن الحيض يأتيها في ساعة معينه من الوقت في آخره أو في وسطه فإنها يجب عليها أداء الصلاة في أول الوقت وهذا يكون الواجب الموسع في حقها واجبا ً مضيقا ً وإذا آخرته تكون عاصية ً بـتأخيرها .

    س120- ما عناصر هذه الحلقة؟
    120-
    عدد
    1. من مسائل الواجب
    2. مالا يتم الواجب إلا به
    3. خلاف العلماء في هذه المسألة وتحرير الخلاف
    4. تحقيق هذا اللفظ وما يصدق عليه

    يعبر عنها بعض الأصوليين بقولهم مسألة مقدمة الواجب وبعضهم يعبر عنها بمسألة وسيلة الواجب وبعضهم يعبر عنها بعبارات أعم من مسألة الواجب فيقول مالا يتم الشيء إلا به معنى هذا أن الشيء يشمل الواجب ويشمل غيره كمسائل المستحب وغيره ومنهم من يعبر بقوله مالا يتم الأمر إلا به يكون مأمورا ً به وهذا لاشك لفظ عام يشمل الواجب ويشمل غيره من الألفاظ ومن الأحكام كالمندوب والمباح وغيرها هناك من يذكر فيها خلافا ً بين الأصوليين وحتى نحرر الكلام فيها نحتاج إلى ضبط هذه المسألة ولكي نضبطها لابد أن نذكر أن العلماء نهج كل ٌ منهم طريقين طريقا ً لضبط بحث هذه المسألة .

    الطريقة الأولى : يقسمون مالا يتم الواجب إلا به إلى قسمين
    س122- أذكر القسمين؟
    ج122- القسم الأول : أن يكون مالا يتم الواجب إلا به غير مقدور للمكلف يعني ليس بقدرته ولا باستطاعته ولا بوسعه عمله ولا تحصيله ولا يقع تحت اختياره وهذا القسم حكمه أنه غير واجب فيقولون أن مالا يتم الواجب إلا به إذا كان غير مقدور للمكلف فهو غير واجب مثال ذلك : حضور الإمام في الجمعة وتمام العدد في الجمعة فهذا شرطان للصلاة الجمعة ومع ذلك ليسا واجبين بمعنى أنه لا يطلب من أحد إحضار الإمام وخطيب الجامع ليصلي بالناس الجمعة ولا إحضار آحاد الناس ليكمل بهم العدد المطلوب حتى تجب الجمعة فهذا ليس واجبا بل أن عدمها يمنع الوجوب ومن الأمثلة العقلية : القدرة شرط لصحة الفعل ووجود اليد شرط لصحة الكتابة لأنه لا يتم الواجب إلا به فلا يتم الفعل إلا بالقدرة ولا تتم الكتابة إلا بوجود اليد.
    القسم الثاني : أن يكون مالا يتم الواجب إلا به مقدورا ً للمكلف ومعنى هذا أنه يقع تحت اختيار المكلف وفي قدرته وفي استطاعته أن يفعله فهذا محل نزاع ومحل خلاف بين العلماء هذه الطريقة اتبعها أبو حامد الغزالي في كتابه )المستصفى ) وتبعه ابن قدامه الحنبلي

    الطريقة الثانية : قالوا أن مقدمة الواجب أو مالا يتم الواجب إلا به تنقسم قسمين
    س123- أذكر القسمين ؟
    ج123- القسم الأول : ما يتوقف عليه وجوب الواجب .
    القسم الثاني : ما يتوقف عليه وقوع الواجب أو وجوده .

    س124- تكلم عن القسم الأول ((ما يتوقف عليه وجوب الواجب))؟
    ج124- حكمه أنه لا يجب بالإجماع سواء كان سببا ً أو شرطا ً أو انتفاء مانع مثلا ً : بلوغ النصاب سبب يتوقف عليه وجوب الزكاة ومع ذلك لا يجب على أحد تحصيله حتى تجب عليه الزكاة لأنه من قبيل ما يتوقف عليه وجوب الواجب كذلك الزوجات والمماليك والدواب سبب في وجوب النفقة ومع ذلك لا يجب تحصيلها حتى تجب تلك النفقات لأنه من قبيل ما يتوقف عليه وجوب الواجب وهو ليس بواجب أيضا الإقامة شرط في وجوب الصوم ولا يجب على أحد أن يقيم ويترك السفر حتى يجب عليه الصوم لأن هذا من قبيل ما يتوقف عليه وجوب الواجب وهو غير واجب

    س125- تكلم عن القسم الثاني ((ما يتوقف عليه وقوع الواجب أو وجوده))؟
    ج125- وهو ما يتوقف عليه وقوع الواجب أو وجوده بعد تقرر وجوبه فهذا يتنوع إلى نوعين

    س----- ما هما النوعان؟
    ج----- النوع الأول : أن يكون غير مقدور للمكلف بمعنى أن يكون مالا يتم الواجب إلا به ليس في قدرة المكلف فعله ولا تحصيله مثلا ً: حضور الأمام والعدد الكامل لصلاة الجمعة فهذا النوع لا يجب إجماعا ً لأنه ليس بقدرة المكلف ولا طاقته تحصيل ذلك كما مر معنا .
    النوع الثاني : ما يكون مقدورا ً للمكلف أي أن يكون مالا يتم الواجب إلا به مقدورا ً للمكلف وتحت اختياره واستطاعته وكما قلنا هذا النوع يدخل في القسم الثاني وهو ما يتوقف عليه وقوع الواجب هذا النوع له حالات :

    س---- أذكر الحالات ؟
    ج---- الحالة الأولى : أن يصرح الشارع بوجوبه بنص مستقل فهذا يجب لأجل وجود هذا النص مثلا ً : الطهارة أو الوضوء للصلاة والنية للصلاة فهذه أمور ثبتت بنصوص فالصلاة لا تتم إلا بالطهارة والطهارة أو الوضوء واجبه بنص آخر كما في قوله تعالى {يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} إلى آخر الآية فهذا واجب بنص وأيضا ً النية للصلاة واجبه والنية مما لا تتم الصلاة إلا به فتكون واجبة لأنه قد ورد نص بخصوصها كما في قوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات" .
    الحالة الثانية : أن يأتي اللفظ مطلقا ًلم يقيده الشارع بشيء ولم يصرح بإيجابه ولا عدم إيجابه فهذا هو محل الخلاف والنزاع بين العلماء وبين الأصوليين في هذا الأمر فجمهور العلماء يقولون فيه أن مالا يتم الواجب إلا به في هذه الحالة يكون واجبا ً ويقصدون بذلك الواجب الذي يتوقف عليه وقوع الواجب أو وجوده وكان مقدورا ً للمكلف ولم يصرح الشارع بإيجابه فيكون واجباً واستدلوا على هذا بدليل حاصلة أن مالا يتم الواجب إلا به لابد منه في الواجب ومالا بد منه في الواجب يكون واجبا ً فعندنا الآن مقدمتان

    س--- ما المقدمتان؟
    ج---- المقدمه الأولى : أن مالا يتم الواجب إلا به لابد منه في الواجب .
    المقدمه الثانية : أن مالا بد منه في الواجب يكون واجباً.
    والمقدمة الأولى دليلها كما تقدم معنا في وجوب الوضوء في الصلاة ونحو ذلك إنه لابد من الوضوء في هذه الحالة .
    والمقدمة الثانية دليلها أن الواجب هو اللازم ومالا بد منه لازم ٌ فمالا بد منه يكون واجبا .

    س126- ماذا ينتج من الجمع بين المقدمتين؟
    ج126- وهي : أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

    س127- هناك خلاف آخر بين العلماء في هذه المسألة , أذكرها؟
    ج127- فهناك من يقول إن مالا يتم الواجب إلا به ليس بواجب
    وهناك من يقتصر في إيجاب مالا يتم الواجب إلا به على بعض الأنواع فيقول مثلاً: يقصره على السبب وعلى الشرط فيقول إن السبب مالا يتم الواجب إلا به فيكون واجبا وغيره ليس بواجب وهناك من يقول نقصره فقط على الشرط فمالا يتم الواجب إلا به إذا كان شرطا ً فأنه يكون واجبا وما عدا ذلك لا يكون واجبا والحقيقة أن الخلاف في هذه القاعدة ضعيف

    س----- ما الراجح من هذه المسألة؟
    ج----- ما ذكرناه في مذهب الجمهور وهو أن مالا يتم الواجب إلا به يكون واجبا

    كما قلنا إذا كان مما يتوقف عليه وقوع الواجب أو وجود الواجب وكان مقدورا ً للمكلف وقد سكت الشرع عنه ولم يصرح بإيجابه ولا عدم إيجابه فالراجح أنه واجب بناء ً على أنه مذهب الجمهور في هذه المسألة وما ذكر من خلاف في هذه القاعدة على نقيض ما ذكره الجمهور فهو خلاف ضعيف فالظاهر أن القاعدة معمول بها عند جميع الأئمة ومن نقل الخلاف فيها فإنما هو في التسمية وفي استحقاق هذه الزيادة ثوابا مستقلا وإنما قال الجمهور تسمى هذه الزيادة واجبا لأنها لا يجوز تركها أبدا ً إلا بترك الواجب وترك الواجب يذم عليه المكلف فكذلك ما لازمه الجمهور حينما قالوا بأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب إنما قصدهم بذلك أنه لا يجوز ترك هذا الشيء الذي لا يتم الواجب إلا به لأنه لو ترك لترتب على ذلك ترك الواجب نفسه وترك الواجب يذم عليه المكلف فكذلك ما كان ممالا يتم إلا به فإن كان لابد منه للواجب فحينئذ ٍ يكون واجبا ً لأنه يترتب على تركه الذم وهناك أيضا ً من حمل الخلاف في هذه المسألة على أمر آخر فهناك من قال أنه لا خلاف أصلا في المسألة فالذين يقولون: إن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب يقصدون بذلك أنه يستحق على هذه الزيادة التي لايتم الواجب إلا بها الثواب ويستحق على تركها العقاب ومن يقول بأنها ليست واجبه فيقصد بذلك أنه لا يحكم بثواب ولا عقاب لمن ترك مالا يتم الواجب إلا به فالخلاف حينئذٍ يعود إلى تفسير الواجب هنا فإذا قلنا إن الواجب المقصود به ما طلبه الشارع طلبا ً جازما ً فإنه يمكن أن يدخل في هذا التعريف مالا يتم الواجب إلا به ويكون مالا يتم الواجب إلا به من قبيل الواجب بمعنى قد طلبه الشارع طلبا ً جازما ً بطريق المعنى ولو لم يكن بطريق الدلالة أو بطريق الصيغة
    وإن فسرنا الواجب بأنه ما يمدح فاعله ويذم تاركه فحينئذ ٍ يحمل على هذا التفسير قول بأن مالا يتم الواجب إلا به ليس واجبا ًبمعنى أنه لا يذم تارك مالا يتم الواجب إلا به ولا يمدح فاعله لان هذا من مقتضيات الواجب .

     وهنا اعتراض أورده بعضهم على الجمهور القائلين بأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب :
    قالوا أنه لو كان مالا يتم الواجب إلا به واجبا بمعنى أنه لو كانت مقدمة الواجب واجبه لانطبق عليها حد الواجب بمعنى انطبق عليها تعريفه وحكمه .
    ومن الحدود التي قيلت في الواجب أنه يثاب على فعله ويعاقب على تركه ومعنى هذا أن المكلف لو غسل وجهه وصام يوم من رمضان وغسل جزء من الرأس ليتحقق غسل الوجه وصام جزء من الليل ليتحقق من صيام يوم من رمضان لأثيب ثواب فعل الأصل بمعنى أنه يثاب على غسل جزء ٍ من الرأس ثواب مسح الوجه ويثاب على صيام جزء من الليل ثواب صيام النهار كاملا ً لأن هذا ممالا يتم الواجب إلا به فيتحقق عليه حد الواجب لكن لا نقول بذلك وهو أنه يثاب على غسل جزء من الرأس إذا أراد أن يغسل وجهه ولا يثاب على صوم جزء من الليل كثوابه على الفعل الأصل نفسه ولا يعاقب على ترك غسل جزء من الرأس ولا يعاقب على ترك صيام جزء من الليل إذا أراد صيام النهار كاملا ً كما لو ترك فعل الأصل نفسه فإذاً يقولون هناك فرق في الثواب وفي العقاب فالثواب على فعل مالا يتم الواجب إلا به ليس كثواب الواجب نفسه والعقاب على ترك مالا يتم الواجب إلا به ليس كالعقاب على ترك الواجب نفسه وحينئذ ٍ إذا كان هناك فرق في الثواب والعقاب بين مالا يتم الواجب إلا به وبين الواجب نفسه فمعنى هذا أن مالا يتم الواجب إلا به لا يأخذ حكم الواجب ولايا خذ تعريفه فكيف أيها الجمهور أعطيتموه هذا الحكم مع عدم اتفاقهما في الثواب والعقاب
    والحقيقة أن الجواب عن هذا يعني أن المكلف إذا فعل الواجب الأصلي وهو مثلا ً غسل الوجه وفعل مالا يتم الواجب إلا به وهو غسل جزء من الرأس ليتحقق من غسل الوجه كاملا ً أو صام جزء من الليل في رمضان أو في أي صيام وصام أيضا ً جزء من الليل ليتحقق من صوم النهار كاملا ً فمن يقول لكم أنه يثاب على ذلك ثواب الفعل الأصلي بل قد يثاب على ذلك ثواب الفعل الأصلي فالثواب والعقاب أمره إلى الله تعالى ولو أنه ترك غسل جزء من الرأس أو ترك صيام جزء من الليل في هذا فربما يعاقب على تركه ممالا يتم الواجب إلا به فأمر الثواب والعقاب إلى الله فحينئذ ٍ نقول نحن أيها الجمهور أنه يجب عليه فعل ذلك ويكون هذا مما لا يتم الواجب إلا به احتياطا ً لفعل الواجب فيأخذ مالا يتم الواجب إلا به حكم الواجب من قبيل باب الاحتياط ويكون هذا حكم مالا يتم الواجب إلا به ونحن نقول بأنه يمكن أن يثاب على ذلك ثواب الواجب ويمكن أن يعاقب على ذلك عقاب ترك الواجب والمستند في احتمال الثواب والعقاب في هذا نصوص كثيرة تدل على أن المكلف يثاب على فعل الوسيلة أو ما يتوصل به إلى فعل الواجب أكثر من الذي لا يفعل الوسيلة أو يفعل مالا يتم الواجب إلا به فمثلا ً ورد في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أعظم الناس أجرا ًفي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى " فالماشي إلى الصلاة إذا كان بعيدا يتحقق له من الثواب مالا يتحقق للقريب فهذا دليل على وجود التفاضل في الثواب في فعل الوسيلة حتى في مقدارها فما بالنا فيمن يفعل الوسيلة أو مالا يتم الواجب إلا به وبين من لا يفعلها فلا شك من وجود الثواب لمن يفعله وعدم وجود الثواب لمن لا يفعلها هذا نص شاهد لقضية وجود الثواب على فعل مالا يتم الواجب إلا به في هذه الحالة .
    مسألة مالا يتم الواجب إلا به نختم الكلام فيها على مسائل تنبني على الخلاف فيها إن كان هناك خلاف فالواقع أن بعض العلماء ذكر أن هذه المسألة مختلف فيها ويذكرون الخلاف فيها وحقيقة حين نتأمل الخلاف في هذه المسألة نجد أن هذا الخلاف لا يكاد أن يكون خلافا ً حقيقيا ً بل أنه يتجه إلى أن يكون خلافا ً لفظيا ً في غالب أمره وهذا له أسباب من جملتها كما قلنا سابقا ً عدم تحرير معنى الواجب الذي ذكرناه هنا هل هو ماطليه الشارع طلبا ً جازما ً أو هو ما يستحقه فاعله الثواب ويستحق تاركه العقاب وما ينبني عليه القول هل أن مالا يتم الواجب إلا به واجب أو ليس بواجب يضاف إلى هذا عدم صحة الخلاف على ظاهره في هذه المسألة أن مالا يتم الواجب إلا به على عدة أنواع منها :

    س----- عدد هذه الأنواع؟
    ج---- ما هو محل اتفاق على إلحاقها بالواجب في الحكم فيكون حكمها واجبا .
    * ومنها ما هو محل الخلاف وحكاية الخلاف حقيقة على سبيل الإطلاق لا يوافق واقع المسألة بصورة صحيحة؛ ومن المسائل التي يذكرها العلماء ثمرة الخلاف في هذه المسألة مسائل كثيرة وننبه هنا حقيقة أن مالا يتم الواجب إلا به قد يتنوع فمنه ما يكون وسيلة لوقوع الواجب وتحققه ووجوده ومنها ما يكون وسيلة للعلم بتحقق الواجب فنعرض من خلال هذه الأمثلة مثلا : ما يكون تحقق عليه وجود الواجب أو وقوعه قلنا مثلا الطهارة في الصلاة مما يتوقف عليها وجود الواجب أو وقوع الواجب وحولان الحول في الزكاة فإن هذا مما يتحقق عليه وجود الواجب أو وقوعه والاستطاعة بالحج كذلك والسعي في صلاة الجمعة .

    وهناك مسائل يتوقف عليها العلم بتحقق الواجب سيأتي الكلام عنها في المسائل التالية :
    س128- إذا التبس موضع النجاسة من الثوب بباقي الثوب بسبب خفاء موقع النجاسة ,ما هو قول العملاء في ذلك؟
    إن الطهارة هنا تجب لجميع الثوب فيغسل ثوبه كله لأن الواجب هو التحقق من طهارة الثوب كله فإذا حصل الشك فيه احتاطوا في ذلك حتى يحصل العلم بتحقق الواجب ووجوده فيكون ذلك بإعطاء حكم طهارة الثوب كله حكم طهارة جزئه ؛ أيضا ً قالوا لو نسي المكلف صلاة يوم معين ولم يعرف الصلاة عينها ولم يعرف أي صلاة في اليوم نسي قالوا أنه يلزم أن يصلي الصلوات الخمس لذلك اليوم كاملة وينوي بكل صلاة منها الفرض وذلك لأنه يجب عليه التحقق من أداء الصلوات المكتوبة في ذلك اليوم فإذا حصل الشك عنده فإنه يحتاط بذلك حتى يحصل العلم بتحقق الواجب أو وجوده ؛ من الأمثلة أيضا ً قالوا لو اشتبهت على رجل ٍ أخته بامرأة أجنبيه ولم يعلم أيهما الأجنبية فإنه يجب عليه اجتناب العقد على أي منهما لأن اجتناب نكاح أخته واجب ولا يتحقق الاجتناب إلا باجتناب نكاح الاثنتين معا ً فيكون من قبيل مالا يتم تحقق الواجب إلا به فيكون حينئذ ٍ اجتناب النكاح واجبا ً؛

    أيضا ً من المسائل قالوا إذا اختلطت الميتة بالمذكاة واشتبه عليه ولم يعلم أيهما الميتة وأيهما المذبوحة ذبحا ً صحيحاً فيجب عليه اجتنابهما معا وعدم الأكل منهما معا لأن هذا مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, قالوا أن المدين يلزمه وفاء دينه فإذا كان مفلسا ً وله حرفه فأنه يلزمه أن يكتسب ويقضي دينه لأن الاكتساب من ضرورات قضاء الدين وقضاء الدين واجب فيكون الاكتساب واجبا ً لأنه مما لا يتم الواجب إلا به فيكون واجبا ؛ أيضا ًأن أجرة الكيل بالمبيع بطريق الكيل تجب على البائع وذلك لأن أجرة الكيل تابعه للمبيع وهي من ضرورات تسليم المبيع وتسليم المبيع واجب لا يتم تسليم هذا المبيع إلا بإعطاء أجرة الكيل فيكون إعطاء أجرة الكيل واجبة لأنها من قبيل مالا يتم الواجب وهو تسليم البيع إلا به فيكون إعطاء الأجرة على الكيل واجبا.


    لا يزال الحديث موصولاً في هذه الحلقات عن القسم الأول من أقسام الحكم التكليفي وهو الواجب:تحدثنا في الحلقات السابقة عن جزء من مسائل هذا القسم وكان من جملة ما تحدثنا عنه الكلام على تقسيمات الواجب وكان من تلك التقسيمات : (تقسيم الواجب باعتبار ذاته)ثم الكلام على (تقسيم الواجب باعتبار وقته أو زمن أدائه) وفي هذه الحلقة نعرض إلى تقسيم آخر من تقسيمات الواجب وهو ( تقسيم الواجب باعتبار تحديده (وتتمثل العناصر التي هي محل الحديث في هذه الحلقة –على الحديث عن الواجب باعتبار تحديده, ويترتب على ذلك الكلام على مسألةٍ من مسائل التي تنبني على هذا التقسيم وهي مسألة الزيادة على أقل الواجب؛ المراد بهذه المسألة وفي هذه المسألة نتكلم عن:
    –وصلتها بهذا التقسيم- وتحرير المراد بها ومحل النزاع فيها –وذكر أو الإشارة إلى الخلاف في هذه المسألة –وبيان شيء من أمثلتها- وبيان أيضاً صلتها بما لا يتم الواجب إلا به

    س128- ما يتعلق بأقسام الواجب باعتبار تحديده فإن الواجب باعتبار تحديده ينقسم إلى قسمين, أذكرهما؟
    ج128- الأول:واجب محدد الثاني: وواجب غير محدد

    س129- تكلم عن الواجب المحدد؟
    ج129- فأما الواجب المحدد:فهو الشيء الذي طلبه الشارع طلباً جازماً وعيّن مقداراً معلوماً له أو مقداراً محدداّ له ويمثلون لذلك
    مثلاً :بالصلوات الخمس فقد حددت كل صلاة بركعات محددة وكذلك زكاة الأموال وصيام رمضان وأيضاً مثلاً غسل الوجه وغسل الرجلين واليدين في الوضوء ونحو ذلك–فهذه واجبات محددة حددها الشارع بمقدار ٍ معين.

    س130- ما حكم الواجب المحدد؟
    ج130- فهو ألا يفعل المكلف شيئاً زائداً على الفعل المحدد و المعين-ولا تبرأ ذمة المكلف إلا إذا فعله بالمقدار المحدد الذي أمر به الشارع- لا تبرأ ذمة المكلف إلا بفعله بالمقدار الذي حدده الشارع ,وإذا فعله بالمقدار الذي حدده الشارع برئت ذمته بذلك -هذا ما يتعلق بالقسم الأول وهو الواجب المحدد.

    س131- تكلم عن الواجب غير المحدد؟
    ج131- وهو الواجب غير المحدد فهو:الشيء الذي :طلبه الشارع طلباً جازماً ولم يحدده ولم يقدره بمقدار معين وهذا له أمثلة أيضاً كثيرة في الشرع مثلاً:منها الطمأنينة في الركوع والطمأنينة في السجود-ومدة القيام ومدة القعود-وهذه من أمور الصلاة- فيما يتعلق بواجبات الصلاة:فمثلاً وجبت الطمأنينة في الركوع والسجود ولكن لم يقدر الشارع مقداراً محدداً لمدة الطمأنينة-وكذلك أوجب الشارع القيام والقعود مدة من الزمن ولم يحدد أو يعين مدة معينة في هذا أو لهذا المقام

    س132- ما حكم هذا الواجب غير المحدد؟
    ج132- وحكم هذا القسم :أنّ المكلف تبرأ ذمته بفعل أقل ما يصدق عليه الواجب من هذا الأمر.

    فسيكون عندنا إذاً هذا النوع من الواجب:واجب غير محدد وحينئذٍ يتفاوت الناس أو المكلفون في القيام به, فمنهم من يطيل فيه ومنهم من يقتصر على أقله –ولا تبرأ ذمة المكلف إذا قصّر عن القيام بأقل هذا النوع من الواجب-فتقدم إذاً لنا الكلام على قسمي الواجب باعتبار الكلام على تحديده –إلى قسمين: واجب محدد وواجب غير محدد-وإذا استصحبنا المثال فإنه يتضح به المقال فيما سبق
    نحن الآن تكلمنا عن التقسيم لكن هل هذا التقسيم تقسيم ٌ فقط ذهني أو أنه يترتب عليه شيء من الآثار والحقيقة أنّ هناك شيئاً من الفوارق والآثار الفقهية المترتبة على هذا التقسيم. فمنها مثلاً :

    أولاً من الآثار المترتبة على هذا التقسيم:
    أنّ الواجب المحدد يثبت ديناً في ذمة المكلف ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائه كاملاً أو بإسقاط المطالبة
    به فالصلاة مثلاً :تكون ديناً في الذمة إذا لم يؤدها المكلف في وقتها وطلب منه قضاؤها مادام قادراً على ذلك ؛
    أما الواجب غير المحدد فلا يثبت ديناً في الذمة ولا يطالب المكلف بقضائه بعد وقته
    ومن أمثلته مثلاً نفقة الأقارب ,فإنها واجبٌ غير محدد لأنها يتفاوت الناس فيها ويختلف باختلاف الأعراف والأوقات والأشخاص فهذه نفقة الأقارب من الواجب غير المحدد-فنفقة الأقارب لا تثبت في الذمة إلا من تاريخ القضاء
    بها يعني من تاريخ حكم القاضي بها ولا يطالب المنفق بما مضى من تقصير في حق النفقة على أقاربه-وهكذا مثلاً :الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه واجب غير محدد فإذا قصّر الإنسان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعليه أن يقوم بذلك دون النظر إلى تقصيره في الماضي.


    س133- ما تعليل هذا الفرق بين الواجب المحدد والواجب غير المحدد؟
    ج133- أنّ المطالبة دائماً إنما تكون بشيء مقدرٍ معلوم
    مثلاً: الصلاة والزكاة والنذر المحدد أما غير المحدد- فالواقع أنه لا تتصور المطالبة به بعد مضيه وهذه قاعدة في الأمور المحددة وغير المحددة-فالأمور المحددة يمكن المطالبة بها بعد مضي وقتها أما الأمور غير المحددة وخاصة ً الواجبات غير المحددة فلا يمكن المطالبة بها بعد مضي وقتها هذا فيما يتعلق بتقسيم الواجب إلى محددٍ وغير محدد وما ينبني على هذا التقسيم

    قد يتساءل متسائل فيقول: أنتم تذكرون لنا أقسام الواجب باعتبار تحديده -وهناك ذكرتم لنا تقسيم الواجب باعتبار وقته- إلى مطلق ومؤقت(والمؤقت إلى مضيّق وموسع..الخ) وقسمتم الواجب أيضاً باعتبار ذاته فيما سبق إلى (واجب معين وواجب مخيّر) فهذه التقسيمات هناك نوع من التداخل بينها خاصةً إذا لاحظنا الأمثلة التي طرحناها في أكثر من مقام فهناك تداخل في الأمثلة –وسيأتي إن شاء الله تعالى في ختام الكلام على تقسيمات الواجب, الكلام عن مقارنة بين هذه التقسيمات باعتباراتها المختلفة.
    إذا تقرر أن الواجب باعتبار تحديده ينقسم إلى قسمين: واجب محدد وواجب غير محدد.
     فهنا مسألة أوردها الأصوليون وتحدثوا عنها وأطالوا الكلام عنها وكانت محل نقاش ٍ بينهم وهل لها ثمرة وواقع فقهي أو ليس لها ثمرة كل هذا سنتكلم عنه في خلال مسألة آتية متعلقة بهذا التقسيم وهذه المسألة يُعنون لها الأصوليون اختصاراً بمسألة (الزيادة على أقل الواجب) طبعاً هذه المسألة متعلقة بالزيادة على أقل الواجب غير المحدد-فقد تقدم معنا المراد بالواجب وبينا فيما سبق تعريف الواجب (والمراد هنا بالواجب
    عندما قلنا الزيادة على أقل الواجب في هذه المسألة:المراد بالواجب تحديداً هنا: الواجب الذي لا يتقدر بقدر أو الذي لا حد له –يعني باختصار الواجب غير المحدد -وعنونا في المسألة وقلنا (الزيادة على أقل الواجب) .

    س134- ما المراد بأقل الواجب؟
    ج134- أقل ما يطلق عليه الواجب بحيث إن اسم الواجب لا يتحقق إلا بحصول هذا الأقل فأكثر و لا يكون مجزئاً إلا بتحقق هذا القدر فيه وهو القدر الذي يعاقب على تركه شرعاً وأما المراد بالزيادة
    في قولنا ( الزيادة على أقل الواجب( فالزيادة خلاف النقصان: والمراد بها كل ما تجاوز حد أقل الواجب وفضُل عنه فيكون المراد بهذه المسألة (يعني مسألة الزيادة على أقل الواجب): يكون المراد بها أنه إذا حصلت الزيادة على أقل ما يطلق عليه الاسم من الواجب الذي لا يتقدر بقدر وغير محدد .
    فهل هذه الزيادة تأخذ حكم الأصل الواجب فتعطى حكم الأصل الواجب أو أنها تأخذ حكماً

    س----هذه المسألة في الواقع محل خلاف بين العلماء –وحقيقةً خلافهم في هذه مستقلاً؟
    ج------ المسألة على قولين-وسنبين القولين بعد ذلك –لكن قبل أن نبين القولين-نجتهد في بيان بعض المسائل المتفق عليها في هذه المسألة ونخرج ما ليس محلاً للنزاع وهو ما نسميه بتحرير محل النزاع, فنذكر المسائل المتفق عليها حتى تخرج من محل الخلاف ومحل النزاع ثم يتحرر لنا محل الخلاف في المسألة .
    فأولاً :أخرج بعض العلماء من محل النزاع, الزيادة المتميزة على أقل الواجب أو ما يعبر عنها بالزيادة التي يمكن انفكاك الواجب عنها-فهذا النوع من الزيادة قالوا بعدم وجوبها بخلاف الزيادة غير المتميزة فإن هناك من قال بوجوبها من باب التبع غير المقصود-من باب أنها تابعة لأصلها تبعاً غير مقصود –ولكن الذي يظهر أن الزيادة لا تكون متميزة عن أقل الواجب الأول : الذي هو الواجب إلا إذا كان الواجب متقدراً بقدر معين-أي من قبيل النوع المحدد-ونحن قد بينا أن المراد بالواجب هنا: مالا يتقدر بقدر,يعني :من قبيل الواجب غير المحدد,لذلك لا تأتي عندنا هنا إلا الزيادة غير المتميزة أو التي لا يمكن انفكاك الواجب عنها-أما الزيادة المتميزة فلا تدخل في محل النزاع أصلاً حتى يسوغ إخراجها.
    ثانياً : أخرج بعضهم من محل النزاع الواجب الذي يقع بجملته معاً ولا يتميز بعضه عن بعض ,فإنه يوصف كله بالوجوب ويبعد أن يقال :إن الأصل واجب والباقي مندوب ولذا فإن المتجه في محل النزاع عند من يقول بهذا القول :أن يكون في الواجب الذي يقع متعاقباً كالطمأنينة والقيام في الصلاة .
    ثالثاً : أخرج بعض العلماء الزيادة المتميزة التي تقع مرتبة فإنها لا توصف بالوجوب وبناءً على هذا فإن الزيادة غير المتميزة أو المتميزة التي لا تقع مرتبة تكون من محل النزاع.
    رابعاً : أخرج بعض العلماء من هذا ما إذا كان الزائد أو هذه الزيادة واجباً في الأصل ثم سقط تخفيفاً فإنه إذا فعل المكلف الأصل وصف الكل بالوجوب اتفاقاً ولا يتأتى القول بوجوب البعض وندب الباقي وذلك كما إذا صلى المسافر أربعاً فإن الكل يوصف بالوجوب في حقه- ولكن الحقيقة أن الذي يظهر أن هذا الأمر ليس داخلاً في الأصل في مسألتنا حتى يقال بإخراجه وذلك لأن المسألة هنا التي يتكلم عنها هو في إلحاق الزيادة بالأصل في الوجوب والذي حصل في هذا الأمر الرابع إنما هو ردٌ للزيادة إلى أصلها فإن المسافر قد رخص له في ترك البعض فإذا ردّ الرخصة رجع الفرض إلى أصله وهو الوجوب في أصل الوضع ؛ هذه مسائل أخرجها العلماء من محل النزاع وبناءً على هذا يكون محل النزاع في مسألة الزيادة على أقل الواجب أو محل الخلاف في مسألة الزيادة على أقل الواجب: هي في إعطاء الزيادة غير المتميزة على أقل الواجب الذي لا يتقدر بقدرٍ معين: يعني غير محدد, إعطاؤها حكم أصلها الواجب, فهل توصف هذه الزيادة بالوجوب أو لا توصف بالوجوب؟ إذاً محل النزاع هو في إعطاء الزيادة غير المتميزة على أقل الواجب الذي لا يتقدر بقدر وهو من قبيل الواجب غير المحدد, إعطاؤها حكم أصلها الواجب, فهل توصف هذه الزيادة حينئذ بالوجوب أو لا توصف بالوجوب و المقصود بالزيادة غير المتميزة هنا,كما سبق وبينا هذا هي التي لا تنفصل حقيقتها عن حقيقة الواجب حساً هذا فيما يتعلق بتحرير محل النزاع.

    س135- حصل الخلاف بين العلماء في هذه الزيادة:هل تأخذ حكم الواجب أولا تأخذه؟ على قولين , أذكر القول الأول؟
    ج135- القول الأول: أنّ الزيادة كما قلنا وعبرنا عنها(بالزيادة غير المتميزة)على أقل الواجب
    س------ ما المقصود بالواجب هنا؟
    ج------- الواجب غير المحدد,أن هذه الزيادة مندوبة وذهب إلى هذا كثير من العلماء منهم الغزالي والرازي والبيضاوي و الباقلاني والشيرازي وأبو يعلى الحنبلي وأبو الخطاب الحنبلي أيضاً: ودليل هذا القول:أولهم دليلان:
    الدليل الأول:أن الواجب هو الذي لا يجوز تركه إلا بشرط البدل وهو العزم على الفعل في آخر الوقت في الواجب الموسّع أو فعل غيره من الخصال المخير بينها في الواجب المخير؛ وهذه الزيادة التي ترد معنا في مسألتنا هنا مثل: الطمأنينة في الصلاة, هذه الزيادة على أقل الواجب يجوز تركها بلا شرطٍ و لا بدل-وهذا هو حد المندوب- وهذا هي حقيقة المندوب,فتكون هذه الزيادة مندوبة, لأنه يجوز تركها .
    الدليل الثاني: قالوا أنّ من فعل المأمور به ما يقع عليه الاسم فإنه يحسن أن يخبر عن نفسه ويقول :فعلتُ ما أمرت به, فمثلاً من اطمئن في صلاته, أو اقتصر في الاطمئنان في صلاته على الأقل أو القدر المأمور به شرعاً, فإنه يقول: فعلتُ ما أمرت به, ولو كان اللفظ يتناول أكثر من ذلك-يعني يتناول الزيادة أيضاً, لما حسُن الإخبار عن نفسه بذلك- هذان الدليلان لأصحاب القول الأول القائلين بأن الزيادة على أقل الواجب الذي لا يتقدر بقدر والواجب غير المحدد هي من قبيل المندوب.

    س136- حصل الخلاف بين العلماء في هذه الزيادة:هل تأخذ حكم الواجب أولا تأخذه؟ على قولين , أذكر القول الأول؟
    ج136- القول الثاني : أن الزيادة على أقل الواجب والمقصود بالواجب ,الواجب غير المحدد تكون واجبة مثل أصلها-ومعنى هذا أن الزيادة على أقل ما يطلق عليه الاسم واجبة ,فيكون الفعل جميعه واجب- وذهب إلى هذا بعض الحنفية,ونسب إلى الكرخي من الحنفية تخصيصاً .
    ودليل هذا القول: أن نسبة الواجب وما زاد عليه إلى الأمر نسبة واحدة, والأمر في نفسه أمر ٌ واحدٌ لا يتجزأ وهو أمر إيجاب, والواجب وما زاد عليه لا يتميز أحدهما على الآخر بشيء, فإذا فعل المكلف الواجب وما زاد عليه,فإنه يوصف بأنه ممتثل والامتثال واجب فيكون الواجب وما زاد عليه واجباً

    س----- ما الجواب على هذا الدليل؟
    ج------- أن هذه الزيادة إما أن تتميز أو لا تتميز فإن تميزت الزيادة عن الواجب الذي تناوله الاسم، أي تميز أحدهما عن الآخر ببعض التميز, فلا نسّلم أن نسبة الواجب وما زاد عليه إلى الأمر نسبة واحدة, بل الواجب نسبته إلى الأمر بالوجوب ونسبة الزيادة إلى الأمر بالندب، أو بالندبية وأما إذا لم تتميز الزيادة, أي لم يتميز الواجب وما زاد عليه,فيحتمل أن يكون بعضه واجباً وبعضه ندبا ًقياساً على من دفع ديناراً عن زكاة عشرين ديناراً فيكون نصف الدينار عن العشرين والنصف الآخر قد دفعه ندباً و صدقة-

    وبهذا يترجح القول القائل:أن الزيادة غير المتميزة وهي التي لا تنفصل حقيقتها عن حقيقة الواجب حساً –هذه الزيادة
    , والمقصود بها الواجب هنا المقصود به الواجب غير المحدد, فإذاً يكون الزيادة غير المتميزة التي لا تنفصل حقيقتها عن حقيقة الواجب غير المحدد حساً هي : يعني حكمها حكم الندب ولا تأخذ حكم الواجب, فالزيادة على القدر الممكن في الواجب في الطمأنينة تكون مندوبة والزيادة على القدر سواء كان الطمأنينة في الركوع أو في السجود ونحو ذلك-يكون حكمها الندب-هذا فيما يتعلق بالخلاف في المسألة والراجح فيها-والرجحان هنا إنما هو لقوة الدليلين الواردين لأصحاب هذا القول.

     هنا مسائل أوردها العلماء للتمثيل على هذه المسألة وهي (مسألة الزيادة على أقل الواجب)
    لعلنا نذكر شيئاً منها لتوضيح هذه المسألة أكثر:
    فمثلاً من هذه المسائل قالوا:إذا مسح المتوضئ جميع رأسه في الوضوء فزاد عن القدر المجزئ وهو قدر الناصية فإنه يعطى الزائد عن القدر المجزئ من الرأس حكم الأصل الواجب وقد يعطى حكم المندوب هل يعطى حكم الواجب أو حكم المندوب على الخلاف في هذه المسألة، فينبني على هذا أنه لو مسح على شعر ٍ ثم حلق بعضه فإن من يرى أنه إذا حلقه كله تجب الإعادة، قد يقول : إذا قلنا: الكل واجب لزمه إعادة المسح في الموضع الذي حلقه لأن هذا الموضع زائد على أقل الواجب , فيلزمه إعادة مسحه,كما يلزمه إعادة مسح الكل فيما لو حلقه كله وهذا على رأي من يقول :في أن الزيادة واجبة ومن يقول كالزيادة مندوبة :لا يلزمه في هذه الحالة إعادة مسحه.

    مثال ثاني: قالوا :لو أطال الإمام الركوع-هنا يقع خلاف في الزيادة المجزئة عن القدر الواجب في الركوع؛ فهل يعطى هذا القدر حكم الركوع أو أصل الركوع فيكون واجباً أو يعطى حكم المندوب؟
    من يقول:بأنه يأخذ حكم الأصل الواجب فإن من يدرك الإمام بعد فوات القدر الواجب يكون مدركاً له في الفريضة-ويكون من اقتداء المفترض بالمفترض, ومن يقول :بأن القدر الزائد هو مندوب- يقول : هذا أنه أدركه في حالة كونه مندوباً فيكون هذا اقتداء المفترض بالمتنفل.
    مثال ثالث: قالوا:إذا وجبت على المكلف شاةٌ في نذر هدي أو أضحية فذبح مكانها بدنة أو بقرة فهل هذه الزيادة في البدنة أو البقرة تكون واجبة أو تكون مندوبة؟على الخلاف في هذه المسألة-فهل يعطى هذا القدر الزائد عن السبع حكم السبع أو يكون واجباً بوجوب أصله أو يكون مندوباً ويأخذ حكم المندوب على هذا-على كل حال هذا مبني على الخلاف في المسألة.
    هناك أمثلة كثيرة :منها مثلاً: قالوا لو حلق الحاج أو المعتمر جميع رأسه في النسك فهل يأخذ الجميع حكم الأصل فيكون واجباً فيعطى القدر الزائد من الشعر المحلوق على أقل الواجب حكم الأصل الواجب أو يأخذ حكم المندوب هذا مبني على الخلاف في المسألة ولكن الحقيقة أن الخلاف في المسألة ينبني على قضية هل يثاب على هذه الزيادة ثواب الواجب أو يثاب عليها ثواب الندب-وهنا حقيقة يضيق دائرة الخلاف-ويعود الخلاف إلى أن يكون خلافاً في الواقع تضعف ثمرته-لأن الذين قالوا بأن من يعطى القدر الزائد حكم الواجب فيأخذ حكم أصله، هؤلاء يقصدون أنه يأخذ حكمه من حيث الثواب، ومن يقولون بأنه يأخذ قدره أو يأخذ القدر الزائد حكم المندوب فيقولون : أنه يثاب على هذه الزيادة ثواب المندوب وإذا رجع الأمر إلى الثواب, فنحن نعلم أن الثواب أمره إلى الله تعالى وهو أمر مغيب عنا لأنه يخضع لأمور وشروط أخرى مثل قضية إخلاص النية, فقد يكون الفاعل للمندوب ثوابه أكثر من فاعل الواجب بحسب إخلاص نيته وحسب قوة تعبده بهذه العبادة لله تعالى فيخضع هذا الثواب لأمور أخرى لا نستطيع الحكم بها لأنها من الأمور المغيبة عنا، فثمرة الخلاف إذا اتجهت إلى قضية بيان الثواب في هذه المسألة فإن في الحقيقة تضعف ثمرة الخلاف في هذه المسألة، هذا ما يتعلق بهذه المسألة .

    • العلماء يذكرون في ختام الكلام عن هذه المسألة يعني مسائل أخرى متعلقة بوجه الشبه بين مسألة: وهي مسألة الزيادة على أقل الواجب- ومسألة ما لا يتم الواجب إلا به –وهي المسألة التي سبق الكلام عنها فبعضهم يقول إن بينهما شبهاً من جهة أن مسألة ما لا يتم الواجب إلا به ,تُعدُّ مقدمةً للواجب-وأما هنا وهي مسألة الزيادة على أقل الواجب,فهي تعتبر تابعة للواجب ومتصلة به من آخره- بخلاف مسألة ما لا يتم الواجب إلا به,فتكون هذه مقدمة-وهذه (المسألة التي معنا)تالية للواجب.

    ومسألة ما لا يتم الواجب إلا به اختلف العلماء في صلة مسألة الزيادة على أقل الواجب بمسألة ما لا يتم الواجب إلا به, فالذي يشير إليه ابن قدامة, أو فعل ابن قدامة رحمه الله في كتابه روضة الناظر
    أنه ذكر مسألة الزيادة على أقل الواجب ,بعد مسألة ما لا يتم الواجب إلا به وكذلك فعل الرازي في المحصول والبيضاوي في المنهاج-وبعضهم يقول :إن فعل هؤلاء العلماء يدل على أن مسألة الزيادة على أقل الواجب متفرعة عن مسألة ما لا يتم الواجب إلا به –ووجه التفريع عندهم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لها منطوق ومفهوم فمنطوقها وجوب ما لا يتم الواجب إلا به أو كما قلنا : وجوب مقدمة الواجب-ومفهومها : عدم وجوب ما يتم الواجب بدونه أو عدم وجوب ما لم يكن مقدمةً للواجب وحيث أن الزائد على الواجب الذي لا يتقدر بقدر أو من قبيل الواجب غير المحدد لا يتوقف عليه الواجب ويتم الواجب بدونه من حيث أصل وجوبه, فإنه لا يكون واجباً-هذا من يقول بأنه تتفرع المسألة على مسألة مالا يتم الواجب إلا به وهو محتمل في فعل ابن قدامة لكن حقيقة عندما ننظر إلى أن ابن قدامة قد تابع الغزالي في منهجه أو تأليفه للمستصفى وكأن الروضة أخذت جملة مسائلها من المستصفى للغزالي فإنا نجد أن الغزالي لا يجعل هناك علاقة بين مسألة مالا يتم الواجب إلا به ومسألة الزيادة على أقل الواجب فيجعل المسألة مستقلة تماماً عنها ولا يجعل بين المسألتين صلة خاصة كما قلنا أن الروضة هي امتداد أو تلخيص لما ورد في المستصفى, فيحصل من ذلك إذاً أنّ: مسألة الزيادة على أقل الواجب, هناك من ذكر أنها مفرعة على مسألة أقل الواجب ,ولكن في تفريعها في ذلك نظر بل تقريباً بين المسألتين فرق –فهذه متعلقة بمقدمة الواجب وأوله وهذه متعلقة بآخر الواجب ومتصلة بنهايته .

    وبنهاية الكلام على هذه المسألة نختم الكلام في هذه الحلقة وهي متعلقة بتقسيم الواجب باعتبار تحديده
    تكلمنا عن أقسام الواجب باعتبار تحديده : وهو واجب محدد وواجب غير محدد-ثم تكلمنا عن مسألة : الزيادة على أقل الواجب-والمراد بها-وخلاف العلماء فيها وتحرير محل النزاع فيها والخلاف فيها وأمثلتها وصلتها بمسألة مالا يتم الواجب إلا به-نسأل الله تعالى التوفيق والسداد وصلى اللهم على محمد وآله وصحبه أجمعين .


    لا يزال الحديث موصولاً عن القسم الأول من أقسام الحكم التكليفي
    وهو: الواجب وكنا قد تحدثنا سابقاً عن شيء من تقسيمات الواجب فتحدثنا عن تقسيمه باعتبار ذاته وعن تقسيمه باعتبار وقته وعن تقسيمه باعتبار تحديده، وموضوع هذه الحلقة ينصرف إلى الكلام عن تقسيم الواجب باعتبار المكلف به، أو تقسيم الواجب باعتبار المطالب به ويكون الحديث هنا عن أقسام الواجب، وذكر هذه الأقسام –وتعريف كل قسم وأمثلتها- والمقارنة بينها-ثم نتكلم أيضاً عن هذا التقسيم تحديداً

    س137- أذكر تقسيم الواجب؟
    ج137- واجب عيني وواجب كفائي
    ولذلك سيكون الكلام عن مسألة تحول الواجب الكفائي إلى واجب عيني، ثم يكون الكلام عن المفاضلة بين فرض الكفاية وفرض العين، ثم يكون الكلام أيضاً عن مسألة المخاطب بفرض الكفاية.

    فأما تقسيم الواجب باعتبار المكلف به أو المطالب به
    س138- فإن الواجب باعتبار المطالب به ينقسم إلى قسمين؟
    ج138- واجب عيني وواجبٌ كفائي
    أو كما يعبر عنه به بعضهم : بفرض العين وفرض الكفاية

    س139- عرف فرض العين أو الواجب العيني؟
    ج139- هو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً من كل واحدٍ من المكلفين ، يعني بعينه.

    س----- ما حكم الواجب العيني؟
    ج----- :أنه يلزم من كل واحدٍ من المكلفين أن يأتي به بعينه ولا تبرأ ذمته إلا بفعله-يجب على كل واحد من المكلفين أن يفعله بعينه ولا تبرأ ذمته إلا بفعله.
    س140- عرف فرض الكفاية أو الواجب الكفائي؟
    ج140- ما طلب الشارع حصوله طلباً جازماً من مجموع المكلفين بحيث إذا قام به بعضهم سقط الطلب عن الباقين
    وبناءً على هذا التعريف-فمثلاً: من أمثلة الواجب العيني-الأمثلة كثيرة-فكثير من الواجبات تنصرف إلى هذا :مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج –هذه كلها من قبيل الواجبات العينية لأنه مأمور بها كل شخص ٍبعينه-كل مكلف بعينه.
    والواجب الكفائي –أو فرض الكفاية مثلاً :الجهاد في سبيل الله إذا لم يكن النفير عاماً-
    -يعني :أصل الجهاد في سبيل الله فرض كفاية-الصلاة على الميت وتغسيله وتكفينه,هذا من قبيل فرض الكفاية أو الواجب الكفائي, رد السلام وإنقاذ الغريق , فهذا من قبيل أيضاً الواجب الكفائي –سمي الواجب الكفائي بذلك لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط ,حيث أن فعله من أي فاعل ٍيسقط طلبه عن الآخرين

    س------ ما حكم الواجب الكفائي وفرض الكفاية؟
    ج------- فإنه يجب على مجموع المكلفين وإذا قام به من يكفي منهم سقط عن الباقين ,وإذا لم يؤده أحدٌ منهم أثم الجميع .

    س141- ما المقصود بالواجب الكفائي؟
    ج141- فإذاً الحقيقة أن الواجب الكفائي المقصود منه هو وقوع الفعل نفسه وليس قيام الناس به.
    إنما المقصود أن يقع هذا الفعل لما يترتب عليه من جلب مصلحة أو وذلك, علل؟
    لأن الأمة بمجموع أفرادها مطالبة بالسعي دفع مفسدة بقطع النظر عمّن يقع منه، لتحقيق هذا الواجب الكفائي فيها, فالقادر بنفسه وماله على أداء الواجب الكفائي عليه أن يقوم به وغير القادر على أدائه بنفسه أو ماله عليه أن يحث القادر ويحمله على القيام به

    فإذا أُدي الواجب سقط الإثم عنهم جميعاً وإذا أهمل من قبلهم جميعاً أثموا جميعاً , فيأثم القادرون لإهمالهم واجباً قدروا على أدائه ,ويأثم غيرهم لإهمالهم حث القادرين وحملهم على القيام به وهذا هو مقتضى التضامن في أداء الواجب، فلو رأى جماعة غريقا يستغيث وفيهم من يحسن السباحة ويقدر على إنقاذه، فالواجب على من يحسن السباحة أن يبذل جهده في إنقاذه ,وإذا لم يبادر إلى ذلك من تلقاء نفسه، فعلى الآخرين حمله على أداء واجبه ,فإذا أدّى الواجب فلا إثم على أحد وإذا أهمله الجميع أثموا جميعاً-وفي توضيح هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي: (إنّ القيام بذلك الفرض-يعني فرض الكفاية- قيامٌ بمصلحة ٍ عامة هم مطلوبون بسدها على الجملة فبعضهم قادرٌ عليها مباشرة ً وذلك من كان أهلاً له والباقون وإن لم يقدروا عليها,قادرون على إقامة القادرين فمن كان قادراً على الولاية فهو مطلوب ٌ بإقامتها –ومن لا يقدر عليها مطلوبٌ بأمرٍ آخر هو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها-فالقادر إذاً مطلوبٌ بإقامة الفرض وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر,إذ لا يتوصل القادر إلى القيام إلا بالإقامة من باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ا.هـ.

    فهو يشير بهذا إلى الأمر بالواجب الكفائي-ثم إلى كيفية توجه الأمر في الواجب الكفائي.

    إذاً تقرر عندنا تعريف الواجب الكفائي والواجب العيني –وتقرر عندنا أمثلة كل منهما-وحكم كل منهما, حكم الواجب العيني والواجب الكفائي أو فرض العين وفرض الكفاية-فإنه حينئذ ٍ يحسن أن نعقد مقارنة بين الواجب العيني والواجب الكفائي –أو فرض العين وفرض الكفاية ؛

    س142- من الفروق بين هذين القسمين؟
    ج142- 01أن الواجب العيني يتوجه الخطاب فيه إلى كل مكلف بعينه أما الواجب الكفائي فإن الخطاب يتوجه إلى جماعة المكلفين .
    02أن الواجب العيني يتوقف سقوط وجوبه على أدائه من كل مكلف بعينه ,أما الواجب الكفائي فيسقط وجوبه بمجرد حصول المقصود منه وتحقق الكفاية من القيام به ولو قام به أفرادٌ قليلون.
    03 أن الواجب العيني يقتصر الإثم في تركه على تاركه فقط كما يقتصر ثواب فاعله فقط أما الواجب الكفائي فيشمل الإثم بتركه جميع المتمكنين من أدائه أو تحقيق وجوده كما يشمل ثواب عمله جميع القائمين به والساعين لأجله ولو كان الأداء من بعضهم, لأن الدال على الخير والمساعد على تحقيقه كفاعله .
    04 أن الواجب العيني ثابت لا يتحول إلى واجب كفائي أما الواجب الكفائي فيتحول بحسب تحقق الكفاية منه وعدمها فقد يصبح في بعض الأحوال واجباً عينياً كما سيأتي الكلام عن ذلك.
    05 أن الواجب العيني تتكرر مصلحته بتكرر وجوبه ,كأداء الصلوات وملازمة الصدق فإنّ المصلحة في ذلك متكررة -أما الواجب الكفائي فلا تتكرر فيه المصلحة بتكرر وجوده لذلك اكتفي بمجرد حصولها دون طلبها من كل فرد فإنقاذ الغريق وغسل الميت وغير ذلك – أمور لا تتكرر مصلحتها بعد وجودها وتحققها

    س143- ولذلك فإن من المزايا التي يذكرها العلماء في فرض الكفاية جملة من المزايا يذكرها العلماء لفرض الكفاية منها؟ أذكرها؟
    ج143- 01أن فيها مصلحة شرعية أو هو وسيلة لمصلحة شرعية (مثال المصلحة الشرعية: مثلاً ضبط علم أصول الفقه وفروعه مثلا ًومناظرة الملحدين والطاعنين في الدين في الشرع وضبط أصول الدين وتعليم القرآن والفروع الشرعية للطلاب ومثلا تعليم النحو واللغة وكل ما يتعلق بالكتاب والسنة-فهذه مصالح شرعية هي من قبيل فروض الكفايات-وقد يكون الفرض الكفائي من قبيل الوسيلة إلى المصلحة الشرعية فمثلاً الصنائع والحرف التي لا يستغني عنها الناس يجب أن تخرج لكل حرفة طائفة من الناس فإذا كان لهم في ذلك نية حسنة أثيبوا عليها ثواب الواجب وإن لم يكن لهم نية فلا ثواب لهم وليس كل واجب يثاب عليه .
    02ومن أيضاً صفات ومزايا فرض الكفاية أو من الأمور التي تميزه عن غيره :
    -أنه لا تتكرر مصلحته بتكرر وجوده بخلاف الواجب العيني كما مرّ بنا في الفروق بينهما.
    -مثل إنقاذ الغريق إذا رفعه واحد من البحر ثم نزل آخر بعده لم يحصل بنزوله مصلحة-وكذلك إطعام الجوعان وإكساء العريان فهذه ونحوها يجب على الكفاية ويسقط عن الآخرين نفياً للتعب عنهم فلا تتكرر المصلحة فإذا شخص مثلاً: كسا عارياً أو أطعم جوعاناً فإنه بهذه الحالة تتحقق المصلحة من ذلك ولا تتكرر المصلحة إذا جاءه شخصٌ آخر وأعطاه أيضاً كسوة ًأخرى أ وأطعم الجائع طعاماً آخر فإن هنا المصلحة لا تتكرر بتكرر وجود فرض الكفاية بل تحققت بمجرد فعل شخص واحد من المكلفين
    هذا فيما يتعلق بتقسيم الواجب باعتبار المطلوب-وأيضاً تعريف كل قسم وأمثلة كل قسم-والمقارنة بين هذين القسمين .

    س144- تحدث عن تحول الواجب الكفائي إلى واجب عيني؟
    ج144- طبعاً الواجب الكفائي قد يتحول إلى واجب عيني-نحن عرفنا أن الواجب الكفائي
    هو :يعني :يقع الفعل من شخص ويكفي وقوعه عن الجميع ,فيكون الفعل الواقع –فيه جلب مصلحة أو دفع مفسدة دون النظر إلى فاعله-لكن قد تطرأ بعض
    الأحوال التي تجعل الواجب الكفائي واجباً عينياً ويذكر العلماء لهذا عدة صور منها مثلاً:
    أن فرض الكفاية أو الواجب الكفائي يأخذ حكم فرض العين –قد يتحول إلى واجب عيني في حال الشروع فيه,فإذا شرع شخص في واجب ٍ كفائي فإنه يكون بهذه الصورة عند بعض العلماء,يلزم الإتمام فيكون بهذه الحالة واجباً عينياً ومثلوا لذلك مثلاً:بالجهاد وصلاة الجنازة ونحو ذلك-فمن شرع في الجهاد وهو في أصله واجب كفائي, فإنه يتعين عليه إتمام الجهاد في هذه الحالة فيكون في هذه الحالة واجباً عينياً بدل أن كان واجباً كفائياً-وكذلك صلاة الجنازة ,فمن شرع في صلاة الجنازة ,وهي في الأصل واجب كفائي فإنه يتعين عليه إتمامها لأنه في هذه الحالة تكون واجباً كفائياً كما قلت عند جماعة من العلماء .

    س145- من الحالات أيضاً التي يكون الواجب الكفائي فيها واجباً عينياً, أذكر واحدة من هذه الحالات؟
    ج145-في حال أمر الإمام به,فإذا أمر الإمام بفعل واجب كفائي على شخص فإنه في هذه الحالة يتعيّن القيام به-فمثلاً :إذا أمر الإمام مثلا بإقامة الجهاد فإنه في هذه الحالة يكون واجباً عينياً ويتعين الجهاد مثلاً من الجميع بأمر الإمام-والجهاد في الأصل فرض كفاية .

    س146- أيضاً من حالات فرض الكفاية التي يتحول فيها الواجب الكفائي إلى واجب عيني, أذكر واحدة من هذه الحالات؟
    ج146- إذا لم يوجد إلا من يقوم بهذا الواجب، يعني:عندنا واجب كفائي ولا يوجد إلا شخص واحد يمكن أن يقوم بهذا الواجب فإنه في هذه الحالة يتعين عليه القيام بهذا الواجب .
    فمثلاً :إذا شهد الغريق الذي يستغيث شخص واحد يحسن السباحة أو لم يشهد الحادثة إلا شخص واحد ودعي إلى حادثة من الحوادث –يعني شهدها شخص حادثة من الحوادث ودعي إلى الشهادة أو لم يوجد في البلد إلا طبيب واحد واحتاج الناس فيه إلى العلاج –فإن هذه في أصلها واجبات كفائية-بمعنى أنه يجب على مجموع المكلفين القيام بها ويسقط بفعل بعضهم لكن في هذه الحالة لا يوجد إلا شخص واحد يمكن أن يقوم بهذا الواجب

    ففي هذه الحالة يتعين الواجب ويكون واجباً عينياً بدل أن كان واجباً كفائياً ويمثل العلماء لهذا بعدة أمثلة:مثلاً : -كما قلنا صلاة الجنازة في أصلها فرض كفاية فإذا شرع فيها شخص فإنه يجب عليه إتمامها وتكون في هذه الحالة من قبيل الواجب الكفائي الذي تعين وصار واجباً عينياً بالشروع فيه بعد أن شرع فيه الشخص-أيضاً :الجهاد في أصله فرض كفاية فإذا حضر شخص صفّ القتال أو دعاه الإمام إلى القتال أو حصر بلده عدو فإنه في هذه الحالة يتعين عليه الجهاد ويكون بدل أن يكون واجباً كفائياً يكون واجباً عينياً-فينقلب الواجب الكفائي ليكون واجباً عينياً

    -وهذا له عدة أسباب كما قلنا:أنه حضر الصف أو دعاه الإمام أو حصر بلده عدو .
    -أيضاً تولي القضاء والإفتاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ,هذه في الأصل كلها فروض كفايات يعني من قبيل الواجبات الكفائية ,إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين
    -لكن لو عيّن الإمام من هو أهلٌ للقضاء أو الإفتاء فإنه في هذه الحالة يجب عليه القيام بهذا الواجب بل إن هناك من قال أنه يجبر على أن يتولى هذا المنصب لأنه صار واجباً عينياً بأمر الإمام له أو بتعيين الإمام له .
    -أيضاً:تحمّل الشهادة في الأصل فرض كفاية لكن إذا حضر الحادثة شخص واحد أو شاهد واحد فإنه في هذه الحالة يتعين عليه أداء الشهادة ويصبح الواجب واجباً عينياً بدل أن كان في الأصل واجباً كفائياً


    س147- مثل في تحول الواجب الكفائي إلى واجب عيني؟
    ج147- الاشتغال بعلوم الشريعة ,هو في الأصل واجب كفائي أو فرض كفاية ولكن لو وجد من المسلمين من جاد حفظه وحسنت سيرته وفهمه وطابت سريرته فإنه يتعين عليه وجوباً عينياً أن يتصدى لعلوم الشريعة لضبطها وتأديتها إلى من يبتغيها(هذه مسألة تحول الواجب الكفائي إلى واجب عيني) فحصل بذلك أن الواجب الكفائي-أو فرض الكفاية قد يتحول ويكون واجباً عينياً من خلال هذه الصور التي ذكرناها ومن خلال الأمثلة التي بيناها

    س148- مسألة:المفاضلة بين فرض العين وفرض الكفاية-هل فرض العين أو الواجب العيني أفضل أو أن فرض الكفاية أفضل؟
    ج148- اختلف العلماء في هذا الأمر:
    فهناك من يقول : أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية- وعللوا لهذا :بأن فرض العين مفروض حقاً للنفس فهو أهم عندها من فرض الكفاية وأكثر مشقة بخلاف فرض الكفاية فإنه مفروض حقاً للجميع أو لكافة المكلفين-والأمر إذا عمّ خفّ-وإذا خصّ ثقل-فهذا وجهة نظر من يقول :أن فرض العين أفضل من فرض الكفاية هناك في المقابل من العلماء من يقول : إنّ فرض الكفاية أفضل من فرض العين ودليل المذهب الثاني-وهذا المذهب ذهب إليه أبو محمد الجويني ونُسب إلى الإمام الشافعي ودليل هذا القول :أن فاعل فرض الكفاية يسقط الفرض عن نفسه وعن غيره-فهو أكثر في الأجر أما في الفرض العين فإنه يسقط الفرض عن نفسه فقط ويجاب عن هذا:
    -بأن هذا ليس بصحيح لأن القيام بفرض العين أكثر في الأجر والثواب لأنه أشق من فرض الكفاية والأجر على قدر المشقة إذا وقعت في طريق العمل ولم تكن مقصودة ابتداءً –وأما نسبة هذا القول للإمام الشافعي فحقيقة ليست بصحيحة, فإنّ الشافعي مع أصحاب القول الأول القائلين بأن فرض العين أفضل من فرض الكفاية-ويدل على هذا قول الإمام الشافعي في كتابه الأم"قطع الطواف المفروض لصلاة الجنازة أو الرواتب مكروه إذ لا يحسن ترك العين لفرض الكفاية"
    -ويقول الغزالي في كتابه :إحياء علوم الدين مؤيداً المذهب الأول"أن من عليه فرض عين ٍفاشتغل بفرض كفاية وزعم أن مقصوده الحق فهو كذاب ٌ ومثاله من ترك الصلاة واشتغل في تحصيل الثياب ونسجها قصداً لستر العورات"
    أن فرض العين فيتحصل من ذلك أن الراجح والله تعالى أعلم: أفضل من فرض الكفاية وهو قول الجمهور في هذه المسألة .

    س149- مسألة نختم بها على مسائل هذا التقسيم وهي : مسألة المخاطب بفرض الكفاية:-يعني : من هو المخاطب بفرض الكفاية ؟
    المخاطب كما سيأتي خلاف في هذا الأمر فالعلماء اختلفوا في المخاطب بفرض الكفاية هل المخاطب بفرض الكفاية جميع المكلفين أو هو موجه الخطاب إلى لبعض ٍ منهم؟
    نحن نعلم أن فرض الكفاية هو خطاب موجه –أو أصل التكليف لجميع المكلفين ويسقط بفعل بعضهم هنا حصل خلاف-هل أصل الخطاب الموجه خطاب للجميع اختلف العلماء فيه ثم يسقط بفعل بعضهم أو هو خطاب موجه لذلك البعض الذي يسقط بفعلهم؟ هذه المسألة على أقوال أشهرها أو أقواها قولان:
    ج149-القول الأول: -أن الخطاب في الواجب الكفائي موجه إلى جميع المكلفين وفعل بعضهم لهذا الواجب يسقط الطلب عنهم وعن غيرهم -وفي هذا يقول الشافعي في الأم :" حق على الناس غسل الميت والصلاة عليه ودفنه ولا يسع عامتهم تركه وإذا قام به من فيه كفاية أجزأ عنهم –ويقول أيضاً"إن الواجب الكفائي مطلوب على العموم ومرادٌ به الخصوص".
    -ويقول الإمام أحمد في هذا السياق أيضاً:"الغزو واجب على الناس كلهم ,فإذا غزا بعضهم أجزأ عنهم"-هذا هو القول الأول-وهذا القول هو قول الجمهور في هذه المسألة.

    القول الثاني وأصحاب القول الثاني:القائلون بأن الخطاب في الواجب الكفائي موجهٌ إلى بعض ٍ غير معين فيكون فعل بعضهم لهذا الواجب مسقطاً للطلب عنهم بحيث لا يتوجه الخطاب أصلاً إلى غيرهم في الأصل استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها :.
    الدليل الأول:أن سقوط الواجب الكفائي بفعل بعض المكلفين دليلٌ على توجيه الخطاب فيه إلى بعض المكلفين لا إلى كلهم-لأن الأصل :عدم سقوط الشيء إلا بفعل من وجب عليه ومادام الاتفاق على سقوطه بفعل بعض المكلفين فيكون الواجب موجهاً إلى هؤلاء فقط .
    الدليل الثاني : قياس الإبهام في المكلف على الإبهام في المكلف به، فيقولون :كما جاز التكليف بأمر مبهم كما مرّ معنا في الواجب المخير-جاز تكليف بعض المبهم من الجماعة لحصول المصلحة المطلوبة بذلك-يقولون :إذا جاز التكليف بأمر مبهم ,جاز تكليف بعضٍ مبهم من الجماعة لحصول المصلحة المطلوبة بذلك .
    ولهم دليل ثالث: استدلوا بآيات ٍ تفيد الوجوب-وجوب الخطاب إلى بعض المبهم عندهم -كما في قوله تعالى:{فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة}"وجه الاستدلال : {ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} فقالوا إن الخطاب في هذه الآية إلى بعض المبهم وهم طائفة من كل فرقة للخروج إلى التفقه أو إلى الجهاد مع أن كل من التفقه والجهاد واجب كفائي فكان التوجيه في الواجب الكفائي إلى بعض مبهم وليس إلى جميع المكلفين.

    س---- ما القول الراجح لهذه المسألة؟
    ج----- والذي يترجح والله أعلم هنا هو القول الأول : وهو قول الجمهور القائلين:بأن الخطاب في الواجب الكفائي موجه إلى جميع المكلفين ويسقط بفعل بعض ٍ منهم ،

    س150- يمكن الجواب عن أدلة القول الثاني القائلين بأن الخطاب في الواجب الكفائي موجه إلى بعضٍ مبهم بعدة أجوبة منها:مثلاً :
    ج150- الدليل الأول: يجاب عنه بأن سقوط الواجب عن الجميع بفعل بعضهم لا لأنه مطلوب من هؤلاء فقط, بل لأن الغاية المقصودة من وراء هذا الواجب قد تمت وحصلت بفعلهم وبقاء الواجب على الباقين بعد حصول المصلحة من هذا الواجب يصبح تكليفاً بما لا طائل وراءه وتحصيلا للحاصل.
    ويجاب عن الدليل الثاني : بأن قياس الإبهام في المكلف على جواز الإبهام في المكلف به قياس في مقابلة النصوص الواردة بخلاف ذلك فإن هذه النصوص وردت بتكليف الجميع كما مر معنا في دليل الجمهور في الدليل الأول .
    وأجابوا عن دليلهم الثالث: في الاستدلال بالآية الواردة في قوله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} بأنه ليس فيها ما يدل على وجوب خروج بعضهم إنما فيها تحريض على خروج بعضهم لتحصل لهم فائدة التفقه إذا تقرر هذا،


    س151- فهل الخلاف هنا له ثمرة بين الجمهور القائلين بأن الوجوب حقيقة قد يكون هناك موجه إلى الجميع وبين القائلين بأن الوجوب موجه إلى بعض ٍ مبهم؟
    ج151- هنا أثر فقهي مترتب على هذين القولين وخلاصته :أن من ظن أو علم أن غيره قد فعل الواجب الكفائي فإنه يسقط عنه الطلب على رأي الجمهور ولا يتوجه إليه الخطاب على الرأي الثاني , ومن علم أو ظن أن غيره لم يقم بالفعل توجه إليه الخطاب على الرأي الثاني ووجب عليه الفعل على الرأي الأول لتعلق الخطاب به قبل ذلك ويظهر هذا الأثر في المثال التالي: -من علم بوجود ميت مثلاً وشك هل قام غيره بما يلزم له من غسل وتكفين ودفن ...الخ أو لم يقم أحد بذلك؟
    فعلى مذهب الجمهور :يجب على هذا الشخص السعي لتبين حقيقة الأمر ولا يسقط عنه الطلب بهذا الشك لأن الطلب متعلق به على سبيل التحقيق والوجوب المحقق لا يسقط بالشك-لأن الخطاب عندهم متوجه إلى الجميع
    أما على المذهب أو القول الثاني :فلا يجب عليه السعي للتحقق من الأمر لعدم توجيه الخطاب إليه والأصل عدم تعلقه به في هذا الأمر .

    هذا مثال يتضح به ثمرة الخلاف في هذه المسألة وهي ثمرة على كل حال ملتمسة في هذا المقام قد تكون قابلة للصواب وقد تكون أيضاً قابلة للنظر.
    وبختام الكلام على هذه المسألة: وهي مسألة توجه الخطاب في الواجب الكفائي، نختم الكلام أيضاً على مسألة تقسيم الواجب باعتبار المكلف به ، وبختامه أيضاً يكون ختام الكلام على الحلقة الرابعة عشرة في هذا المنهج-نسأل الله تعالى التوفيق والسداد ، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.


    ولازال الحديث موصولا في هذه الحلقات عن القسم الأول من أقسام الحكم التكليفي وهو الواجب وفي هذه الحلقة يكون ختام الكلام عن هذا القسم بمشيئة الله تعالى ولهذا سيكون موضوع الحلقة خاتمة الكلام على الواجب.
    وخاتمة الكلام تتضمن الكلام على مسألتين :
    المسألة الأولى: مقارنه بين أقسام الواجب باعتباراته المختلفة التي سبق الكلام عنها.
    المسألة الثانية: مسألة إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز وهذه المسألة سنتكلم فيها عن المراد بالنسخ والمراد بالجواز وأقوال العلماء في هذه المسألة وبيان حقيقة الخلاف وثمرته.

    س152- تكلم عن المسألة الأولى؟
    ج152- وهي مسألة المقارنة بين أقسام الواجب باعتباراته المختلفة فإننا كما مر معنا في ما تقدم من حلقات الكلام على أقسام الواجب وقد يبدو للسامع من أول وهلة أن هناك تشابهاً وتداخلا بين أقسام الواجب فقد مر مثلا تقسيم الواجب باعتبار وقته أو باعتبار ذاته إلى واجب معين و واجب مخير أو مبهم ومر معنا تقسيم الواجب باعتبار وقته إلى مطلق ومؤقت والمؤقت أيضا ًقسمناه إلى موسع والى مضيق وذو شبهين وكذلك مر علينا تقسيم الواجب باعتبار تحديده إلى واجب محدد وواجب غير محدد ومر معنا أيضا تقسيم الواجب باعتبار المكلف به أو المطالب به وقسمناه إلى واجب عيني أو فرض عين وواجب كفاية أو فرض كفاية وهنا قد تلتبس هذه الأقسام وقد تتداخل لدى القارئ أو
    السامع وحينئذ نحتاج الوقوف على هذه الأقسام وإجراء شي من المقارنة بينها فمثلا مر معنا في أحد التقسيمات
    تقسيم الواجب باعتبار تحديده إلى واجب غير محدد
    وواجب محدد ومر معنا مثلا في تقسيم الواجب باعتبار ذاته إلى واجب معين
    وواجب مبهم
    وهنا يقع التشابه بين مثلاً الواجب المحدد والواجب المعين ويقع بين الواجب غير المحدد والواجب المخير أو الواجب المبهم مع إن التقسيم باعتبارات مختلفة

    س153- وحينئذ يمكن أن نقول في الفرق بين الواجب المحدد والواجب المعين ، وبين الواجب غير المحدد والواجب المخير أو المبهم أن يكون على النحو التالي:
    ج153- إن الواجب المعين إنما كان التعيين يعني بالفرق بينه وبين الواجب المحدد أن
    الواجب المعين إنما كان التعيين فيه لنوعه خلافا ًللواجب المحدد فإن التحديد فيه يتناول أجزاءه ومقاديره ولهذا تشابهت أمثلة النوعين فالصلاة والزكاة وغيرهما تضرب أمثله لكل من الواجب المعين والواجب المحدد في آن واحد وكذلك الواجب المخير والواجب غير المحدد فهناك تشابه بينهما

    وفي الفرق بينهما نقول إن الواجب المخير إنما يكون التخيير فيه في فعل شيء مبهم من أمور متعددة محصورة.أما في الواجب غير المحدد فإن المأمور به معين محصور إلا أن التخيير والتقدير فيه راجع إلى المكلف أو إلى القضاء بحسب الأوضاع والأحوال المختلفة ولعل مثل هذا التشابه بين الواجبات المحددة والواجبات المعينة وبين الواجبات غير المحددة والواجبات المخيرة أو المبهمة جعل هذا التشابه كثيرا من الأصوليين يعرضون عن تقسيم الواجب باعتبار تحديده فجملة من الأصوليين أو كثير من الأصوليين حقيقة لم يعرضوا لتقسيم الواجب باعتبار تحديده إلى واجب محدد والى واجب غير محدد وإنما قصروا كلامهم فقط على مسألة الزيادة على أقل الواجب التي هي من آثار هذا التقسيم كما فعل ابن قدامه رحمه الله في هذا الجانب فتشابه أمثلة هذين التقسيمين جعل كثيرا من الأصوليين يعرضون عن الحديث عن تقسيم الواجب باعتبار تحديده إلى واجب محدد وإلى واجب غير محدد ولا نجد في كتبهم شيئا أو كلاماً عن شيء من هذا التقسيم ويكتفون فقط بالكلام عن التقسيم الأول وهو تقسيم الواجب باعتبار ذاته ويفردون الحديث عنه إلى واجب معين والى واجب مخير فقط بحجة أن التقسيم الواجب إلى معين ومخير ومبهم يغني عن تقسيم الواجب إلى محدد وغير محدد ولكن ذكرنا أن بين الواجب المعين والواجب المحدد فرق وبين الواجب غير المحدد والواجب المخير والمبهم فرق فلذلك يسوغ حقيقة ذكر هذا التقسيم إفرادا خاصة وأن تقسيم الواجب إلى محدد وواجب غير محدد له أثره من خلال كلامهم على مسألة الزيادة على أقل الواجب فمن يريد الكلام على هذي المسألة وهي مسألة الزيادة على أقل الواجب لابد أن يمهد قبل ذلك بالكلام على مسألة تقسيم الواجب إلى محدد وغير محدد هذا فيما يتعلق في وجوه التشابه بين تقسيم الواجب باعتبار ذاته إلى معين ومخير ومبهم وإلى تقسيم الواجب باعتبار تحديده وعدم تحديده إلى واجب محدد والى واجب غير محدد.

    من جهة أخرى نجد هناك تشابها بين الواجب المخير والواجب الموسع
    وبين الواجب المعين والواجب المضيق وبعبارة أعم نجد هناك تشابها بين تقسيم الواجب باعتبار ذاته وبين تقسيم الواجب باعتبار وقته.فالواجب المخير له شبه بالواجب الموسع والواجب المعين له شبه بالواجب المضيق نأتي إلى التشابه بينهما مثلا الواجب المخير والواجب الموسع الشبه بينهما أن الواجب المخير يتخير المكلف بين الأشياء المأمور بها وكذلك في الواجب الموسع فأن المكلف يتخير بين أجزاء الوقت الذي يؤديه فيه وذلك من قبيل باب التيسير على المكلفين سواء في الواجب المخير هناك تيسير بين الأشياء المكلف بها التي يريد فعلها وإسقاط الواجب بها وكذلك في الواجب الموسع هناك تخيير في أجزاء الوقت ومن جهة أخرى الواجب المعين شبيه بالواجب المضيق ووجه الشبه بينهما من جهة عدم التخيير في كل منهما لا من جهة الوقت ولا من جهة النوع فليس في أي منهما تخيير وإن كان الواجب المعين يفترق عن الواجب المضيق بأن التعيين فيه يرجع إلى المأمور به بينما يرجع التضييق في الواجب المضيق إلى الوقت الذي يقع فيه المأمور به فهذا تقريبا فرق بين الواجب المعين والواجب المضيق فالواجب المعين التعيين فيه يرجع إلى المأمور به والواجب المضيق يرجع التضييق فيه إلى الوقت الذي يقع فيه المأمور به فهذا فرق بين هذين النوعين هذا من جهة وجوه التشابه بين الواجب المعين والواجب المضيق وبين الواجب الموسع والواجب المخير يعني تشابه بين تقسيم الواجب باعتبار ذاته وتقسيم الواجب باعتبار وقته أيضا هناك من جهة أخرى تشابه بين تقسيم الواجب باعتبار ذاته وبين تقسيم الواجب باعتبار المكلف به فنحن قلنا تقسيم الواجب باعتبار ذاته ينقسم إلى واجب معين أو إلى واجب مخير أو إلى واجب مبهم وباعتبار المكلف به ينقسم إلى واجب كفائي والى واجب عيني ومن هنا وجد تشابه بين الواجب المخير وبين الواجب الكفائي ووجد تشابه بين تقسيم الواجب المعين وهو من قبيل أقسام الواجب باعتبار ذاته وبين الواجب العيني وهو من قبيل أقسام الواجب باعتبار المكلف به نأتي إلى وجه التشابه بين هذه الأقسام.

    وجه التشابه بين الواجب المخير والواجب الكفائي
    إن الواجب الكفائي ليس فيه تعيين للمكلف بعينه وكذلك الواجب المخير ليس فيه تعيين للواجب بعينه وكلا الأمرين والأمر فيهما من باب التيسير إذ إن المقصود في الواجب الكفائي إيقاع المأمور به من أي شخص كان والمقصود في الواجب المخير إيقاع أي واحد من الخصال دون تعيين لواحد بعينه فهذا وجه التشابه بين الواجب الكفائي والواجب المخير ومن جهة أخرى هناك تشابه بين الواجب العيني والواجب المعين من قبيل تقسيم الواجب باعتبار ذاته الواجب العيني هو تقسيم الواجب باعتبار المكلف به ووجه التشابه بينهما أن التعيين أو من جهة وجود التعيين في كل منهما إلا أن هناك فرق من حيث التعيين فالتعيين في الواجب العيني إنما يكون بالنسبة إلى المكلف المأمور بالعمل خلاف للواجب المعين فان التعيين فيه إنما يرجع إلى الفعل الذي أمر به المكلف من خلال هذه الموازنات التي تكلمنا عنها وأوجه الشبه بين هذه الواجبات التي قد تظهر تبدو للسامع والقارئ وإنما عقدناها لأجل أن نقرر وجود تشابه بين هذه الأقسام وأن على طالب علم أصول الفقه أن يتمعن في هذه التقسيمات وأن يعطي كل مصطلح حقه أو تعريفه حقيقته المناسبة له يظهر من هذه الموازنة السابقة إن بعض أقسام الواجب متداخلة باعتبار ما يندرج تحتها من جزئيات إلا إن الجهات فيها متباينة فعلى سبيل المثال الصلاة المفروضة يمكن أن يقال إنها واجب موسع إذا نظرنا إليها من جهة وقتها وهي في وقته واجب عيني إذا نظرنا من جهة المكلف بها وهي أيضا في الوقت نفسه واجب معين إذا نظرنا من جهة الفعل المطلوب فيها وهي بالوقت نفسه واجب محدد إذا نظرنا إليها من جهة تحديد الشارع لأجزائها وأركانها وكذلك الصوم فان من الممكن أن يقال فيه واجب مضيق إذا نظرنا إليه من جهة وقته وهو في الوقت نفسه واجب محدد إذا نظرنا إليه من جهة نوعه أو من جهة تحديده وأيضا هو في الوقت نفسه واجب معين إذا نظرنا إليه من جهة تعيين المطلوب به وهو أيضا بالوقت نفسه واجب عيني إذا نظرنا إليه من جهة المكلف به وهو أيضا بالوقت نفسه واجب محدد إذا نظرنا إليه من جهة أن الشارع قد قدره وحدده بأيام معلومة شرعاً فإذن حصل بهذا أن تقسيمات الواجب السابقة تقسيمات متداخلة ومتشابهة لا من حيث الجزئيات أو ما يندرج تحتها من جزئيات لكن من حيث الجهات المختلفة فكل منها إذا نظرنا إليه من جهته نجد إن هناك اختلاف فإذا نظرنا إلى الواجب المعين مثلاً من جهة انه متعلق بذات الواجب فإنه بهذه الحالة يختلف عن الواجب العيني لان الواجب العيني متعلق بذات المكلف وهكذا الواجب المخير والمبهم إذا نظرنا إليه من جهة ذاته فهو متعلق بتقسيم الواجب باعتبار ذاته وإذا نظرنا إليه باعتبار مثلاً المكلف به فانه بحيث أن يكون واجب كفائي لأنه نظر إليه من قبيل مجموع المكلفين وبهذه الأمور تختلف تقسيمات الواجب بهذا الاعتبار وتتشابه وحينئذ ينبغي النظر الدقيق إلى هذه الأقسام حتى تتحدد المصطلحات بصوره دقيقة هذا فيما يتعلق بالمسألة الأولى من مسائل خاتمة الكلام على الواجب.


    س154- متعلقة بمسألة إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز؟
    ج154- هذه المسألة يوردها العلماء وبعض الأصوليين ضمن مسائل الواجب ويوردها بعضهم ضمن مسائل النسخ ومسائل النسخ له محل ولها باب مستقل في باب النسخ من ضمن مسائل علم أصول الفقه ونوردها هنا في هذا الباب لتعلقها بمسائل الواجب ولمساسها الكبير بهذا الحكم التكليفي وكما قلنا مسألة إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز طبعاً هذه المسالة يعني يراد بها أنه إذا صار عندنا حكم تكليفي واجب جاء الشرع بوجوبه ثم إن الشرع في وقت التشريع بطريق القرآن أو السنة جاء نسخ هذا الحكم الواجب فهل يزول هذا الحكم تماماً ولا يجوز العمل به أو أنه ينتقل من حكم الوجوب إلى الجواز فيكون حكمه مباح وجائز

    هذا المراد بهذه المسألة بصوره عامة والمقصود بالنسخ هنا رفع الحكم يعني يكون عندنا حكم سابق ثم يرتفع بحكم لاحق فهذا هو المعروف بمصطلح النسخ في الشريعة يكون عندنا حكم متقرر شرعا ثم يأتي حكم آخر يرفع هذا الحكم يرفعه بالكلية فيكون في هذه الحالة هذا ما يعرف بمصطلح النسخ فإذا كان عندنا حكم واجب شرعا ثم جاء نسخه في الشريعة فهل إذا نسخ ولم يأت دليل يقول لنا افعلوا أو لا تفعلوا بعد ذلك فهل نقول ينتقل الحكم من الوجوب إلى الجواز أو نقول لا يصير بعد ذلك جائز؟
    والحقيقة أننا وقع خلاف بين العلماء في هذه المسالة هل يكون الحكم إذا نسخ الوجوب يصير الحكم إلى الجواز أو لا يصير إلى الجواز اختلف العلماء في هذه المسالة وخلافهم في الحقيقة مبني على عدم تحرير مصطلح الجواز هنا وهذا من الأمور المهمة التي ينبغي التنبيه عليها في علم أصول الفقه وهي أن كثير من الخلافات التي اختلف فيها علماء أصول الفقه بُنيَت على تحرير أو عدم تحرير المصطلح بينهم فنجد أن بعضهم يقول بإثبات أمر بناء على تصوره للمصطلح بمعنى معين ونجد في المقابل أن هناك من يخالف أو ينكر ما يترتب على هذا المصطلح لكونه يفسر المصطلح بمعنى آخر غير الذي فسر به القائلون بالإثبات وحينئذ يأتي دور المحقق والناظر في هذه الحالة فإن عليه أن يتحقق من المراد في المصطلح فكثيراً ما ينصرف الإثبات إلى المصطلح بمعنى معين وينصرف الإنكار والنفي إلى المصطلح بمعنى آخر وبشواهد ذلك هذه المسالة محل الحديث هنا وحتى نحرر الكلام فيها لابد أن نبين معنى المراد في الجواز هنا

    س------ فكلمة الجواز في قولنا إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز؟ هنا له عند العلماء له إطلاقات ثلاثة,أذكرها؟
    ج------الإطلاق الأول: يطلق الجواز ويراد به الإذن بالفعل وبهذا الإطلاق يشمل الأحكام التكليفية الأربعة الوجوب والندب والإباحة والكراهة فكل هذه الأنواع تعتبر من المأذون بفعله شرعاً.
    الإطلاق الثاني :يطلق الجواز ويراد به الإذن بالفعل والترك وهو بهذا الإطلاق يشمل الأحكام التكليفية الثلاثة الندب والكراهة والإباحة أما الواجب فلا يمكن أن يشمله الجواز بهذا الإطلاق لأن الواجب غير مأذون بتركه.
    الإطلاق الثالث:يطلق الجواز ويراد به التخيير بين الفعل والترك وهو الجواز بهذا الإطلاق لا يشمل إلا الإباحة يقتصر على الإباحة فقط.
    كما أن أيضا النسخ الذي ورد الكلام عنه هنا له عدة أشكال فقد يكون النسخ للوجوب بنص دالٍّ على الإباحة وقد يكون النسخ للوجوب بنص دالٍّ على النهي سواء التحريم أو الكراهة كما قد يكون النسخ من غير بيان للجواز أو التحريم بعد النسخ فليس هناك دليل على جواز الفعل أو عدم الفعل فالنسخ أيضا له عدة أحوال في هذه الصورة وقد يكون نسخ بنص دال على الإباحة وقد يكون بنسخ نص دال على النهي سواء تحريم أو كراهة وقد يكون نسخ بدون نص دال على الفعل أو عدم الفعل.

    س---- ما الخلاف الذي جرى في هذه المسألة؟
    ج----- الخلاف الذي جرى في هذه المسالة مسالة نسخ الوجوب إلى الجواز منحصر في الشكل الأخير من أشكال النسخ وهو إذا كان النسخ من غير نص دال على الفعل أو عدم الفعل , علل؟
    لأنه إذا كان ورد النسخ ثم ورد نص دال على الإباحة فيكون الحكم حينئذ الإباحة لا إشكال في ذلك وإذا ورد النسخ ثم ورد نص دال على النهي سواء التحريم أو الكراهة فلا شك من ضرورة الانتهاء عن الفعل ولكن الكلام في الشكل الثالث والأخير وهو إذا ورد نسخ الوجوب ولم يرد بعد ذلك نص يدل على جواز الفعل أو عدم جواز الفعل فهنا وقع الخلاف في هذه المسألة فإذن لابد أن يكون عندنا في هذه المسالة من تحرير المراد في الجواز ثم لابد من تحرير الصورة التي يقع فيها النسخ ويكون محل للخلاف هنا .

    س---- هنا إذا حررنا ذلك فهل إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال, أذكرها؟
    ج----- القول الأول: منها أنه إذا نسخ الوجوب فإنه يبقى الجواز بعد ذلك ويردون بكلمة جواز عدم الحرج بالفعل وعدم الحرج بالترك فيشمل الأحكام التكليفية الثلاثة المندوب والمكروه والمباح ويعرف كل من هذه الثلاثة بالدليل الخاص الذي يدل عليه هناك من يقول إذا نسخ الوجوب فان الأمر يتحول إلى الندب .
    القول الثاني: والاستحباب وهذا القول حكاه الطرطوشي في المعتمد وعليه يدل مذهب مالك وصار إليه بعض الشافعية وهذه النسبة الواردة عن الطرطوشي في المعتمد يرد بها على قول الغزالي في المستصفى أنه لم يصر إلى الندب أحد أي لم يقل أحد إذا نسخ الوجوب صار إلى الجواز.
    * أصحاب القول الثاني (الاستحباب) : استدلوا بصيام عاشوراء فقالوا إنه لما نسخ يعني استدلوا بالوقوع الشرعي فقالوا إنه لما نسخ وجوب صوم عاشوراء بقي حكمه مستحباً كما أنه لما نسخ فرض قيام الليل بالصلوات الخمس بقي قيام الليل مستحباً وكذلك الضيافة التي كانت واجبه في صدر الإسلام لما نسخت مع كل حق كان في المال بوجوب الزكاة بقي ذلك كله مستحباً وقالوا إن الإيجاب هو طلب الفعل مع المنع من الترك فالدليل الموجب دل على شيئين فلما رفع أحدهما بنسخ الوجوب والمنع من الترك بقي الشيء الآخر وهو طلب فعل والذي يطلب فعله بعد الوجوب هو الندب فيصار إليه .

    القول الثالث: هناك قول آخر في المسالة وهم يقولون إذا نسخ الوجوب لم يبق شيء من ندب ولا إباحة إلا بدليل آخر وهذا ما نتفق أي لابد من دليل آخر لكنهم يقولون لا يبقى شيء من ندب ولا إباحة ويقولون حينئذ نتوقف في الحكم عن مسألة وهذا القول حكاه أيضا الطرطوشي أيضا وقال منعوا أن يستدل به على الجواز فضلاً عن الندب .
    هناك قول رابع في المسألة يقول بأنه إذا نسخ الوجوب فإنه يبقى الجواز بمعنى الإباحة فقط وهي استواء طرفي الفعل والترك وقالوا أنه مادام الوجوب قد ارتفع فيرتفع بارتفاعه طلب الفعل كما يرتفع منع الترك فلا يبق إلا تخيير المكلف به بينهما وهذا هو معنى الإباحة.
    هناك قول خامس في المسألة وهو إذا نسخ الوجوب يرجع الأمر إلى ما كان عليه من قبل من تحريم أو إباحة وقال الزركشي عن هذا وهو القول الأكثر من الشافعية وصححه القاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق والشيرازي والغزالي وابن السمعاني وابن البرهان ونقل شمس الأئمة السرخسي عن أيضا أنه قول العراقيين من المشايخ الحنفية ونسب القول الأول إلى الشافعية نأتي إلى هذا الخلاف ذكرنا به تقريبا خمسة أقوال.

    س----- نأتي إلى تأمل حقيقة الخلاف في المسالة هذا الخلاف في المسالة هل هو خلاف حقيقي وله واقع أو ليس بحقيقي؟
    ج------ التلمساني في كتابه مفتاح الوصول قال أكثرهم يجعل الخلاف لفظياً لأن الخلاف هنا لم يتوارد على محل واحد فان الغزالي مثلاً عنى عنها بالجواز الذي لا يبقى بعد رفع الوجوب عنى به التخيير ولاشك أنه ليس جزء للواجب بل هو قسيمه ومقابله ومن قال يبقى الجواز بعد الوجوب لم يعن الجواز التخيير بل عنى به رفع الحرج ولاشك أنه جزء من الواجب فالحقيقة التلمساني يقول إن الخلاف في هذه المسألة خلاف ظاهري وخلاف لفظي وليس خلاف حقيقي لأن من يقول يبقى الجواز أراد به معنى ومن يقول لا يبقى الجواز أراد به معنى آخر وتبين لكم قبل قليل من يريد أن يبقى الجواز ما مراده ومن يقول لا يبقى الجواز ما مراده.
    الأصفهاني تعقب التلمساني وقال إن قول التلمساني هذا فيه نظر لأن الرازي يقول يبقى الجواز بمعنى التخيير بين الفعل والترك ثم قال وبه تبين أن الخلاف معنوي وأن ما قاله التلمساني ليس بحق.

    س----- ما الراجح في هذه المسألة؟
    ج-----لذي يترجح في هذه المسألة أن الخلاف معنويا وليس خلافاً لفظياً وهو الذي اختاره الزركشي وغيره لأنه يترتب كثير من الأحكام التي تختلف باختلاف القولين أنه يبقى الجواز أو لا يبقى الجواز ينبني على هذا من الخلاف على المسالة هل يبقى الجواز أو لا يبقى الجواز أنه لو كان الفعل قبل الوجوب محرما ثم واجباًً ثم نسخ الوجوب فبهذه المسالة يختلف الحكم اختلافا كبيرا على الرأيين السابقين أي يبقى الجواز أو لا يبقى الجواز في الأقوال الخمسة السابقة .
    فعلى قول من قال الجواز يجوز للإنسان أن يقدم على هذا الفعل وعلى قول من قال برجوع الحكم إلى ما كان عليه لا يجوز الإقدام عليه لأنه أصبح حراماً بعودته إلى ما كان عليه وهو التحريم وهناك فروع رتبها العلماء على الخلاف في المسألة وحقيقة لا تنبني الخلاف بذات المسالة وإنما هي من قبيل بناء النظير على النظير بمعنى أن هناك مسائل مناظرة في الفقه الخلاف فيها يتشابه مع الخلاف في المسألة وليس مبنيا عليها فهو من قبيل بناء النظير على النظير وليس من قبيل بناء الفرع على أصله.

    فمن الفروع التي ذكرها العلماء أنها ترتب على الخلاف وهي من قبيل بناء النظير على النظير مثلا من الفروع
    لو أحرم شخص قبل صلاة الظهر قبل دخول الوقت فلا شك أن الصلاة لا تنعقد فرضاَ لوجود المنافي للفرض وهو عدم دخول الوقت واختلفوا في انعقادها نفلاً وعدم انعقادها على القول الأول الذي يقول ببقاء الجواز بعد نسخ الوجوب يقول تنعقد هذه الصلاة نفلاً وعلى القول الآخر الذي يقول يعود الحكم على ما كان عليه قبل نسخ الوجوب يقول لا تنعقد هذه الصلاة أبداً
    وفرع آخر قالوا لو اشترى شخص سلعة من شخص وأحال المشتري البائع بالثمن على شخص آخر مدين للمشتري ليأخذ منه الثمن فوجد المشتري عيباً يوجب ردها فقالوا هنا فقد بطلت الحوالة لكن هل يجوز للبائع أن يقبض الثمن ويدفعه للمشتري لأن الحوالة اقتضت الإذن بالقبض أم لا يجوز على القول الأول يجوز للبائع أن يقبض الثمن ويدفعه للمشتري بناء على انه إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز وعلى القول الآخر القائل بأنه إذا نسخ الوجوب يعود الحكم إلى ما كان عليه لا يجوز للبائع أن يقبض الثمن ويدفعه للمشتري .
    وهذه فروع من بناء النظير على النظير وليس من بناء الفرع على أصله ولعلها على كل حال تكون بحث هذه المسالة يفيد في إقرار أن للمسألة حظاً من التطبيق ولو كان من قبيل المناظرة فلها حظ في التطبيق العملي وبختام الكلام عل هذه المسالة نختم الكلام على الحكم الأول من أقسام الحكم التكليفي وهو الواجب وبختام هذه المسالة يكون الختام على كلام الحلقة الخامسة عشر.


    وقد تقدم معنا في الحلقات السابقة الكلام على أقسام الحكم التكليفي وتقدم الكلام على القسم الأول من أقسام الحكم التكليفي وهو الواجب وتحدثنا عن جملة كبيرة من مسائله فيما تقدم من حلقات وابتداء من هذه الحلقة سيكون الكلام على القسم الثاني من أقسام الحكم التكليفي وهو المندوب.

    المندوب حقيقته وصيغه وألفاظه وحكمه
    وسنتكلم في ضمن عناصر هذه الحلقة عن مناسبة ذكر المندوب بعد الواجب مباشرة كقسم ثاني في أقسام الحكم التكليفي ثم نتكلم عن حقيقة المندوب عن تعريفه باللغة والاصطلاح وبيان وشرح هذا التعريف ثم عن صيغ وأساليب الندب في الشريعة ثم عن الألفاظ المرادفة للمندوب ويشمل ذلك ذكر هذه الألفاظ وبيان أقسام السنة تحديداً باعتبارها لفظ مرادف للمندوب ثم نختم بالكلام على حكم المندوب
    س------ مناسبة ذكر المندوب بعد الواجب؟
    ج----- فأما فيما يتعلق بمناسبة ذكر المندوب بعد الواجب فقد ذكر بعض العلماء أن ذكر المندوب بعد الواجب مباشرة إنما كان لاشتراكهما في طلب الفعل فإن كل منهما يعني الواجب والمندوب يثاب على فعله.

    وإن كان ثواب الواجب أعظم من ثواب المندوب وبعض الأصوليين وبعض علماء أصول الفقه يذكرون المحرم بعد الواجب ويؤخرون الكلام عن المندوب ويذكرون الكلام عنه بعد أو قبل المكروه يعني يذكرون الواجب ثم المحرم ثم المندوب ثم المكروه
    وعلمنا بذلك أن كل من الواجب والمحرم يشتركان في صيغة واحدة وهي صيغة الطلب الجازم سواء كان طلب فعل الواجب والمحرم طلب ترك فيقول يشتركان في صيغة الطلب الجازم ولذلك يذكرون المحرم بعد الواجب والمندوب والمكروه يشتركان أيضا في صيغة واحدة هي أن الطلب فيهما غير جازم وإن كان المندوب طلب فعل غير جازم والمكروه طلب ترك غير جازم بهذه المناسبة يجعلون ترتيبهم بهذه الصورة الواجب ثم المحرم ثم المندوب ثم المكروه ونحن هنا مشينا على ذكر المندوب بعد الواجب باعتبار العلة التي ذكرناها وهي أن كلاً من الواجب والمندوب يثاب على فعله.
    ووجهة نظرنا هنا نعتبرها أقوى لأن أثر الطلب أو الترك وهو الثواب والعقاب أقوى من أثر الجزم وعدم الجزم يعني الذين نظروا إلى ترتيب المحرم بعد الواجب ثم ذكر المندوب ثم المكروه نظروا إلى الصيغة وهي الجزم وعدم الجزم صيغة الطلب هل هي جازم أو غير جازم ،
    ونحن في ترتيبنا هنا نظرنا إلى الأثر المترتب على الفعل أو الترك ولا شك أن النظر إلى الأثر المترتب على الفعل أولى من النظر إلى صيغة الطلب نفسها لأن الأثر هو المقصود شرعاً .

    س---- عرف المندوب لغة؟
    ج------ أما فيما يتعلق بحقيقة المندوب أو تعريف المندوب
    فالمندوب في اللغة: هو مأخوذ من الندب والندب هو الدعاء إلى أمر مهم يقال ندبته أي دعوته إلى شيء مهم ولم يرد عند العرب إلا للدعوة لأمر مهم كم في قول قريط العنبري:
    لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** للنائبات على ما قال برهان
    والنائبات جمع نائبه وهي المصيبة العظيمة فهذا الشاعر يدعو قومه لنجدته وإعانته على استرجاع ماله ممن أخذه فقاموا بذلك . استرجاع المال وهو في هذا البيت المقصود به الإبل من الأعداء ليس بالأمر الهين فيثبت بهذا أن الندب هو الدعاء إلى أمر مهم أما الدعاء إلى فعل أمر غير مهم فحقيقة الأولى أن لا يسمى ندب هذا فيما يتعلق بتعريف المندوب في اللغة.

    س----- عرف المندوب شرعا أو اصطلاحا؟
    ج----- وردت عدة تعريفات في الواقع تتفق في مضمونها وإن اختلفت عباراتها
    فهناك من عرف المندوب بأنه : المطلوب فعله شرعا من غير ذم على تركه مطلقا.

    س----- اشرح التعريف الاصطلاحي في السؤال السابق للمندوب؟
    ج----يقولون (المطلوب فعله)
    هذا يخرج الحرام لأن الحرام مطلوب تركه ويخرج المكروه لأن المكروه أيضا مطلوب تركه ويخرج المباح لأنه لم يطلب تركه ولا فعله .
    وقولهم (شرعا)
    يخرج المطلوب فعله من غير طريق الشرع .
    وقولنا (من غير ذم على تركه)
    يخرج الواجب لأنه مطلوب فعله ويذم على تركه مطلقا .
    وقولنا (مطلقاً)
    في هذا التعريف لبيان أنه يجوز ترك المندوب مطلقاً أي بلا بدل ويخرج بلفظ مطلقاً الواجب الموسع والواجب المخير والواجب الكفائي لأن هذه الواجبات يجوز تركها لكن إلى بدل فالواجب الموسع يجوز تركه في أول الوقت بشرط العزم على فعله في آخر الوقت والواجب المخير يجوز فيه ترك أي خصلة بشرط العزم على فعل الخصلة الأخرى بين الخصال المخير بينها والواجب الكفائي يجوز المكلف ترك الواجب بشرط علمه بأن غيره قد فعله. أما المندوب فيجوز تركه بلا بدل ولا شرط ولذلك جاء التعبير بلفظ مطلقاً ليخصص المندوب ويخرج مثل هذه الواجبات .

    س---- عرف المندوب بالتعريفات الأخرى؟
    ج------ طبعاً هناك من عرف المندوب بتعريفات أخرى قال مثلاً هو
    (مايمدح على فعله ولايذم على تركه)
    وقال بعضهم هو (ما فعله خير من تركه)
    وهناك أيضا من يعرف المندوب بأنه (ما طلبه الشارع طلباً غير جازم)
    ويقولون بهذا التعريف لكي يبتعدوا عن تعريف المندوب بحكمه لأن هناك من يقول بتعريف المندوب بأنه ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه بشرط وجود القصد وما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه بطريق القصد أي إذا فعله قاصدا وفي هذه الحال فإنه يثاب على فعله ويقول بعضهم أن نأتي بتعريف لأن هذا تعريف بالحكم والتعريف بالحكم منتقد عند العلماء ولا يحبذون التعريف بشيء بحكمه إنما يريدون تعريفه بذاته ويقولون نعرفه من حيث ذاته ونقول ما طلب الشارع فعله طلباً غير جازم وبهذه الصورة طبعاً هذه كلها تعريفات تؤدي الغرض المقصود إنما المقصود أن نبتعد في الغالب عن تعريف المندوب باعتبار حكمه وكل هذه التعريفات التي ذكرناها لكم هي تعريف للمندوب باعتبار حقيقته وذاته هذا فيما يتعلق في تعريف المندوب .

    س----- ماذا اختار الآمدي من هذه التعاريف؟
    ج----- الآمدي اختار التعريف الذي ذكرنا في التعريف الأول

    س---- أذكر صيغ المندوب؟
    ج---- 1- الذي يعرف به الندب ونتوصل به إلى معرفة المندوب.صيغة الأمر الصريح
    2- الألفاظ الدالة على الترغيب مثل لفظ حبذا لو فعلت كذا أو نعم هذا الأمر
    3-
    س----- تكلم عن صيغ المندوب وأساليبه ؟ وتكلم عن الصيغة الأولى؟
    ج------ أما ما يتعلق بصيغ المندوب وأساليبه فإنه حقيقة أن للمندوب صيغ كثيرة وله أساليب كثيرة ذكرها جماعه من الأصوليين وهذه الأساليب تفيدنا في التفريق بين المندوب وتفيد في التفريق بينه وبين الواجب من هذه الصيغ والأساليب مثلاً :
    الصيغة الأولى والأمر الأول : الذي يعرف به الندب ونتوصل به إلى معرفة المندوب.
    صيغة الأمر الصريح إذا وجدت معها قرينة تصرفها من الوجوب إلى الندب فنحن نعلم كما بينا لكم في الصيغ الواجب أو الأمور الكيفية في معرفة الواجب أن من الأمور التي يعرف بها الواجب صيغة الأمر المجرد من القرينة كقوله تعالى {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ونحو ذلك.أما إذا كانت عندنا صيغة أمر صريح ووجدت معها قرينة فإن في هذه الحالة تصرفه من الوجوب إلى الندب وقد تصرفه من الوجوب إلى الإباحة لكن نحن نتكلم عن صيغه تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب وهذه الصيغ حقيقة كثيرة فعندنا صيغ أو صوارف هذه الصوارف تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب صوارف كثيرة منها نصوص ترد في الشريعة / ومنه مثلا قواعد عامة في الشريعة فمن أمثلة النصوص: قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى اكتبوه}
    لفظ اكتبوه هنا أمر وهو أمر لو تجرد عن القرينة لكان دال على وجوب كتابة الدين في حال وجود مداينة لكن هذا الأمر حمله العلماء على الندب فقالوا إنه مندوب لأن هذا المندوب قد وردت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب وهذه القرينة وردت في نص آخر وهو قوله تعالى {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} فهذا الأمر الذي في قوله فاكتبوه مصروف عن الوجوب إلى الندب بالقرينة الدالة على ذلك وهذه القرينة وردت في نص آخر وقد تكون القرينة صارفة من الوجوب إلى الندب قاعدة شرعية فمثلا ًبقوله تعالى في شأن المماليك: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} والمكاتبة المقصود بها أن يتفق السيد مع مملوكه أو أمته على أنه يدفع له أو يعطيه مالاً مقسطا ًلأن العبد يريد الفكاك من الرق فيعطي سيده مالاً مقسطاً فإذا دفع له حقه كاملاً فإنه حينئذ يكون المكاتب حراً فهذه تسمى المكاتبة وهي أن يدفع أو يتفق السيد مع عبده على أن يدفع له مالاً مقسطاً على أشهر أو نحو ذلك فإذا دفع الرقيق المال كاملا فإنه يكون حراً فهذه المكاتبة فقد ورد الأمر بها في قوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} فهذا أمر ولو كان هذا الأمر بصورة متجردة لكن كان دال على الوجوب لكن العلماء حملوه على الندب وقالوا هذا الأمر يفيد الندب والصارف له قاعدة من قواعد الشريعة العامة فإن من قواعد الشريعة العامة في الملكية أن المالك حر في تصرفه في ملكه وإذا كان المالك حر في تصرفه لملكه فإن هذا الأمر ينبغي أن يحمل على الندب ولا يحمل على الوجوب هذه صيغة من صيغ الأمر الصيغة الأولى الدالة على الندب وهي صيغه الأمر الصريح إذا اقترنت بقرينه يعني تصريفها من الوجوب إلى الندب من الأمور التي يستفاد منها الندب والصيغة التي يستفاد منها الندب مثلا إذا وردت في صيغه لفظيه تدل على الندب مثل لفظ مندوب أو لفظ سنة أو نحو ذلك مثلا وردت في تعبير صلى الله عليه وسلم في قوله في قيام رمضان (وسننت لكم قيامه) فلفظ سننت يعني من قبيل السنة فهذا يدل على أن قيام رمضان سنة وليس واجب بدلالة هذا اللفظ ولم يقل أوجبت أو نحو ذلك أو بعض الألفاظ التي تدل على المفاضلة فإن لفظ المفاضلة تدل على أن هذا الأمر مندوب وليس واجب كما في قوله صلى الله عليه وسلم في غسل الجمعة: (ومن اغتسل فالغسل أفضل) فيدل على أن الغسل مندوب أي مستحب في الجمعة لدلالة لفظ أفضل هنا في المفاضلة بين الغسل والوضوء .

    س----- تكلم عن صيغ المندوب وأساليبه ؟ وتكلم عن الصيغة الثانية؟
    ج----- الصيغة الثانية: الألفاظ الدالة على الترغيب مثل لفظ حبذا لو فعلت كذا أو نعم هذا الأمر .
    مثلاً قول صلى الله عليه وسلم لبريرة حين عتقت وهي زوجة لرقيق قوله صلى الله عليه وسلم (لو راجعته) وقوله لو راجعته هنا لو لترغيب فهي تدل أن المراجعة هنا مندوبة أو مستحبة من بريرة رضي الله عنها لزوجها الرقيق بعد أن فصلت عنه لكونها عتقت وصارت حرة وقوله صلى الله عليه وسلم: (أحب العمل إلى الله الصلاة لوقتها) وغير ذلك من العبارات الدالة على الندب.
    وهناك حقيقة جمله من الأساليب والصيغ وهي كثيرة في الشريعة أيضا ذكرها الأصوليون في مختلف مؤلفاتهم في أصول الفقه ومنهم من يكثر من هذه الصيغ ومنهم من يقل وأيضا اعتنت بها كتب التفاسير والمتعلقة بشرح أوامر القرآن ونواهيه وأيضا الكتب المتعلقة بشروح السنة في أوامر النبي صلى الله عليه وسلم فإنها تحدثت عن جملة من هذه الصيغ في ما يتعلق في صيغ وأساليب الندب.

    الألفاظ المرادفة للمندوب
    فعندنا المندوب هناك عندنا في الشرع أو في ألفاظ الفقهاء ألفاظ ترادف الندب يعني تعبير بلفظ المندوب تدل على أن هذا الشيء مأمور به لكن على غير وجه الجزم ولم يطلب منا فعله حتما ولزوما فعبر علماء الشرع عن هذا بألفاظ منه
    مثلاً لفظ السنة فإنه يفيد معنى المندوب
    ولفظ أيضا المستحب فأيضاً هذا يفيد لفظ المندوب
    ولفظ نفل فهو أيضا يفيد المندوب
    ولفظ التطوع فإنه يفيد معنى المندوب فلفظ السنة أو المستحب أو النفل أو التطوع كلها تدل على الندب فإذن جمهور العلماء في الغالب والأصوليين لا يفرقون بين لفظ المندوب ولفظ السنة ولفظ المستحب ولفظ النفل ولفظ التطوع فنقول إن كل هذه الألفاظ تدل على معنى واحد وهو أن هذا الشيء مطلوب على غير وجه الجزم.

    لكن الحقيقة أن الحنفية خالفوا في هذا
    ونحتاج أن نقف عند هذا لأن الذي يقرأ في كتب الحنفية في الفقه يحتاج إلى أن يتأمل ألفاظهم لأنهم يعبرون بألفاظ لفظ سنة ولفظ نفل ويعنون بها أمور أخرى غير المندوب بينما هي عند الجمهور تساوي المندوب تماماً فالحنفية خالفوا وفرقوا بين السنة والنفل وجعلوا المندوب هو الذي يرادف النفل فقالوا المندوب يرادف النفل ولكن السنة أعلى من المندوب في الرتبة

    فمثلا عند الحنفية السنة هي ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه والمستحب هو ما فعله صلى الله عليه وسلم ولم يواظب عليه بل فعله مره أو مرتين أي من قبيل السنة الغير مؤكدة .

    والتطوع هو الذي لم يفعله صلى الله عليه وسلم بل أنشأه المكلف من نفسه واختياره وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه أو فعله مره ومرتين ولم يواظب عليه أو فعله مكلف من نفسه واختاره بناء على موافقته لمقاصد الشرع مثل هذه الأمور المندوبة يسميها الجمهور مندوب سنه مستحب نفل تطوع إلى آخره كلها عندهم
    سواء لكن يجعلون ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله كثيراً وتركه قليلاً يجعلونه من قبيل السنن المؤكدة أو المندوبات المؤكدة .

    وأما الحنفية فيفرقون في هذا ويجعلون ما واظب الرسول صلى الله عليه وسلم واستمر عليه ولم يتركه إلا قليلاً سنة مؤكدة وليس مندوب فالمندوب أقل من هذا فالمندوب ما فعله صلى الله عليه وسلم مرات قليله ولم يواظب عليه وهو من قبيل السنة الغير مؤكدة عند جمهور العلماء مثلاً من النصوص التي يذكرها العلماء في التفريق بين المندوب والسنة عند الحنفية قول أبي زيد الدبوسي وهو من علماء الحنفية يقول: (نوافل العبادات هي التي يبتدئ بها العبد زيادة على الفرائض والسنن المشهورة وحكمها أن يثاب العبد على فعلها ولا يعاقب على تركها لأنها جعلت زيادة له لا عليه بخلاف السنة فإنها طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن حيث سبيلها الإحياء فكانت حق علينا فعوتبنا على تركها).

    وكذلك يقول ابن نجيم في البحر الرائق: (إن السنة إن كانت مؤكدة قوية لا يبعد كون تركها مكروها تحريما وإن كانت غير مؤكدة فتركها مكروه تنـزيها أما المستحب والمندوب فينبغي أن لا يكره تركه أصلا إذ لابد لثبوت الكراهة من دليل خاص لأن الكراهة حكم شرعي) فكأن الحنفية يفرقون بين السنة المؤكدة والسنة غير المؤكدة وبين المستحب والمندوب فيجعلون السنة المؤكدة هي ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم وتركها قليلاً والسنة غير المؤكدة هي ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مرات قليلة ولم يواظب عليها والمندوب والمستحب هو ما أنشأه المكلف من نفسه واختياره مع موافقته لمقاصد الشرع العامة ولم يرد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فيكون هذا مندوب ومستحب هذا ما يتعلق بتفريق الحنفية بين السنة وبين المندوب وبين المستحب .

    وحينئذ يتقرر أن الجمهور لا فرق عندهم بين السنة وبين المندوب والمستحب إنما يجعلون المندوب والمستحب على مراتب فعندهم مندوبات أو سنن مؤكده وعندهم مندوبات وسنن غير مؤكده فقط المندوبات والسنن المؤكدة هي ما واظب عيها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتركها إلا قليلا والسنن والمندوبات غير المؤكدة هي ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم قليلا وتركها كثيراً

    وأما الحنفية فيفرقون بين هذه المراتب وحينئذٍ نأتي إلى تقسيم الحنفية فننظر في السنة عندهم فنجد أن الحنفية يقسمون السنة باعتبار ذاتها ويقسمونها باعتبار فاعلها فعندهم السنة التي يقولون فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليها سواء فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يواظب عليها سواء كانت مؤكده أو غير مؤكده يقسمونها إلى قسمين من حيث ذاتها فمن حيث ذاتها
    يقسمها الحنفية إلى سنة الهدى والى سنة الزوائد
    وتقسيمها باعتبار فاعلها يقسمونها قسمين فيجعلون سنة عين وسنة كفاية في مقابل واجب العين وواجب الكفاية

    وتفصيل الكلام على ذلك فمثلا باعتبار ذاتها يقسمونها سنة هدى وسنة زوائد سنة الهدى وهي التي يقولون يوجب تركها الإساءة والمراد بالإساءة هنا الكراهة التحريمية عندهم وتنزل هذه منزلة الواجب إن كانت من أعلام الدين مثل صلاة الجماعة ومثل الأذان والإقامة ويذكرون في هذا قول مكحول رحمه الله السنة سنتان سنة أخذها هدى وتركها لا باس به كالسنن التي لم يواظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة أخذها هدى وتركها ضلاله كالأذان والإقامة وصلاة العيد وهذه الأخيرة هي التي يطلق عليها جمهور العلماء اسم السنة المؤكدة ويعرفونا بأنها ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يثبت لزومها أي لم يثبت أنه لازمها تماما وإنما واظب عليها كثيرا وتركها قليلا .

    والقسم الثاني للسنة عند الحنفية باعتبار ذاتها سنة زوائد وهي التي لا يوجب تركها الإساءة ولا الملامة وإنما يوجب تركها الكراهة التنزيهية يعني التي لا توجب عقاباً ولا ذما ومثلوا لها ما ورد في لباسه صلى الله عليه وسلم وقيامه وقعوده وتطويل القراءة في الصلاة وقالوا في حكمها الأفضل أن يأتي بها الإنسان وهذه
    يسميه الحنفية ويسميه الجمهور أيضا السنة الغير مؤكدة والجمهور يسمونها المستحب ومندوب ولكن الحنفية يخصصونها بالسنة الغير مؤكده أو سنة الزوائد ويعرفونها بأنها الفعل الذي لم يواظب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بل فعلها مرة أو مرتين وهذا فيما يتعلق في تقسيم السنة باعتبار ذاتها إلى سنة هدى وسنة زوائد وتقسيم السنة عند الحنفية باعتبار فاعلها أو المكلف بها أو المأمور بها يقسمونها إلى سنة عين وسنة كفاية أما سنة العين عندهم فهي التي طلب فعلها من كل فرد بعينه طلب فعلها على غير سبيل الجزم من كل فرد بعينه مثلوا بهذا بسنن الرواتب والاغتسال يوم الجمعة وقراءة الأذكار الواردة ونحو ذلك فهذه يسمونها سنة عين لان المطلوب بها كل شخص بعينه .

    وعندهم القسم الثاني وهو سنة الكفاية وهي التي لم يطلب فعلها من كل فرد بعينه وإنما طلب مجرد حصولها من أي شخص كان وطلبها على غير سبيل الجزم ومثلوا لهذا أي الحنفية بصلاة التراويح جماعة والاعتكاف في المسجد والبدء بالسلام وغير ذلك فقالوا من سنن الكفاية يعني طلب حصولها ولم يطلب من كل فرد أن يقوم بها إلا أن جمهور العلماء اختلفوا في تقسيم السنة إلى هذين القسمين وممن أشار إلى تقسيمها بذلك ابن دقيق العيد في شرح الإلمام ومثل لها بما مر معنا في التقسيمين السابقين في سنة العين وسنة الكفاية ثم فرق بين سنة الكفاية وفرض الكفاية بأن فرض الكفاية لا ينافيه الاستحباب في حق من زاد على القدر الذي سقط به الفرض والسنة على الكفاية ينافيها الاستحباب فيما ما زاد على ذلك الوجه الذي اقتضى الاستحباب ويتضح لنا من تقييده نفي الاستحباب في ما زاد في السنة الكفائية في قوله على ذلك الوجه الذي اقتضى الاستحباب أن الثواب ثابت للسنة الكفائية إذا جاء بها أحد بعد سقوط أصل الاستحباب ويثاب عليها فاعلها كما في السلام من غير واحد وصلاة التراويح بالجماعة من الجميع واعتكافهم في العشر الأوآخر من رمضان أما لو أذن واحد للصلاة فلا يستحب لغيره أن يؤذن مره ثانية وذلك لفوات الوجه الذي اقتضى الاستحباب فمعنى هذا أن في تفريق ابن دقيق العيد مبني على هذا الأمر وهو أن الفرض الكفاية لا ينافيه الاستحباب في حق من زاد عن القدر الذي سقط به الفرض بمعنى أن من قام بفرض الكفاية وأراد شخص آخر أن يقوم أيضا بما يحقق هذا الفرض فإنه يستحب له ذلك فلو أن أشخاص قاموا بفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسقط في حق الباقين الإثم فانه يستحب لغيرهم ممن لم يقوم بالأمر بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع انه قد سقط فرض الكفاية عن الأمر بهذا الفعل أما بالنسبة للسنة الكفائية فإنه إذا قام شخص مثلاً بسنة كفائيه مثل الأذان فهو من قبيل السنة الكفائية فإذا قام شخص بالأذان فإنه لا يستحب لشخص آخر أن يقوم بالأذان ما دام أن هذا الشخص قد أذن في هذا الوقت وقد أعلم الناس بعد هذا يظهر لنا أن من قال بعدم انقسام السنة إلى سنة عين وكفاية إنما نظر إلى عدم شبهها بالفرض الذي يترتب على تقسيمه سقوط الإثم عن الباقين بفعل البعض ولما لم يكن في السنة ذلك فلا فائدة لهذا التقسيم وأما من قال بتقسيمها إلى ذلك نظر أن هناك بعض السنن التي يسقط فعلها بفعل بعض الناس كمن أذن في الصلاة فإن أذانه أسقط فضيلة الأذان عن غيره وهناك بعض السنن لا يسقط طلبها بالاستحباب بفعلها بفعل بعض الناس كما إذا صام الجماعة الأيام البيض من كل شهر فإن طلب الاستحباب لصيام هذه الأيام باقي في حق الجميع ويكفي هذا النظر في الفرق لترجيح من قول من قال تقسيمها إلى سنة عين وسنة كفاية ولا حقيقة يدعو الفرق بين فرض الكفاية وبين سنة العين إلى القول بعدم ثبوت سنة الكفاية إنما وجود هذا الفرض الذي ذكرناه كافي لثبوت أو لترجيح القول بانقسام السنة إلى سنة عين والى سنة كفاية هذا فيما يتعلق بفرض الكفاية وفرض العين .
    أما ما يتعلق بحكم المندوب وهي مسألتنا الأخير في مسائل المندوب فإنه كما هو واضح أن المندوب إذا فعله الشخص فإنه يثاب عليه وإذا تركه فإنه يعاقب عليه هذا في الجملة لكن الثواب دائما مقيد بشرط القصد فلا بد أن يكون الشخص الفاعل للمندوب قاصدا ًفعله حتى يثاب عليه وتركه لا يكون قاصدا لتركه فيه التهاون والاستهتار ونحو ذلك فإنه قد يعاقب على هذا أو التهاون بأمور الشريعة فإنه قد يثاب على ذلك أو أنه قد أهمله تماما وواظب على تركه قصدا ًفإنه قد يعاقب على ذلك فإذن الثواب والعقاب في المندوب مقيد بالقصد,بهذا نختم الكلام عن المندوب.



     مسائل متعلقة بالمندوب :
    هذه الحلقة تمتد بالكلام على جزئيات سابقه سبق الكلام عنها فيما يتعلق بمسائل المندوب وهو القسم الثاني من أقسام الحكم التكليفي ولذا سيكون عنوان هذه الحلقة مسائل متعلقة بالمندوب سيكون الكلام في هذه الحلقة على مسألتين :
    المسألة الأولى : عن حكم المندوب ...... والمسألة الثانية : هل المندوب مأمور به .

    سنعرض في هذه المسألة لبيان المراد في هذه المسألة وتحديد محل النزاع فيها واختلاف الأصوليين فيها والأدلة والترجيح ونوع الخلاف في المسألة .

    أما مسألة حكم المندوب
    فقد أشرنا في ختام الحلقة السابقة إلى شيء من الكلام على حكم المندوب وما ذكرناه من أن المندوب يثاب فاعله قصداً ولا يعاقب تاركه هذا على سبيل الإجمال وتفصيل ذلك في هذه الحلقة على النحو الآتي:
    حكم المندوب صرح أكثر الأصوليين بحكم المندوب حينما عرفوه فبعضهم عرف المندوب بحكمه وذكرنا في ذلك الموضع أن التعريف بالحكم محل انتقاد فذكروا من تعريفات المندوب
    1- أنه ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه وهذا التعريف حقيقة تعريف بحكم المندوب ونستفيد منه حكم المندوب فهو ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه لكن الثواب على الفعل مشروط بشرط القصد بان يكون قاصداً فعله تقرباً إلى الله تعالى أما الذي يفعل المندوب ولا يقصد به التقرب إلى الله تعالى فلا يكون محلاً للثواب في هذه الحالة وكذلك ولا يعاقب على تركه العقاب على الترك كما سيأتي في كلام الأصوليين مقيداً بألا يكون هناك إصرار على ترك هذا المندوب أما إن كان هناك إصرار فقد يكون محلاً للعقاب واللوم كما سيأتي ،
    2- مر معنا فيما تقدم أن الحنفية فرقوا بين السنة والمندوب وجعلوا السنة أعلى من المندوب فقالوا في حكم السنة انه يعاقب على تركها كما صرح بعض الحنفية بأنه يقاتل عليها إذا تركت وكانت من شعائر الدين الظاهرة وابن عابدين وهو من علماء الحنفية يقول الأرجح أن يأثم بترك السنة المؤكدة كالواجب ، ابن نجيم في البحر الرائق يقول إن السنة إن كانت مؤكدة قوية لا يبعد كون تركها مكروهاً تحريما ، سيأتي عندنا ما يتعلق بتعريف المكروه تحريما لاحقاً إن شاء الله عند كلامنا عن المحرم يقول وان كانت غير مؤكده فتركها مكروه تنزيها أما المستحب أو المندوب فينبغي ألا يكره تركه أصلا إذ لا بد لثبوت الكراهة من دليل خاص لأن الكراهة حكم شرعي ، هذا يثبت تفريق الحنفية بين السنة المؤكدة وبين السنة التي ليست مؤكده وبين المندوب من حيث الحكم فرتبوا على السنة المؤكدة حكما وهو أنها تكون في هذه الحالة تركها مكروه تحريما
    ومعنى هذا انه قد يعاقب المرء على تركها وان كانت غير مؤكده يكون تركها مكروه تنزيهاً بمعنى انه قد يلام ويعاتب على تركها ولكنه لا يعاقب ويقولون المندوب اقل مرتبه من السنة غير المؤكدة فلا يكره تركه أصلا بمعنى انه لا يعاقب ولا يعاتب على تركه ، وقد أشار بعض الحنفية كالإمام السرخسي إلا أن السنة المؤكدة لو تركها قوم استوجبوا اللوم والعتاب ولو تركها أهل بلده وأصروا على ذلك قوتلوا عليها ليأتوا بها ، هذا ما يتعلق بإشارات الحنفية إجمالا حول حكم المندوب وتفريقهم في مراتب المندوب وفي أحكام مراتب المندوب وبناءاً على هذا يكون عندنا تفريق في حكم المندوب والحكم بحسب مراتبه فألسنه المؤكدة وهي التي سميناها سابقاً سنه الهدى يكون حكم تركها مع الإصرار على تركها مكروها تحريما لقربها من الواجب
    لا نقول تأخذ حكم الواجب لكن تقرب من الواجب فيكون حكم تركها يكون مكروه تحريما وأما السنة الغير مؤكده فهي ما سبق أن سميناها سنة الزوائد عند الحنفية فيكون حكم تركها كما قال الحنفية مكروه تنزيهاً ومعنى هذا انه يوجه لتاركها اللوم والعتاب ولا يتوجه إليه العقاب وأما المندوب والمستحب الذي يعتبر اقل الدرجات هنا فحكمه يثاب فاعله إذا فعله قصداً ولا يعاتب ولا يعاقب تاركه ، طبعاً ورد عندنا تقييد الترك ترك السنة انه لا يتوجه إليه عقاب إلا مع الإصرار على تركها وهذا لأجل التفريق بينها وبين الواجب لأن الواجب يعاقب المرء على تركه ولو تركه مره واحده فترك السنة المؤكدة مره من المرات أو لبعض المرات أو لظرف من الظروف التي تطرأ على الإنسان لا يجعل صاحبها مستحقاً للعقاب ، بعض الحنفية عبر في بيان حكم ترك السنة استحقاق العتاب عليها يقولون إنها لا تستحق العقاب مثل السنة غير المؤكدة لا يستحق تاركها العقاب ولكن يستحق اللوم والعتاب ولعلهم أرادوا بذلك استحقاق العتاب عليها في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فحق على تارك السنة أن يعاقب على تركها من قبل أهله وإخوانه ومجتمعه وولي أمره لمخالفته وإعراضه عن سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه السنة كما نعلم من شأنها الإتباع أن تكون متبعه
    وأما اللوم والعتاب في الآخرة فانه يستحق تارك السنة المؤكدة أيضاً غير المؤكدة العتاب من الشارع ويؤيده ما جاء في الحديث أن الله يقول لعبده يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ؟ قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده إلى آخر الحديث الشاهد أن هذا الحديث صريح في معاتبه الله عز وجل لتارك السنن ، هذا فيما يتعلق بتفريق الحنفية والدليل على أن هناك فرق بين تارك السنن المؤكدة وبين تارك السنن غير المؤكدة يعنى إذا كان ترك السنة المؤكدة مع الإصرار قد يكون مستحقاً للعقاب ويوجه إليه اللوم والعتاب ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه انه قال من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن فان الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى وأنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم . وفي رواية عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى وان من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه ، فابن مسعود سمى ترك السنة ضلالاً والمقصود بالسنة هنا صلاة الجماعة كما هو مذهب بعض الفقهاء أن صلاة الفريضة جماعه سنه مؤكده وحملوا قول ابن مسعود عليها في هذا المقام ، أيضاً من الأدلة على أن ترك السنة المؤكدة مع الإصرار على تركها يكون المرء مستحقاً للعقاب واللوم والعتاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رتب الوعيد على ترك السنة فقال في الحديث الذي ورد فيه تسوية الصفوف في الصلاة ومعلوم أن تسوية الصفوف في الصلاة سنه ما نصه ( لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) فهذا وعيد في هذا المقام والوعيد لا يرد إلا على ترك أمر واجب أو أمر مهم، الأمر الثالث الذي يدل على الحكم الذي ذكرناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على من ترك السنة وأصر على تركها في حديث الأعرابي الذي أكل بشماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم .
    (كل بيمينك فقال لا استطيع فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا استطعت فما رفعها إلى فيه في ذلك المقام ) ولولا أهمية السنة وضرورة التمسك بها ما دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو الرؤوف الرحيم بأمته، ونختم الكلام على حكم المندوب بأمرين ذكرهما الزركشي في كلامه في البحر المحيط في أصول الفقه.

    الأمر الأول : ينبغي أن لا يترك المندوب لكونه صار شعاراً للمبتدعة خلافاً لابن أبي هريرة وهو من علماء أصول الفقه وأيضاً خلافاً لما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك القيام للجنازة لمشابهة اليهود وذلك لكونه مشرعا .
    الأمر الثاني : لا يترك المندوب لخوف اعتقاد العامة وجوبه خلافاً للإمام مالك في هذا المقام ووافقه الشافعي في هذا فقد حكى والدارمي عن أبي إسحاق المروزي أنه قال لا أحب أن يداوم الإمام على قراءة سورة الجمعة في يوم الجمعة كي لا يعتقد العامة وجوبه لكن هذا نقل عن الشافعي ونبه الزركشي إلى أن هذا الكلام محل نظر ممن قال به وهذا ختام الكلام عن المسألة الأولى وهي فيما يتعلق بحكم المندوب .

    س----- هل المندوب مأمور به ؟
    ج---- وقد تعرض لها علماء أصول الفقه في مؤلفاتهم على اختلافها ومنهم من يقول : هل المندوب مأمور به حقيقة ؟
    وهذا ما يقصدونه وهذا باختصار وتمهيداً للخلاف في هذه المسألة وقد اختلف الأصوليين في هل المندوب مأمور به حقيقة أو مجازاً ويعبر العلماء عن هذه المسألة بقولهم هل المندوب مأمور به حقيقة طبعاً في تحديد موقع النزاع في هذه المسألة نقول أنه لا خلاف ولا نزاع بين الأصوليين في أن المندوب تتعلق به صيغة الأمر هي افعل وما جرى مجراها وتستعمل فيه هذه الصيغة لكنهم
    اختلفوا هل المندوب يدخل في لفظ الأمر حقيقة مثل الواجب أو أنه يكون من باب المجاز
    فهم اتفقوا على أن لفظ الأمر يدخل فيه دخولاً أوليا الواجب فالواجب مأمور به حقيقة لكنهم اختلفوا في المندوب هل يدخل أيضا في الأمر فيكون مأموراً به حقيقة أم أنه من باب المجاز وخلافهم هنا على قولين:
     القول الأول أن المندوب مأمور به
    حقيقة مثله مثل الواجب وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد واختاره محققوا الحنفية وهو وجه عند المالكية واستدلوا بعدة أدله منها
    الأول/أنهم قالوا إن تعريف الأمر هو استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء والاستدعاء هو الطلب فالمندوب مستدعى ومطلوب وبناءً على ذلك فإن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما إن الواجب يدخل أيضاً في حقيقة الأمر لاشتراكهما في شيء واحد وهو أن كل منهما مستدعى ومطلوب هذا هو الدليل الأول ،
    الدليل الثاني استدلوا على أن الله سبحانه وتعالى أطلق الأمر على المندوب في القرآن والأصل في الإطلاق الحقيقة فيكون المندوب مأمور به حقيقة فمن إطلاقات ذلك في القرآن قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى ) فهنا أمر الله تعالى بأشياء منها ما هو واجب كالأمر بالعدل ومنها ما هو مندوب كالأمر بالإحسان وإيتاء ذا القربى وهذا يدل دلاله واضحة على أن الأمر يطلق على المندوب كما يطلق على الواجب سواء بسواء لأنه قال: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى ) فعبر بلفظ الأمر والأمر هنا شمل ما هو واجب وما هو مندوب فدل على أن المندوب مأمور به حقيقة ومن ذلك قوله تعالى ( وأمر بالمعروف ) فهنا قد أمر الله تعالى بالمعروف والمعروف عام لدخول ( أل ) الاستغراقية عليه فهو يشمل الطاعات الواجبة والمندوبة ومع ذلك عبر الله سبحانه وتعالى عنه بلفظ الأمر وهذا يدل على أن الأمر يطلق على المندوب حقيقة كما يطلق على الواجب لا فرق بينهما ، ومن ذلك أيضاً ما ورد عن أم عطية رضي الله عنها قالت أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نخرج في العيدين العواتق ومعروف أن إخراج العواتق ليس واجباً وإنما هو سنه والعواتق جمع عاتقه وهي الأنثى التي قاربت البلوغ فهنا وجه الأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجهن بلفظ أم عطية قولها أمرنا ولم تقل ندب إلينا أو استحب إلينا فدل على أن الأمر يشمل المندوب كما يشمل الواجب
    استدل أيضاً أصحاب هذا القول بدليل ثالث قالوا فيه إن المندوب يعد طاعة بالإجماع وكل ما كان طاعة فهو مأمور به حقيقة لأن الطاعة تقابل المعصية فالمعصية هي مخالفة الأمر والطاعة هي الامتثال للأمر فيكون المندوب مأمورا به حقيقة
    أيضا استدلوا بدليل رابع أنه قد شاع وانتشر عند أهل اللغة أن الأمر ينقسم إلى أمرين أمر إيجاب وأمر ندب واستحباب ومعلوم أن أهل اللغة إليهم المرجع في تحديد المصطلحات من حيث معناها اللغوي فما دام أنهم قسموا الأمر إلى إيجاب وندب فمعنى هذا أن المندوب يعد مأمور به حقيقة مثل الواجب لكن هذا الاستدلال فيه نظر لأنه قد يقال أن أهل اللغة قد قسموا الأمر أيضا إلى أمر إباحة وأمر تهديد وغيرها من الأقسام المعروفة ولم يقل أحد من أن هذه الأقسام مأمور بها فتقسيم أهل اللغة إنما هو باعتبار المعنى المجازي للأمر وهذا اصطلاح خاص بهم وهذا الدليل الرابع فيه نظر لأصحاب هذا القول الأول .
     القول الثاني :أن المندوب غير مأمور به حقيقة وإنما مأمور به على سبيل المجاز
    وقد يعبرون عنه بإطلاق آخر أكثر اختصارا من هذا فيقولون المندوب غير مأمور به ويعنون بذلك أنه غير مأمور به حقيقة وهو مأمور به مجازاً ذهب إلى ذلك مجموعه من الحنفية منهم أبو الحسن الكرخي و الجصاص وأيضاً بعض علماء الشافعية منهم الشاشي والشيرازي وأبو حامد الاسفراييني والرازي ونقل عند أكثر الشافعية وهو وجه عند المالكية ، استحسنه أيضاً ابن السمعاني وصححه ابن العربي هذا القول الذي يقول إن المندوب مأمور به مجازاً وليس حقيقة استدل بعدة أدله منها
    الدليل الأول قالوا قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنه أو يصيبهم عذاب اليم ) ووجه الدلالة من هذه الآية أن الله تعالى حذرنا من مخالفة أمره وتوعد من يخالف ذلك الأمر بالعقاب والعقاب في الآية هو الفتنه والعذاب فلو كان المندوب مأمورا به حقيقة لحذرنا الله سبحانه وتعالى من مخالفته ولكن لم يصدر أي تحذير من مخالفة المندوب حيث إنه يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه فنتج من ذلك أن المندوب غير مأمور به حقيقة ولو كان مأمورا به حقيقة لحذرنا الله تعالى من تركه ومن التهاون فيه
    والجواب عن هذا الدليل أننا نسلم أن الأمر يقتضي الوجوب حيث إن الله تعالى توعد من يخالف أمره بالعقاب ولكن يجوز صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب لصارف فإذا صرف الأمر من كونه يقتضي الوجوب إلى كونه يقتضي الندب فإن ذلك لا يخرج الأمر عن تسميته أمرا فينتج عن ذلك أن الأمر يطلق على المندوب حقيقة مثله مثل الواجب بدليل اشتراكهما في التسمية استدلوا
    بدليل ثاني من قوله صلى الله عليه وسلم: ( لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) .
    وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم لبريرة في شأن مراجعتها لزوجها لما عتقت عنه ( لو راجعته فقالت بريرة رضي الله عنها للرسول صلى الله عليه وسلم أتأمرني قال النبي صلى الله عليه وسلم لا إنما أنا شافع )
    ووجه الدلالة في هذا قوله: (لولا) تفيد انتفاء شيء لوجود غيره والمراد هنا انتفاء الأمر لوجود المشقة فورد في الحديثين نفي الأمر فالنبي صلى الله عليه وسلم نفى الأمر بالسواك ونفى الأمر لبريرة لمراجعة زوجها فنفي الأمر مع أن الأفعال هنا مندوبه مراجعه بريرة زوجها مندوب والسواك مندوب فالنبي صلى الله عليه وسلم نفى الأمر بهما فنفى الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر بهذه الأفعال في الحديثين مما يدل على أن المندوب غير مأمور به حقيقة وإنما قد يقال مأمور به مجازا
    والجواب عن هذا الدليل أن المنفي هنا في هذين الحديثين المنفي هنا هو الأمر الجازم الذي يقتضي الوجوب وعلى هذا يكون تقدير الكلام في الحديث الأول ( لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم أمراً جازماً بالسواك ) ويكون التقدير في الحديث الثاني في قول بريرة (أتأمرني أمراً واجباً ) فهذا دليل على أنه امتنع منه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول لأجل المشقة والمشقة إنما تلحق فيمن يلزم فعله وإذا ثبت أن المنفي هو الأمر الجازم ثبت أن الأمر غير الجازم لم ينفه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الدال على المندوب فحصل من ذلك أن المندوب مأمور به حقيقة بقطع النظر عن كونه جازما أم غير جازم
    استدلوا بدليل ثالث قالوا لو كان المندوب مأمور به لسمي تاركه عاصيا ولجاز أن يقال لمن ترك قيام الليل وصيام التطوع وصلاة النفل وصلاة التطوع وإماطة الأذى عن الطريق يقال له عصيت أمر الله لكنه لا يقال له ذلك فيدل على أن المندوب غير مأمور به لكونه لا يعصي بتركه
    والجواب عن هذا: أن يقال أن تارك المندوب لم يسمى عاصيا بسبب العصيان لأن العصيان اسم ذم مختص بمخالفه أمر الإيجاب فلو سمي تارك المندوب عاصيا لالتبس مع الواجب لذلك أسقط الله تعالى الذم عن تارك المندوب فحصل من ذلك أن ترك المندوب لا يعد معصية ليس لأنه غير مأمور به بل لأن حكم المندوب أنه لا يعاقب تاركه وإذا كان كذلك فهو مأمور به ويعارضه أيضاً أن فعل المندوب يسمى طاعة كما سبق في دليل أصحاب القول الأول الذي يترجح مما سبق أن المندوب غير مأمور به حقيقة بل هو مأمور به مجازاً في القول الثاني والسبب في هذا الترجيح هو أن هذا الترجيح من لوازم الترجيح الذي سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الأمر لأننا في باب الأمر والجمهور يرجحون أن الأمر إذا ورد في الشرع ينصرف إلى الإيجاب فلفظ الأمر في حقيقته في الإيجاب كما يأتي ومجاز في الندب كما سيأتي في باب الأوامر يقولون الأمر ينصرف إلى الإيجاب حقيقة وإلى الندب مجازاً فمن لوازم الترجيح في باب الأمر أيضاً أن يلزم هنا أن نقول إن المندوب مأمور به حقيقة وليس مجازاً ما يتعلق ببيان نوع الخلاف.

    س----- اختلف العلماء في هذا هل الخلاف هنا لفظي أم معنوي ؟
    ج-----1- منهم من قال الخلاف هو لفظي وليس له ثمره لأن المندوب مطلوب فعله باتفاق أصحاب المذهبين فلا يبقى إلا الخلاف في إطلاق اسم الأمر على المندوب حقيقة أو مجازاً وهذا في النهاية خلاف لفظي .
    2- هناك من قال أن الخلاف معنوي وهو الذي يترجح هنا فيترتب عليه بعض الآثار والفوائد منها ما يتعلق بالفقه ومنها ما يتعلق بأصول الفقه

    س---- أذكر ثمراتها ؟
    ج----- ومن هذه الآثار والفوائد
    : الثمرة الأولى/ أنه إذا قال الراوي أمرنا بكذا أو قال أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بكذا على القول الأول يكون الأمر متردداً بين إرادة الوجوب والندب فيكون الأمر مجملاً بينهما ولا بد من دليل يرجح المقصود ومعلوم أن المجمل يتوقف فيه حتى يتبين المراد منه وأما على القول الثاني فإن الأمر يكون للوجوب يكون ظاهراً في الوجوب حتى يقوم دليل على خلاف ذلك .

    الثمرة الثانية/ أنه إذا ورد لفظ الأمر ودل دليل على أنه لم يرد به الوجوب فعلى القول الأول يحمل على الندب مباشره دون الحاجة إلى دليل وذلك حيث أنه حقيقة في الندب كما أنه حقيقة في الوجوب على القول الثاني إذا جاء دليل يدل على أن هذا الأمر لا يراد به الوجوب لا يحمل الأمر على الندب إلا بدليل وذلك لأن حمل الندب على المجاز لا يجوز إلا بدليل لاحتمال أن الأمر يقصد به الإباحة .
    الثمرة الثالثة/ في هذا المقام أنه إذا نسخ الوجوب هل يبقى الندب أو لا يبقى هذه مسألة تناظر مسألة ذكرناها في هل إذا نسخ الوجوب هل تبقى الإباحة هذه مسألة أخرى إذا نسخ الوجوب هل يبقى الندب وهي تنبني على مسألة المندوب هل هو مأمور به حقيقة أو لا ؟
    وبناءاً على القول الأول يقولون يبقى الندب فإن نسخ الإيجاب لا يدل على نسخ الندب ومثلوا لذلك بمثل الوضوء مما مست النار فقد ورد نسخ الإيجاب فيه فهل يبقى الندب يقولون الوضوء هنا هل يبقى مندوب إن قلنا إن المندوب مأمور به حقيقة فنعم يبقى الوضوء مما مست النار على القول الثاني الذي يقول إن المندوب مأمور به مجازاً فإن الندب يرتفع مع الإيجاب إلا بدليل يدل على بقاء الندب لأن المجاز تابع للحقيقة وإذا ارتفعت الحقيقة ارتفع المجاز فإذا ورد نسخ الإيجاب فإن هذا يدل على نسخ الندب فحينئذ لا يندب الوضوء مما مست النار بناءاً على القول الثاني باعتبار أنه قد نسخ الوجوب فينسخ الندب معه باعتبار أن المجاز تابع للحقيقة .
    والثمرة الرابعة والأخيرة في هذا المقام ذكرها بعضهم وهي صيغة الأمر في بعض الأوامر الشرعية هل تعد من باب استعمال اللفظ المشترك في حقيقتيه أو هو من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه إن قلنا استعمال اللفظ في حقيقتيه فهذا اشتراك وإن قلنا استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه فهذا من باب التواطؤ، والاشتراك طبعاً هو إطلاق اللفظ على معنيين مختلفين متساويين في القوه واللفظ ، والمتواطئ المقصود به استعمال اللفظ في معنيين أحدهما أقوى من الآخر مثل لفظ النور فإنه يتناول نور الشمس ونور السراج وأحدهما أقوى من الآخر


    كلامنا في هذه الحلقة سيكون عن مسائل في المندوب إكمالاً لما سبق وعندنا :
    المسألة الثالثة وهي مسألة لزوم المندوب بالشروع فيه وسنتكلم عن المراد بهذه المسألة وأقوال الأصوليين فيها والأدلة والترجيح وثمرة الخلاف .
    والمسألة الرابعة أيضاً وهي لزوم المندوب في حالات أخرى .
    والمسألة الخامسة هي كون المندوب من أحكام التكليف ويشمل ذلك ذكر أراء الأصوليين في هذه المسألة وتوجيه الخلاف فيها .

    وأما المسألة الثالثة وهي لزوم المندوب بالشروع فيه :
    فهذه المسألة باختصار أولاً المراد بهذه المسألة طبعاً تقدم معنا أن المراد بالمندوب هو باختصار ما طلب الشارع فعله طلباً غير جازم فهذا المقصود بالمندوب ، أما لزوم المندوب فالمقصود به صيرورته واجباً ، وقلنا لزوم المندوب بالشروع فيه يعنى الدخول فيه والتلبس به ومعنى هذه المسألة إجمالاً أن المندوب الذي حصل الدخول فيه أو التلبس به هل يأخذ حكم الواجب حكم اللازم يلزم على ذلك إتمامه والمضي فيه ولزوم إعادته أو قضائه لو أن إنسان قطعه وأفسده فهذا هو المقصود بهذه المسألة يعنى : هل يكون المندوب بعد الشروع فيه والتلبس به ودخول المرء فيه هل يعتبر واجباً ولازماً إتمامه والمضي فيه أو أنه يجوز قطعه وإذا قلنا يلزم إتمامه والمضي فيه هل يكون قضاء هذا المندوب لازماً ويجب قضاءه أو إعادته إذا كان في الوقت نفسه هذا المراد بالمسألة هنا ، فالحقيقة حصل خلاف في هذه المسألة لكن قبل أن نذكر الخلاف فيها نحرر محل النزاع أي نخرج المسائل المتفق على أن المندوب إما أن يلزم إتمامه بعد الشروع فيه أو أنه لا يلزم إتمامه؟
    هنا مسائل محل اتفاق نخرجها من محل النزاع فنقول في تحرير محل النزاع أن هناك

    جملة من المسائل اتفق عليها الأصوليون واتفقوا على عدم دخولها في هذه المسألة وذلك في عدة أمور :
    الأمر الأول أن المندوب الذي حصل الهم بفعله والهم أي العزم فهذا لا يأخذ حكم الواجب أو اللازم بالاتفاق أي لا يلزم إتمامه بالاتفاق ومثلوا لهذا بالصدقة المتطوع بها فلو أن شخص هم أو عزم التطوع بالصدقة ولم يفعل فإنه لا يأثم على ذلك ولا يكون همه وعزمه على فعل المندوب ملزماً له بإتمامه بعد ذلك .
    الأمر الثاني أن المندوب إذا كان يقبل التجزئة ثم حصل الشروع فيه فإنه أيضاً لا يأخذ حكم الواجب هنا بل يجوز قطعه وعدم الاستمرار فيه ولا يلزم إتمامه بعد ذلك ولا يلزم قضائه ومثل لهذا مثلاً بقراءة القرآن أو الأذكار فلو أن إنسان شرع في قراءة آيات أو أنه شرع في ذكر أذكار معينة ثم طرأ عليه ما يقطع عمله هذا الذي يعتبر عملاً مندوباً فإنه لا يلزمه بعد ذلك قضاءه ولا يأثم بقطعه في هذه الحالة لأن المندوب في هذه الحالة مما يقبل التجزئة بمعنى أن مثلاً من قرأ آية من كتاب الله صدق عليه أنه قد قرأ من القرآن ومن جاء بالأذكار صدق عليه أنه جاء ببعض الأذكار وهكذا .
    الأمر الثالث ما ورد بشأنه دليل خاص يدل على أن المندوب المشروع فيه يكون لازماً فإن هذا يتبع فيه الدليل نأخذ بذلك مثلاً الحج والعمرة النافلة فهذه إذا شرع فيها المرء يلزمه إتمامها وإذا قطعها يلزمه قضاؤها لأنه ورد فيها دليل خاص يدل على وجوب إتمامها بعد الشروع فيها وهو قوله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ) وفي مقابل ذلك ما ورد بشأنه دليل خاص من المندوبات يدل على أن المندوب لا يأخذ حكم الواجب ولا يعطى حكم الواجب ولا يكون لازماً بعد الشروع فيه ، فهذا لا يأخذ حكم الواجب ولا يعطى حكم الواجب ولا يلزم بعد الشروع فيه ومثلوا لذلك مثلاً بالصوم فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوي صوم التطوع ثم يفطر كما في صحيح مسلم وغيره أنه كان صلى الله عليه وسلم ينوي صوم التطوع ثم يفطر وسيأتي لهذا الحديث تفصيل أكثر في الاستدلال بالمذاهب في المسألة ، فهذا أيضاً ورد بشأنه دليل خاص ومعنى هذا أنه يجوز للمرء أن يدخل في صوم التطوع وإذا طرأ عليه طارئ أن يقطع هذا الصوم بدليل ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المقام .

    فهذه المسائل كلها تخرج من محل النزاع في المسألة فنتج من ذلك أن محل النزاع في المسألة هو المندوب المشروع في فعله وهو مما لا يقبل التجزئة ولم يرد دليل على إلحاقه بالواجب أو عدم إلحاقه بالواجب فهل يكون واجباً بعد الشروع فيه ويلزم إتمامه بعد الشروع فيه وإذا قطعه المرء يلزمه قضاؤه بعد ذلك أو لا يلزم هذا الأمر؟
    هذا إذن محل الخلاف في المندوب الذي حصل الشروع فيه وهو مما لا يقبل التجزئة وليس هناك دليل خاص يدل على أنه يلزم بعد الشروع فيه وأيضاً ليس هناك دليل خاص يدل على أنه لا يلزم بعد الشروع فيه فهذا هل يلزم يكون لازماً يلزم إتمامه وإذا قطعه المرء يكون مكلفاً بقضائه بعد ذلك ، هذا هو محل الخلاف وخلاف العلماء هنا في المشهور هو خلاف على قولين مشهورين في المسألة .
    القول الأول : أن المندوب الذي شرع فيه الإنسان لا يكون لازماً ولا يعطى حكم الواجب
    القول الثاني: أن المندوب يلزم بعد الشروع فيه أي أن يكون لازماً وواجباً بعد الشروع فيه
    وهناك قول ثالث في المسألة وهو رواية عند الإمام احمد وهو أن المندوب يلزم بالشروع فيه إذا كان صلاة فقط وحجة هذه الرواية أن الصلاة عبادة ذات إحلال وإحرام فيجب إتمامها كالحج المندوب وهذا قياس مع الفارق لأن الحج قد ورد بشأنه دليل خاص فلا يسوغ إلحاق الصلاة به في هذا المقا
    القول الأول : أن المندوب الذي شرع فيه الإنسان لا يكون لازماً ولا يعطى حكم الواجب
    وبعبارة أخرى لا يلزم بالشروع فيه هذا القول الأول وكما قلنا المندوب هنا الذي لا يقبل التجزئة وأيضاً لا يوجد دليل خاص يدل على وجوب المضي فيه أو جواز قطعه ومعنى هذا أن المكلف إذا شرع في مندوب فإنه يجوز له تركه متى ما شاء فهو مخير بين قطعه وبين إتمامه لكن يستحب له الإتمام لما فيه من الثواب فإن قطعه فلا إثم عليه ولا قضاء عليه ، وهذا القول قول الشافعية والحنابلة وطبعاً هو في الأصل رواية عن الإمام أحمد وأيضاً هو قول للشافعية في هذه المسألة ، وأدلة القول الأول على النحو التالي :
    الدليل الأول : قوله صلى الله عليه وسلم : ( الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ) فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا أجاز قطع صيام النفل بدون إثم ولا قضاء فيدل على أن المندوب لا يلزم بعد الشروع فيه ، ويعتبر هذا القول خارج محل النزاع لأننا بينا أن الصوم ورد دليل خاص بجواز قطعه لكن الذين قالوا بهذا القول لم يقصروه على الصيام بل عمموه على المندوبات الأخرى فالحقوا المندوبات الأخرى على الصيام قياساً عليه .
    الدليل الثاني : ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوى صوم التطوع ثم يفطر وهذا أيضاً دليل واضح على أن المندوب لا يلزم بعد الشروع فيه وهذا كما قلنا خاص بالصوم والصوم ورد دليل خاص بجواز قطعه لكن أصحاب هذا القول قالوا إنه يلحق به غيره من المندوبات .
    الدليل الثالث : ما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: (يا عائشة هل عندكم شئ؟ فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء فقال: فإني صائم قالت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهديت لنا هدية ثم عاد فقلت: لقد خبأت لك شيئا قال: ما هو قلت: حيس قال: ها تيه فجئت به فأكل ثم قال: كنت أصبحت صائماً )
    وجه الدلالة/ أنه لو كان إتمام الصوم واجباً وهو من المندوب هنا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه قطعه ولم يتمه فدل هذا على أن المندوب لا يلزم بعد الشروع فيه وأيضاً هذا دليل خاص بالصوم وهو خارج محل النزاع لكن أصحاب هذا القول ألحقوا بالصوم غيره من المندوبات .
    الدليل الرابع : على هذه المسألة أنه هناك إجماع سكوتي من الصحابة رضوان الله عليهم حيث أن مثلاً أبا الدرداء وأبا طلحه وأبا هريرة وابن عباس وحذيفة رضي الله عنهم جميعاً كانوا يصومون تطوعا ثم يقطعون ذلك من غير إنكار من بقية الصحابة فيكون هذا إجماع سكوتي على أن المندوب لا يلزم بعد الشروع فيه فلو أنكر عليهم بعض الصحابة لنقل ذلك إلينا فلما لم ينقل إلينا دل على جواز قطع المندوب بعد الشروع فيه وعلى كل حال هذا دليل خاص بالصوم ولكن أصحاب هذا القول يلحقون به غيره من المندوبات .
    الدليل الخامس : في هذه المسألة قالوا إن آخر المندوب يعد من جنس أوله ولا فرق بينهما فكما أن المكلف مخير ابتداءً في فعل المندوب كذلك هو مخير في إتمامه انتهاءً فحاصل الكلام هنا إنهم يقيسون حالة الانتهاء على حالة الابتداء فيقولون إنه ما دام مخيراً في فعله ابتداءً فهو مخير في فعله انتهاءً ، قالوا ولا يصير المندوب لازماً بعد الشروع فيه لأن حقيقة الشيء لا تتغير بمجرد الشروع .
    هذا مايتعلق بأدلة أصحاب القول الأول القائلين بأن المندوب لا يلزم بعد الشروع فيه أو لا يلزم بالشروع فيه.

    القول الثاني: أن المندوب يلزم بعد الشروع فيه أي أن يكون لازماً وواجباً بعد الشروع فيه
    فمعناه أنه إذا شرع المكلف في فعل مندوب فإنه يجب عليه المضي فيه وإتمامه وهذا القول ذهب إليه أكثر الحنفية وأكثر المالكية على تفصيل بينهم:
    فالحنفية ذهبوا إلى أن المكلف إذا شرع في أداء المندوب فيجب عليه إتمامه فإذا خرج منه لعذر لزمه القضاء ولا إثم عليه وإن خرج منه لغير عذر لزمه القضاء وعليه إثم وهذا عندهم في جميع المندوبات .
    أما المالكية فذهبوا إلى أنه يجب الإتمام إذا شرع في المندوب فإن خرج منه لغير عذر فعليه القضاء فقط وإن خرج بعذر فلا قضاء عليه وهذا عندهم في سبع مندوبات هي الحج المندوب والعمرة المندوبة وهذا كما قلنا خارج محل النزاع أصلاً وطواف التطوع والصلاة المندوبة والصوم المندوب و كما قلنا الصوم المندوب خارج محل النزاع والإتمام فمن صلى جماعة امتنع أن يفارق الإمام وأيضاَ الاعتكاف فمن نوى الاعتكاف عشرة أيام مثلاً وجب عليه إكمالها إذا شرع فيها هذا كما قلنا عند المالكية ، أما ما عدا ذلك من المندوبات عند المالكية فيجوز عندهم أن يقطعها إذا دخل فيها.

    استدل أصحاب هذا القول بـأدلة منها :
    الدليل الأول : على أن المندوب يلزم إذا شرع فيه المكلف استدلوا بقوله تعالى ( ولا تبطلوا أعمالكم ) ووجه الدلالة أن الله سبحانه تعالى نهى عن إبطال الأعمال مطلقاً وهذا يعم الأعمال الواجبة والأعمال المندوبة والنهي يدل على التحريم فيكون إبطال هذه الأعمال حراماً وترك الحرام واجب فيكون إتمام ما شرعنا فيه من المندوبات واجبا هذا ما يتعلق بالدليل الأول من هذا القول
    ويمكن أن يناقش هذا الدليل أن هذه الآية خاصة في إبطال الأعمال بالردة بدليل سياق هذه الآية فإنه قد ورد قبل هذه الآية قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم * يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ فقالوا إن هذه الآية خاصة بالردة بإبطال الأعمال بالردة وليس بإبطالها بقطعها بعد الشروع فيها ويمكن أن يضاف الجواب عن ذلك بأن هذه الآية كما قال بعضهم خاصة بإبطال الأعمال بالرياء وهذا رأى ابن عباس كما نقل بعض المفسرين عنه ، فتكون الآية خاصة بقطع الأعمال بالرياء وليس قطع الأعمال خاصة في المندوبات بطريق قطعها بعد الشروع فيها .
    الدليل الثاني : ما روى عن عائشة رضي الله عنها قالت ( أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا حيس فأفطرنا ثم سألنا رسول الله عليه الصلاة والسلام عن ذلك فقال اقضيا يوما مكانه)
    ووجه الدلالة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أوجب أن تقضيا عائشة وحفصة رضي الله عنهما يوما مكان اليوم الذي أفطرتا فيه فإنه يشير إلى أن المندوب يلزم بعد الشروع فيه
    ويجاب عن هذا الحديث من حيث إسناده ومن حيث متنه من حيث الإسناد قيل إنه مرسل وضعيف كما ورد عن كثير من علماء الحديث ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في فتح الباري وأيضاً قال الترمذي فيه مقال وقال أبو داود أيضاً لا يثبت فإذا كان هذا كذلك لا يصح الاحتجاج به في هذا المقام ، ويجاب عنه من حيث متنه بأنه على فرض صحته فإن الأمر في قوله اقضيا يحمل على الندب لا على الوجوب والقرينة الصارفة هي الأحاديث التي وردت عند أصحاب القول الأول .
    الدليل الثالث: قالوا إن المندوب يلزم بعد الشروع فيه قياساً على المندوب المنذور فكما أن المنذور إذا نذره الإنسان لزمه فعله وصار لله تعالى فإنه يلزم كذلك المندوب المشروع فيه ، وقالوا بل إن المندوب المشروع فيه يكون إتمامه وقضاؤه من باب أولى من المندوب المنذور لأن المندوب المنذور صار لله تعالى بطريق القول والمندوب المشروع فيه صار حقاً لله تعالى عن طريق الفعل وما صار حقاً لله بطريق الفعل أقوى مما صار حقاً لله تعالى بطريق القول فيكون إتمام المندوب المشروع فيه أولى من إتمام المندوب المنذور
    والجواب عن هذا أن هذا قياس فاسد لأنه قياس مع الفارق حيث إننا نتكلم عن المندوب المطلق أما المندوب المنذور فإنه مقيد بالنذر فالناذر أوجب على نفسه فعل ذلك فهو خارج محل النزاع .
    الدليل الرابع : لأصحاب هذا القول في هذه المسألة قالوا إن المندوب قد صار طاعة وحقا لله تعالى فينبغي إتمامه صيانة لحق الله تعالى .
    الدليل الخامس : قالوا إن الحج والعمرة المندوبة يجب بالشروع فيها فكذلك أي نفل يشرع فيه يجب إتمامه ولا فرق والجامع أن كل من الحج والعمرة وغيرهما يطلق عليه اسم المندوب ويجاب عن هذا أن هذا قياس فاسد لأنه قياس مع الفارق لأن نفل الحج والعمرة قد ورد بشأنهما نص خاص وهو قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله ) فيكون خارج محل النزاع في المسألة ، طبعاً هذا حاصل القولين في هذه المسألة.

    وهناك قول ثالث في المسألة وهو رواية عند الإمام احمد وهو أن المندوب يلزم بالشروع فيه إذا كان صلاة فقط وحجة هذه الرواية أن الصلاة عبادة ذات إحلال وإحرام فيجب إتمامها كالحج المندوب وهذا قياس مع الفارق لأن الحج قد ورد بشأنه دليل خاص فلا يسوغ إلحاق الصلاة به في هذا المقام .
    والذي يترجح في هذا المقام والله تعالى أعلم أن المندوب يلزم بالشروع فيه إلا انه يستثنى من ذلك صوم التطوع فلا يلزم إتمامه بل يجوز قطعه ولا يلزم قضائه
    ووجه ترجيح هذا القول: أن فيه جمعاً بين الأدلة فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قطع صوم التطوع كما سبق وذكرنا وهو في صحيح مسلم ولا معارض لهذا الحديث لقوته فلا يلزم إذن إتمام صوم التطوع دون غيره من المندوبات والنوافل فيلزم إتمامها وذلك لأن وقت الصوم طويل فقد يعرض للصائم في النهار ما يرجح فطره على صومه كضيافة ومؤانسة ضيف ونحو ذلك فيبقى إتمامه مندوبا بخلاف غير الصوم كالصلاة مثلا فان وقتها قصير فبإمكان المكلف أن يتنفل وينتهي منها في دقائق معدودة ولا يقاس غير الصوم عليه لأن حكم الصوم ثبت على خلاف القياس وما ثبت على خلاف القياس لا يقاس عليه .
    ومن أوجه الترجيح للقول الذي ذكرناه في الجمع بين هذه الأقوال أن هذا أحوط في باب العبادات فإن في إتمام المندوبات حفظ لحق الله عز وجل واحترام للعبادة نفسها ولكن كما قلنا يجدر التفريق بين ما كان قابل للتجزئة وما ليس قابل للتجزئة فما كان قابل للتجزئة لا يلزم إتمامه وما ليس قابل للتجزئة يلزم إتمامه .

    أما ثمرة الخلاف في هذه المسألة ونوع الخلاف : فهذا خلاف معنوي في هذه المسألة فإنه قد أثر في الفروع الفقهية فمن دخل مثلاً في نافلة من النوافل أو مندوب من المندوبات سواء كان في الصوم أو في الصلاة ونحو ذلك فعند
    أصحاب القول الأول يجوز له قطع ذلك سواء كان بعذر أو بدون عذر لا شئ عليه أما عند الحنفية
    وأصحاب المذهب الثاني فانه إذا قطع ما دخل فيه من النافلة فانه ينظر إن كان قد قطع النافلة بعذر فعليه القضاء ولا إثم عليه وإن كان قد قطع النافلة بغير عذر فعليه القضاء وعليه الإثم أيضاً وعند المالكية وكما قلنا هم من أصحاب القول الثاني يقولون إذا قطع ما دخل فيه من المندوب فإنه ينظر إن كان قطعها بعذر فلا قضاء عليه وإن قطعها بغير عذر فعليه القضاء ، والخلاف هنا له ثمره في الواقع الفقهي ينبني عليه قضاء المندوب بعد قطعه يلزم قضاؤه أو لا يلزم فينبني عليه الخلاف الذي ذكرناه آنفا ، هذا ما يتعلق بمسألة المندوب هل يلزم بالشروع فيه ؟


    المسألة الرابعة : لزوم المندوب في حالات أخرى :
    وهي مسألة متعلقة بحالات كما بينا في المسألة الرابعة لزوم المندوب في حالات أخرى يعنى هل هناك حالات أخرى يلزم فيها المندوب نعم هناك حالات أخرى يلزم فيها المندوب ذكرها بعض العلماء فمثلاً :
     يلزم بالنذر فلو نذر إنسان على نفسه فعل مندوب من المندوبات فإنه يصبح واجباً ويلزمه فعله ويعاقب على تركه فيأخذ حكم الواجب.
     قال بعضهم أيضاً أن المندوب يلزم إذا أمر به الإمام ويصبح واجباً .
    وهنا وقف العلماء من هذه المسألة الوقفة قالوا نفرِّق وهو الذي يترجح بإذن الله تعالى
    وهو إنه إذا كان الذي أمر به الإمام من الشعائر الظاهرة فإنه يجب إذا أمر به الإمام ومثلوا لهذا الخروج لصلاه الاستسقاء ، وإذا كان من الشعائر الخفية فإنه لا يلزم إذا أمر به الإمام ولا يكون واجباً إنما يكون مستحباً فعله يبقى على أصله الاستحباب ومثلوا لهذا الأمر بالصدقة أو الأمر بالصوم كأن يأمر الإمام بصوم تطوع أو صدقه فهذه من الشعائر الخفية التي لا يلزم المرء على فعلها بأمر الإمام بها والحاصل أن الراجح هو التفريق بين المندوب الذي أمر به الإمام هل هو من الشعائر الظاهرة التي تلزم أم من الشعائر الخفية التي لا تلزم هذا فيما يتعلق بالمسألة الرابعة .

    المسألة الخامسة : كون المندوب من أحكام التكليف :
    يعنى هل يعد المندوب من قبيل أحكام التكليف أو لا يعد ، الحقيقة هذه المسألة محل كلام بين الأصوليين في هذا فإنه جرى كثير من الأصوليين على أن هذه المسألة فيها خلاف وحصروا الخلاف بين الجمهور من جهة وبين الإسفراييني من جهة أخرى وهو من علماء الشافعية
    فالجمهور يقولون المندوب ليس فيه تكليف وينسبون إلى أبي إسحاق الاسفراييني أنه يقول إن المندوب فيه تكليف وهو من أحكام التكليف ، وهناك عدد غير قليل من الشافعية يثبتون أن المندوب من أحكام التكليف ومن هؤلاء الزركشي كما انه أيضاً قول عدد من العلماء من الحنابلة كالفتوحي في شرح الكوكب المنير نقل عن أبي إسحاق الاسفراييني والقاضي أبي بكر الباقلاني وابن عقيل وابن قدامة والطوفي وابن قاضي الجبل رحمهم الله أنهم يقولون إن المندوب من أحكام التكليف وفيه تكليف فمعنى هذا أن ليس أبي إسحاق الاسفراييني هو وحده الذي يقول بهذا .
    والجمهور القائلين أن المندوب ليس من أحكام التكليف يقولون إن التكليف هو ما فيه كلفة ومشقة والمندوب مساو للمباح في التخيير بين الفعل والترك مع غير حرج مع زيادة الثواب مع الفعل فالمباح ليس من أحكام التكليف فيكون المندوب من باب أولى فهو ليس من أحكام التكليف ، من يقول إن المندوب من أحكام التكليف كالذي نسب إلى أبي إسحاق الاسفراييني وغيره من العلماء قالوا إن المندوب لا يخلوا عن كلفة ومشقة في فعله فلا يخلو من التكليف وسبب الخلاف في هذه المسألة أن الزركشي أعاد الخلاف في هذه المسألة إلى الخلاف في تعريف التكليف فمن قال إن التكليف هو الأمر بما فيه كلفة أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة فإنه يعد الندب والكراهة مثلاً من أحكام التكليف ، ومن عرف التكليف أنه إلزام ما فيه كلفة أخرج الندب والكراهة عن التكليف إذ لا إلزام في طلب الندب والكراهة وهذا كما قال قول إمام الحرمين ، الحق حقيقة مع ما ذكره الزركشي في هذه المسألة من تعليل الخلاف ونوعه فالخلاف فيها لفظي لا أثر له يترتب عليه في هذا المقام لأن كلا الطرفين متفقين على أن المندوب مطلوب إلا إن أحدهما رفع عنه اسم التكليف لعدم الإلزام في طلبه والآخر أثبت أنه من أحكام التكليف لوجود الكلفة والمشقة في امتثاله ، علما بأن ما جرى عليه جمهور الأصوليين القائلين بالقول الأول من تأويلهم لكلام الأستاذ أبي إسحاق الاسفراييني الذي جعلوه طرفاً في المسألة مقابلاً للجمهور قالوا بأنه أراد بقوله أنه من أحكام التكليف قالوا باعتبار وجوب اعتقاد كونه مندوباً ، والحقيقة أنه لا حاجة لهذا التأويل فالصحيح أن التعليل لوجود الكلفة والمشقة في المندوب هو الصواب هنا في تعليل كون المندوب من أحكام التكليف وليس كما ذكر جمهور الأصوليين في تعليلهم لكلام أبي إسحاق الاسفراييني بأنه قال أنه من أحكام التكليف باعتبار وجوب اعتقاد كونه مندوبا ، بل الصحيح في تعليل كلام أبي إسحاق أن نقول أنه أراد بكون المندوب من أحكام التكليف أراد بأن المندوب لا يخلو من كلفة ومشقة فهذا هو الصحيح في تعليل كون المندوب من أحكام التكليف بل إن الفتوحي من الحنابلة يقول في تعليل ذلك أن المندوب أحيانا قد يكون أشق من الواجب فهذا هو الظاهر لأن المندوبات في امتثالها قد يكون أحيانا مشقة على النفس أكثر من امتثالها الواجبات وعلى هذا يكون تعليل من قال إن المندوب من أحكام التكليف يقصد بذلك أن في فعله وامتثاله مشقة والتكليف لا يخلو من مشقة فعلى هذا فإن المندوب من أحكام التكليف ، وقد بينا وجهة نظر الجمهور القائلين بأن المندوب ليس داخلاً في أحكام التكليف لأنهم ينفون عنه الكلفة والمشقة فحصل أن الخلاف بينهم هل في المندوب كلفة فإن كان فيه كلفة ومشقه فهو من أحكام التكليف وإن قلنا ليس فيه كلفة فليس من أحكام التكليف والخلاف كما نبهنا ليس بين أبي إسحاق الاسفراييني والجمهور ولكن أيضاً مع أبي إسحاق علماء آخرون من علماء أصول الفقه أيضاً يقولون المندوب من أحكام التكليف كما قلنا عن أبي بكر الباقلاني وابن عقيل وابن قدامة والطوفي وابن قاضي الجبل وغيرهم وبختام القول على هذه المسألة نختم الكلام على مسألة المندوب هل هو من أحكام التكليف.


    الحكم التكليفي الثالث : المباح
    كلامنا في هذه الحلقة عن قسم آخر من أقسام الحكم التكليفي فقد ختمنا الكلام في الحلقة الثامنة عشرة عن القسم الثاني من أقسام الحكم التكليفي وهو المندوب ، وكان آخر كلامنا عن المندوب هل هو من أحكام التكليف. وفي هذه الحلقة ننتقل إلى الكلام
    عن قسم ثالث من أقسام الحكم التكليفي وهو المباح

    *حقيقته و إطلاقاته وصيغه وأساليبه وأقسامه وكونه حكما شرعيا.
    أولا: حقيقة المباح

    س------ عرف المباح لغة؟ وعلى ماذا يطلق؟
    ج---- المباح لغة: اسم مفعول مشتق من الإباحة وهو يطلق في عدة إطلاقات منها:
    يطلق على الإظهار والإعلام يقال باح سره أي أظهره وأعلنه ، ويراد به أيضاً: الإطلاق والإذن يقال أباح الرجل الأكل من بستانه يعني أطلق وأذن الأكل منه ، وهذا المعنى الثاني هو أقرب المعاني اللغوية لمعنى المباح في الاصطلاح لأن المباح في الاصطلاح حاصله إذن وإطلاق .

    س---- عرف المباح شرعا؟
    ج----- اصطلاحاً: هناك تعريفات كثيرة تتحد في المعنى والاختلافات بينها يسيره.
    اصطلاحاً هو :ما أذن الله تعالى للمكلفين في فعله وتركه مطلقا من غير مدح ولاذم في أحد طرفيه لذاته.

    س- -- اشرح التعريف السابق ؟
    ج---- قولنا ما أذن الله تعالى : يعني أنه قد صدر إذن من الله تعالى وهو الشارع الحكيم
    ، وقولنا ما أذن الله تعالى فيه هو في معنى ما يذكره بعض الأصوليين في قولهم في تعريف المباح ما خير الله المكلف في فعله وتركه ، فقولهم ما خير الله هو مساوي هنا ما أذن الله تعالى للمكلفين في فعله.
    وقولنا للمكلفين: جمع مكلف والمكلف هو البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب الشرعي وسنتكلم عن تعريفه لاحقاً.
    يخرج بقولنا: للمكلفين الصبي والمجنون والساهي والنائم والبهيمة فأفعال هؤلاء ليست مباحة ، فلو فعل شخص أثناء صباه فعلاً أو فعل فعلاً في أثناء سهوه أو نومه أو البهيمة أتلفت شيئا لا توصف أفعالهم بالإباحة لعدم التكليف في حقهم .
    وقولنا مطلقاً : أي من غير بدل، فيخرج بهذا الواجب الموسع والواجب المخير
    فالواجب المخير المكلف مخير فيه بين أن يفعل خصلة من الخصال المخير بينها مثل كفارة اليمين من غير ذم ولا مدح لو ترك الباقي ، فالمكلف مخير فلا يترك خصلة إلا إذا كان عازما على فعل خصلة أخرى من الخصال مثلاً : كفارة اليمين فإذن الترك في الواجب المخير مشروط بفعل البدل وكذلك في الواجب الموسع. فيمكن للمرء أن يفعل الواجب في أول الوقت وفي وسطه وفي آخره وهذا الفعل إذا ترك الفعل في أول الوقت فهو لابد أن يعزم على فعله في وسطه ، فإن تركه في وسط الوقت فلابد أن يعزم على فعله في آخره فترك الفعل في الواجب الموسع مشروط بالعزم على فعل البدل . أما في المباح فنحن قلنا في فعله وتركه مطلقا يعني من غير بدل فقد يترك المباح ولا يكون هناك بدل ولا إثم في ذلك فالمباح يختلف عن الواجب الموسع والواجب المخير من حيث أن الواجب الموسع والواجب المخير تركه لابد أن يكون إلى بدل وأما المباح فإن تركه لا يشترط أن يكون إلى بدل.
    فمعنى قولنا مطلقا: يعني أن الترك لا يشترط له أن يكون إلى بدل بل هو ترك مطلق.
    وقولنا من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه : معناه أن التارك لا يذم ولا يمدح والفاعل لا يمدح ولا يذم ، فالفعل والترك وهما الطرفان متساويان عند الشارع وهذا القيد يُخرج الأحكام التكليفية الأربعة :
    فيخرج الواجب لأن الواجب يتعلق بفعله مدح وبتركه ذم ويخرج المندوب لأن المندوب يتعلق بفعله مدح ولا يتعلق بتركه ذم.
    ويخرج الحرام لأن الحرام يتعلق بتركه مدح ويتعلق بفعله ذم ،ويخرج المكروه لأن المكروه يتعلق بتركه مدح وإن كان لا يتعلق بفعله ذم .
    وقولنا في آخر التعريف لذاته : أي أن تارك المباح أو فاعله لا يذم ولا يمدح لذات المباح من غير اعتبارات أخرى فيخرج بهذا القيد المباح الذي يترك به واجبا فإنه يذم فاعل المباح ويمدح تاركه ولكن ليس لذات المباح وإنما لكونه يترتب عليه فعل الواجب ، ويُخرج المباح الذي يستعان به على فعل الواجب فإنه يمدح فاعله ويذم تاركه ولكن ليس لذات المباح ولكن لاعتبارات أخرى وهي كونه وسيلة إلى فعل الواجب . وهذا التعريف هو المقبول هنا.

    س------ هناك تعريفات أخرى منها, أذكر هذه التعاريف؟
    ج------ قولهم : (ما خلا من مدح وذم لذاته) .
    وقولهم : (ما استوى جانباه في الثواب والعقاب) .
    وقولهم : (ما خير المرء بين فعله وتركه شرعا) .

    س----- أذكر تعريف الآمدي والزركشي للمباح شرعا؟
    ج---- الآمدي : (ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل) .
    الزركشي: (ما أذن في فعله وتركه من حيث هو ترك له من غير تخصيص أحدهما في اقتضاء مدح أو ذم ) .

    س---- المباح له تسميات منه أذكرها؟
    ج---- الحلال، الجائز فهي ألفاظ مترادفة شرعا.

    إطلاقات المباح:
    س----- المباح في اصطلاحات العلماء من أصوليين وفقهاء فيطلقون المباح ويقصدون به معان معينة , أذكرها؟
    ج------
    في الإطلاق الأول/ يقصدون به المأذون و الجائز
    وهو إطلاق عام قد يراد المباح الذي هو موضوع بحثنا ، ويمكن أن يراد به ما يقابل الممنوع والمحذور فيدخل في ذلك الواجب والمندوب باعتبار أن كل منهما مأذون بفعله فإذا أطلق لفظ المأذون والجائز قد يدخل فيه الواجب وقد يدخل فيه المندوب باعتبار أن كل منهما مأذون وجائز فعله كما يدخل فيه المباح .
    الإطلاق الثاني / يطلقون المباح على ما سكت عنه الشرع
    ولم يظهر فيه حكم خاص وذلك كما سيأتي بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وبعضهم يخصص هذا الإطلاق بلفظ العفو فيقولون أن العفو ما سكت عنه الشرع ولم يظهر فيه حكم خاص وبعضهم يجعله هذا المعنى شاملا أيضاً للمباح.
    الإطلاق الثالث/ يطلقون المباح على ما صرح الشارع فيه بالتسوية بن الفعل والترك
    مثل قوله عليه الصلاة والسلام للمسافر (إن شئت فصم وإن شئت فأفطر) وهذا الإطلاق - التسوية بيت الفعل والترك- هو محل المراد بالمباح في مبحثنا في أصول الفقه فنريد بالمباح هنا بالإطلاق الثالث لكن لابد أن نتنبه إلى أن هناك إطلاقات أخرى للمباح حتى نجمع عبارات العلماء في هذا المقام.

    صيغ المباح وأساليبه وكيفية معرفته :
    فهناك صيغ وأساليب للمباح تساعد على كيفية معرفة أن هذا الحكم مباح يستعين بها الفقيه على معرفة الحكم، وننبه هنا إلى أن الشارع لم يستعمل لفظ المباح لا في القرآن ولا في السنة إنما استعمل ألفاظ أخرى تدل على معنى المباح فهناك صيغ وأساليب تدل على حكم الإباحة منها:

    س---- تكلم عن الصيغة الأولى؟
    ج----- أولا : استعمال لفظ الحلال
    وما اشتق منه فإذا سمعنا كلمة حلال أو أُحل أو يحل أو أحللنا أو نحو ذلك فنفهم منها الإباحة أو أن هذا فعل مباح بمعني انه يجوز فعله ويجوز تركه على السواء في هذا المقام مثل قوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث على نسائكم" وقوله أيضاً (وأحل لكم ما وراء ذلكم " فلفظ أحل هنا مقصود به الحلال يعني المباح.

    س---- تكلم عن الصيغة الثانية؟
    ج----- الصيغة الثانية: لفظ لا جناح فإذا ورد في الشرع نعلم أنه هذا الحكم مباح من ذلك قوله تعالى (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) وقوله (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) فهذا كلها تدل على أن المراد بذلك الإباحة وان هذه الأحكام مباحة.

    س---- تكلم عن الصيغة الثالثة؟
    ج---- الصيغة الثالثة: لفظ لا حرج فإنه يدل على أن هذا الحكم مباح قوله تعالى (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج" وقول الرسول عليه الصلاة والسلام في أفعال الحج ( افعل ولا حرج) إلا أن هذه الصيغة الثالثة لا تؤخذ على الإباحة على الإطلاق ولذلك يقول الإمام الشاطبي فإذا قال الشارع في أمر واقع لا حرج فيه فلا يؤخذ منه حكم الإباحة إذ قد يكون كذلك وقد يكون مكروها ، فإن المكروه بعد الوقوع لا حرج فيه فليتفقد هذا في الأدلة فالمقصود في هذا أنه ينبغي عند سماع لا حرج في ألفاظ الشرع فإننا يجب نتنبه إلى أن هذا الحكم مباح أو أنه مطلق على أمر واقع مكروه ووقع وأطلق الشرع على انه لا حرج فيه فينبغي أن نعود إلى حكمه الأصلي وهو أن حكمه مكروه .

    س---- تكلم عن الصيغة الرابعة؟
    ج----- الصيغة الرابعة: صيغة الأمر التي جاءت معها قرينة تدل على أن هذا الحكم للإباحة تصرِفُه عن الوجوب والندب إلى الإباحة، لأن صيغ المباحات ترد بألفاظ أوامر وهذا الأوامر يحتمل أن تكون للوجوب ويحتمل أن تكون للندب فإذا وردت معها صيغ تصرفها عن الوجوب و الندب إلى الإباحة فإنها تحمل على ذلك فمن ذلك قول الله تعالى (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر" فإن القرينة هنا دلت على أن الأمر للإباحة لقوله "فالآن باشروهن" وقوله "وكلوا واشربوا" في ليالي رمضان فهنا الأمر للإباحة ليس للوجوب ولا للندب والدليل على هذا أن هناك قرينة يذكرها العلماء يقولون أن الأمر إذا ورد بعد الحضر يكون للإباحة فنحن نعلم أنه في أول التشريع كان قضية مباشرة النساء والأكل والشرب فمن نام بعد صلاة المغرب فإنه لا يسوغ له الأكل والشرب في ليلة الصيام فشق ذلك على المسلمين فأباح الله لهم الأكل والشرب ومباشرة نساءهم في ليالي رمضان فورد أمر بعد تحريم فيكون للإباحة .

    س---- تكلم عن الصيغة الخامسة؟
    ج---- الصيغة الخامسة: وهي نفي الإثم والمؤاخذة، فإذا نفي الله تعالى الإثم عن أمر أو نفى المؤاخذة عليه كما في شأن المحرمات من المأكولات والمطعومات +فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه" فقوله "فلا إثم علي" دليل على إباحة الأكل في حال الضرورة.



    س---- ما أقسام المباح؟
    ج----- جمهور الأصوليين لم يتعرضوا لأقسام المباح ، إنما الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات في أصول الشريعة قسّم المباح من حيث الكلية والجزئية وهذه الأقسام استفاد منها في معرفة حكم المباح.
    فقسمها أربعة أقسام من حيث الكلية والجزئية :
    القسم الأول : مباح بالجزء مطلوب بالكل على جهة الوجوب .
    القسم الثاني : مباح بالجزء مطلوب بالكل على جهة الندب .
    القسم الثالث: مباح بالجزء منهي عنه بالكل على جهة التحريم .
    القسم الرابع : مباح بالجزء منهي عنه بالكل على جهة الكراهة .

    س--- تكلم عن القسم الأول؟
    القسم الأول مباح بالجزء مطلوب بالكل على جهة الوجوب:
    ج----- مثّل له الشاطبي بالأكل والشرب ومعاشرة الزوجة والبيع والشراء وما أشبه ذلك فإن هذه الأمور وان كانت مباحة بالجزء بمعنى أن لكل فرد الحق في أن يأكل أو يشرب أو يخالط زوجته أو لا يعمل هذه في الجملة فإنها واجب فعلها بالكل بمعنى أن امتناع الشخص عن هذه الأشياء جملة واحدة بشكل دائم حرام لما في ذلك من الإهلاك والإضرار وكذلك البيع والشراء وغيرهما من المعاملات فإن تركها كلها دائما حرام لما يترتب على ذلك من الضرر فهي مباحة بالجزء مطلوبة بالكل على جهة الإيجاب .

    س--- تكلم عن القسم الثاني؟
    ج---- القسم الثاني :مباح بالجزء مطلوب بالكل على جهة الندب :
    فمثّل له بالتمتع الزائد عن الحاجة من المأكل والمشرب والملبس فهذه الأمور مباحة بالجزء مندوبة بالكل لما ورد عن النبي ×: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) وقوله (فمن رغب عن سنتي فليس مني).

    س----تكلم عن القسم الثالث؟
    القسم الثالث مباح بالجزء منهي عنه بالكل على جهة التحريم:
    ج---- فمثل له بالمباحات التي تقدح المداومة عليها في العدالة فيخرج صاحبها بالمداومة عليها إلى ما يخالف هيئات أهل العدالة ويشبه الفساق وإن لم يكن منهم فهذه تعتبر مباحة بالجزء منهي عنه بالكل على جهة التحريم.

    س----تكلم عن القسم الرابع؟
    القسم الرابع : مباح بالجزء منهي عنه بالكل على جهة الكراهة :
    ج---- فمثل له بالتنـزه في البساتين وسماع تغريد الطيور ونحو ذلك فان هذه الأشياء مباحة بالجزء فإذا فعلها الإنسان مرة من المرات أو في حالة من الحالات فلا حرج عليه بخلاف إذا ما إذا فعلها دائماً فإنها تكون مكروهة فهذا من قبيل مباح بالجزء المنهي عنه على سبيل الكراهة بطريق الكل .

    وقد اعتمدنا هنا تقسيم الشاطبي لما فيه من تفصيل وتوضيح للمباح . إذ إن حُكمُه الذي ينصرف إليه الذهن عند إطلاق لفظ الإباحة هي الإباحة مطلقا جواز الفعل مطلقا وجواز الترك مطلقا لكن الأمر ليس كذالك إذا نظرنا إلى هذه الأقسام الأربعة ،
    فبحث هذه الأقسام الأربعة فبحث هذه الأقسام الأربعة يغنينا بحث حكم المباح إذ يمكننا أن نعنون لها بأحكام المباح فعندما نقول ما حكم المباح؟
    نقول المباح لا يخلو من أن يكون أحد هذه الأقسام الأربعة ومن خلالها نتوصل إلى حكم المباح .


    مسألة كون المباح حكماً شرعياً :
    س----- وهنا اختلف العلماء هل المباح حكم شرعي أو أنه حكم عقلي؟ بمعنى هل هو حكم جاء به الشرع أم أنه حكم يمكن أن يتوصل إليه العقل ، اختلف الأصوليون على قولين, أذكر القول الأول؟
    القول الأول : أن المباح حكم شرعي فلا نعرفه إلا بطريق الشرع وذهب إلى هذا جمهور العلماء -أو جمهور الأصوليين- واستدلوا بعدة أدلة :
     الدليل الأول : أن الإباحة تخيير بين الفعل والترك وهذا التخيير متوقف وجوده على الشرع كبقية الأحكام الشرعية فتكون الإباحة حكماً شرعياً ، فحاصل هذا الدليل قائم على القياس فهو قياس للإباحة على بقية الأحكام الشرعية مثل الواجب والمندوب بجامع أن كل منها متوقف وجوده على الشرع.
     الدليل الثاني : استدلال بالسبر والتقسيم والمقصود أن نأتي بالمسألة ونقسمها عدة أقسام ثم نختبر هذا الأقسام قسماً قسماً ونصل إلى أن القسم الصحيح هو قسم واحد وهو الذي يمكن أن نحتج به في هذا المقام

    س-- -- فجمهور الأصوليين قالوا : الأفعال ثلاثة أقسام,أذكرها؟
    ج------- 1/ قسم صرح الشرع فيه بالتخيير بين الفعل والترك فقال إن شئتم افعلوا وإن شئتم اتركوا وهذا خطاب صريح من الشارع ولا شك أن هذا حكم شرعي.
    2/ قسم لم يرد من الشارع فيه خطاب صريح لا بالتخيير بين الفعل والترك ولكن دل دليل عام من الشرع على نفي الحرج في فعله أو تركه فهذا قد عرفنا بدليل السمع أنه لا حرج في فعله وتركه ولولا وجود هذا الدليل الشرعي لعُرف بطريق العقل نفي الحرج عنه فيبقى على النفي الأصلي فاجتمع في هذا القسم دليل السمع ودليل العقل ولا شك أيضاً أن هذا قد دل الدليل الشرعي عليه فيبقى أن هذا الإباحة من خلال هذا القسم حكم شرعي.
    3/ قسم لم يرد فيه خطاب صريح فلا دليل فيه من الشرع لا بالخصوص ولا بالعموم فليس فيه دليل من الشرع صريح في أنه مباح وليس عندنا دليل عام يدل على نفي الحرج بفعله أو تركه فهذا القسم لم يتعرض له الشرع بتصريح

    س----- في هذا المقام فهذا يحتمل أمرين, أذكرها؟
    ج------ الأول : احتمل أن يقال ( لا حكم له) ( هذا ليس له حكم) لأنه لم يرد فيه خطاب صريح من الشرع لا دليل خاص ولا دليل عام ولكن هذا الاحتمال احتمال بعيد لأنه لا توجد حادثة في الشرع إلا ولها حكم شرعي.
    الثاني : يحتمل أن يقال :قد دل دليل الشرع – أو دليل السمع – بصورة عامة على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا ترك فإن المكلف مخير فيه - بانعقاد الإجماع على ذلك - وهذا الدليل يعم جميع الأفعال التي لا نهاية لها وعلى هذا يتعين عندنا هذا الاحتمال ويكون حينئذٍ قد دل دليل الشرع على أن الإباحة حكم شرعي .

    س----- وهنا اختلف العلماء هل المباح حكم شرعي أو أنه حكم عقلي؟ بمعنى هل هو حكم جاء به الشرع أم أنه حكم يمكن أن يتوصل إليه العقل ، اختلف الأصوليون على قولين, أذكر القول الثاني؟
    القول الثاني: أن الإباحة ليست حكما شرعيا بل هي حكم عقلي يعني يعرف بطريق العقل ، وإلى هذا ذهب بعض المعتزلة متأثرين بأصلهم في المنهج الذي يسيرون عليه وهو أصل التحسين والتقبيح العقلي ودليلهم في هذا أن معنى المباح هو انتفاء الحرج في فعله وتركه وهذا ثابت قبل ورود الشرع ومستمر بعد ورود الشرع وعلى هذا لا تكون الإباحة حكماً شرعيا بل يحكم فيها بالعقل لأن العقل يحكم به قبل ورود الشرع فيقولون في معنى كلامهم أن الإباحة معناها انتفاء الحرج في الفعل أو الترك وهذا الانتفاء نعرفه أصلاً قبل ورود الشرع ومعرفتنا له قبل ورود الشرع عرفناه بطرق العقل فمادام أيضاً أنه كذلك بعد ورود الشرع فيه انتفاء للفعل والترك فإذن يبقى حكمه على أنه حكم عقلي نعرفه بطريق العقل ، والحقيقة أن المعتزلة هنا كلامهم محتمِل ففي هذا لابد أن نقف عند تفسيره فقد نتفق معهم فيه وقد نخالفهم بناء على الاعتبار فيه ولذلك يبقى الخلاف بيننا متردد هل هو خلاف لفظي أو خلاف معنوي بناء على تفسيرنا لعبارتهم .

    س----- ففي تفسير عبارة المعتزلة إن أراد أصحاب هذا المذهب في قولهم أن الإباحة حكم عقلي؟
    ج---- عندما قالوا إن الإباحة معناها انتفاء الحرج في الفعل والترك إن أرادوا بها أنه مالا حرج في فعله ولا في تركه لا غير فقط أو أرادوا بالحكم الشرعي الحكم الذي يخالف حكم العقل الذي كان ثابتاً قبل ورود الشرع فالمباح في هذه الحالة ليس حكماً شرعياً بل هو حكم عقلي ومن هذا الاعتبار نتفق معهم .
    لكن إن أرادوا بالإباحة ما أعلم فاعله أو دل بطريق الشرع على أنه لا حرج في فعله أو تركه أو أرادوا بالحكم الشرعي خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير فلا بد أن يكون المباح بهذا الاعتبار حكماً شرعيا فنختلف معهم في هذا المقام .
    فإذن المعتزلة قد يكون الخلاف بيننا وبينهم لفظي وقد يكون معنوي بحسب تفسير عبارتهم ومرادهم ، وحيث لم يفسروا هم عبارتهم ومرادهم من هذا احتجنا نحن إلى أن نضع الاحتمال لنفسر عباراتهم حتى نصل إلى أن نتفق معهم أو نخالفهم فإن فسرناها بالاعتبار الأول فنحن نتفق معهم في هذا على أن المباح ليس حكماً شرعياً بل حكم عقلي وإن أرادوا به بالإباحة بالمعنى الثاني الذي بيناه نحن أو بالحكم الشرعي أرادوا به المعنى الذي ذكرناه أيضاً في الاعتبار الثاني فالإباحة حكم شرعي ونحن نختلف معهم في هذا بهذا الاعتبار.


    س------ يكون الكلام عن جملة من مسائل المباح؟
    ج----- المسألة الأولى : كون المباح مأموراً به ويشمل:
    خلاف الأصوليين وأدلتهم ونوع الخلاف والإشكالات المتعلقة بمذهب الجمهور .
    المسألة الثانية : كون الإباحة تكليفاً .
    المسألة الثالثة : الفرق بين الإباحة والعفو.

    س------- وهي كون المباح مأمورا به (المقصود هل المباح من قبيل المأمور به)؟
    ج-------- نحن مر بنا خلاف الأصوليين تحديد كون المندوب مأموراً به وعلى نظير هذا وقع الخلاف هل المباح مأمور به أي داخل في لفظ الأمر أو ليس بداخل في لفظ الأمر.
    طال النقاش في المسألة بين الجمهور من جهة وبين الكعبي وهو من المعتزلة من جهة أخرى .
    وامتلأت صفحات كتب أصول الفقه في بحث هذه المسالة ونركز الكلام فيها في جملة من النقاط ونذكر الخلاف ثم نوجه الخلاف فيها.

    س---- الخلاف فيها حاصله بين فريقين؟ أذكر الفريق الأول؟
    ج----- الأول : الجمهور -الأصوليين تحديدا- وهؤلاء يقولون المباح غير مأمور به من حيث هو مباح .
    والاستدلال لهذا المذهب فقد أجاد الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات في الاستدلال لهذا المذهب فذكر الآتي:
     الدليل الأول : أن المباح عند الشارع هو يخير فيه بين الفعل والترك من غير مدح ولا ذم ، فإذا تحقق الاستواء شرعا والتخيير لم يتصور أن يكون التارك له مطيعاً لعدم تعلق الطلب بالترك أو الفعل ، ولا يمكن أن يكون الفاعل له عاصيا لعدم تعلق النهي بالفعل فإن المعصية لا تكون إلا مع النهي ، وحينئذ مادام أنه ليس فيه ثواب في فعله ولا في تركه عقاب من حيث هو مباح فلا يتصور أن يكون مأمورا به .
     الدليل الثاني: إجماع المسلمين على أن ناذر ترك المباح لا يلزمه الوفاء بنذره لأنه كناذر فعله ومعنى هذا أن ناذر الفعل لا يلزمه كما أن ناذر الترك لا يلزمه فعل المباح وفي الحديث من نذر أن يطيع الله فليطعه .

    فلو كان ترك المباح طاعة للزم بالنذر ولكنه غير لازم فدل على أنه ليس بطاعة ومادام أنه ليس بطاعة من حيث هو مباح فمعنى هذا أنه غير مأمور به .
    وفي الحديث أن رجلا نذر أن يصوم قائما ولا يستظل فأمره رسول عليه عليه الصلاة والسلام أن يجلس وأن يستظل ويتم صومه .
    قال الإمام مالك أمره عليه الصلاة والسلام أن يتم ما كان لله طاعة و يترك ما كان لله معصية فجعل نذر ترك المباح معصية كما في كلام الإمام مالك رحمه الله .

     الدليل الثالث : قالوا إنه لو كان ترك المباح طاعة للزم رفع المباح من أحكام الشرع من حيث النظر إليه في نفسه وهو باطل بالإجماع ولا يخالف هذا الكعبي لأنه نفاه بالنظر إلى ما يستلزم لا بالنظر إلى ذات الفعل
    وكلام الجمهور هو بالنظر إلى ذات الفعل كما سيأتي .

    فلو أخذنا باعتبار أن قول الكعبي الذي يثبت أنه لو كان ترك المباح طاعة لزم رفع المباح من أحكام الشرع من حيث ذاته ، وهذا باطل بالإجماع . لأن نفي الكعبي في هذه الحالة بالنظر إلى ما يستلزم لا بالنظر إلى ذات الفعل وكلام الجمهور بالنظر إلى ذات الفعل .

    وقد توسع الشاطبي رحمه الله في ذكر أدلة الجمهور في هذا المقام مع تقريره وتأكيده أن الكعبي لا يخالف في هذا النظر وسيأتي توضيح ذلك.
    الكعبي
    وهو من المعتزلة يقول (إن المباح مأمور به) فهو يقول إن كل فعل يوصف أنه مباح فهو واجب ولهذا يكون المباح مأمور به وهذا القول حكاه ابن الصباغ عن أبي بكر الدقاق أيضاً من الأصوليين ولتوضيح هذا القول الذي هو قول الكعبي والمنسوب إلى الدقاق أن فعل المباح يتحقق به ترك الحرام أو فعل الواجب فيتحقق بالسكوت وهو مباح ترك القذف ويتحقق بالسكوت ترك الفعل وما يتحقق بالشيء لا يتم إلا به وترك الحرام واجب وما لا يتم به ترك الحرام فهو واجب فيصبح معنا إذا المباح واجب فيكون مأمورا به بهذا الاعتبار ولهذا ذكروا عن الكعبي أنه يقول (لا مباح في الشريعة مطلقا) لأنه يرى أن المباح يعود إلى الواجب بهذا الاعتبار المذكور قبل قليل.

    والحقيقة أن كلام الكعبي هنا محل نظر إذا أخذناه على ظاهره ونقول في الجواب عنه في هذه الصورة إننا لو سلكنا هذا المنهج الذي سلكه الكعبي ومن تابعه فإنه يلزم أن المباح يكون واجبا لأن ترك الحرام واجب حيث إن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب فيكون السكوت عن الكذب واجب لأنه لا يتم ترك الكذب إلا بالسكوت عنه فيكون واجبا ويلزم أن يكون المندوب واجبا حيث إنه يترك به الحرام . الكعبي يقول إنه المباح يتحول إلى أن يكون واجب لأنه يلزم به ترك المحرم وترك المحرم ويكون فعل المباح واجب فيلزم من هذا أنه أيضاً سيكون المندوب واجبا حيث إنه بفعل المندوب يترك الإنسان محرم فالمشتغل بالسواك مثلا قد يترك شرب الخمر أو شرب الدخان فيكون المندوب واجباً لأنه ترك به حرام وهو شرب الخمر ويلزم من ذلك أيضاً أن يكون الحرام واجبا كيف ذلك؟ .... لأنه يُترك به حرام آخر فمن اشتغل بالحرام فقد ترك حرام آخر فالمشتغل بالسرقة هو في تلك الحالة عندما يشتغل بالسرقة يشتغل عن الزنا وقد ترك به حراما مثلا وقد ترك بذلك حراما ومعنى هذا أن نقول أن السرقة واجبة . فهل يتصور هذا ؟ وبناء على هذا يلزم الكعبي أن يقول أن السرقة واجبة لأنه ترك بها حراما آخر وهو الزنا وهكذا.

    فمثل هذه الأمور وغيرها يلزم منها لو سلكنا منهج الكعبي ومن سار على منهجه فإنه يلزم أن ننكر جملة كبيرة من أحكام الشرع مثل المندوبات و المحرمات فتتحول إلى أن تكون كلها واجبا بهذا الاعتبار الذي ذكره الكعبي

    س----- ولكن هذا الاعتبار باطل لأمرين ,أذكرهما؟
    ج----- الأول: أنه نتج من تلك الإلزامات أن يكون المباح واجباً والحرام واجباً والمندوب واجباً ونحو ذلك وهذا تناقض ظاهر في الشريعة وهو لا يجوز عقلا فضلا على أنه لا يجوز شرعا .
    ثانيا: أن كون المباح واجبا يقتضي كون أفعال المكلفين التي تتعلق بها الأحكام أربعة لأن المباح سيكون واجبا فيكون عندنا واجب ومندوب ومحرم ومكروه وهذا خلاف الإجماع لأن إجماع العلماء على أن الأحكام التكليفية خمسة وإذا أخذنا بالاعتبار الذي ذكره الكعبي ستكون الأحكام التكليفية أربعة وهذا خلاف الإجماع وخرق له بمقتضى كلام الكعبي .

    س---- ما نوع الخلاف بين الجمهور وبين الكعبي؟
    ج------- الخلاف بين الجمهور القائلين أن المباح غير مأمور به وبين الكعبي ومن سار على منهجه القائلين أن المباح مأمور به

    س------ هو خلاف لفظي باتفاق أصحاب المذهبين في المعنى كيف ذلك؟
    ج----- لو تدبرنا فيما استدل به الكعبي وأتباعه لوجدنا أن ظاهر كلام الكعبي يدل دلالة واضحة على أن المباح غير مأمور به من جهة ذاته فلم يخالف الجمهور في ذلك ويدل على أن المباح مأمور به من حيث ما يعرض له من تحقق ترك الحرام وغيره ولا يخالفه الجمهور في هذا حيث إن صيرورة المباح مأمورا به في عارض
    مما يتفق عليه بين الجمهور والكعبي ، فالكعبي إذا نظر إلى المباح من حيث ذاته فهو مخير بين فعله وتركه وهو لا يخالف الجمهور في أنه بهذه الصورة غير مأمور به ، لكن إذا نظر إلى المباح من حيث ما يعرض له لأنه قد يترتب عليه ترك حرام أو فعل واجب فإذا نظر إليه بهذا الاعتبار من حيث ما يعرض له فنَعَم قد يكون بهذه الصورة مأمورا به هذا ما يقوله الكعبي والجمهور لا يخالفون في أن المباح من حيث ما يعرض له قد ينتقل بدل أن يكون مباحا لذاته قد يكون واجبا وقد يكون محرما ونحو ذلك بحسب الاعتبارات التي تعرض للمباح ونحن نعلم أن المباح قد يكون وسيلة لفعل واجب وقد يكون وسيلة إلى فعل محرم فيترتب عليه أن يكون المباح واجبا وقد يكون المباح محرما بحسب ما يفضي إليه من مقصد وهذا لا يخالف فيه الجمهور ، فالجمهور يتكلمون عن المباح من حيث ذاته فيقولون هو غير مأمور به والكعبي لا يخالف في هذا ، والكعبي يتكلم عن المباح من حيث ما يعرض له فيقول إن المباح بهذا الاعتبار مأمور به والجمهور لا يخالفون في المباح بهذا الاعتبار .

     فالخلاصة :
    أن الكعبي لا ينكر المباح ولا يقول إن المباح مأمور به من حيث ذاته وهو المخير بين فعله وتركه وإنما يقول - كما نقله عنه كثير من الأصوليين – إن المباح مأمور به من حيث ما يعرض له ومن حيث ما يلزم عنه من ترك حرام لأن ترك الحرام واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وإذا لم يتم ترك الحرام إلا بفعل المباح فالمباح واجب وهو إنما يصفه بالوجوب أثناء فعله أما قبل الفعل فيجوز للمكلف عنده أن يفعله ويفعل غيره من أقسام الحكم مما يتعلق به ترك الحرام ، ولهذا فهو يقول في المباح هو مباح من حيث ذاته - يعني من حيث هو مخير بين فعله وتركه – وواجب من حيث ما لزم عليه من ترك للحرام وهذا نقله عنه كثير من الأصوليين والجمهور يسلمون له هذا ولا يخالفون له في هذا إنما يختلفون معه فيما لو قال بأن المباح مأمور به من حيث ذاته وهو لا يقول بهذا بل يتفق مع الجمهور على أن المباح غير مأمور به من حيث ذاته .


    إذن الكعبي غلب على نظرته النظر إلى ما يعرض للمباح من عوارض كثيرة تخرجه عن كونه مباحا كما نظر إليه الجمهور من حيث ذاته فلم يكن مأمورا به وهذا هو النظر الصحيح في الأصل وما نظر إليه الكعبي من جهة العوارض لا يصح أن ينظر إليه أصلا وإنما يبحث تبعا .

    وفي هذا يقول الشاطبي رحمه الله: وتلخص لنا من أقسام المباح أن كل مباح ليس بمباح بإطلاقه وإنما هو مباح بالجزء خاصة وأما الكل فهو إما مطلوب الفعل وإما مطلوب الترك
    ويقول الباجي : إن كان مرادهم المباح مأمورا ً به –يعني الكعبي ومن معه- أنه مأذون بفعله وتركه فالخلاف في العبارة وإن أرادوا أن الإباحة للفعل اقتضاء له على جهة الإيجاب أو الندب وأن فعل المباح خير من تركه فهو باطل وهذا الذي استبعدناه عن الكعبي ولا تدل عبارة الكعبي الصريحة عليه والتي نقلوها عنه وبنوا الخلاف عليها والشاطبي أيضاً يقول في ذلك لكن هذا القائل –يعني الكعبي- يسلّم أن المباح مع قطع النظر عن ما يستلزمه مستوي الطرفين وعند ذلك يكون ما قاله الناس يعني الجمهور هو الصحيح ويظهر لنا حينئذ ٍمن هذا حصول اضطراب حقيقة في فهم عبارة الكعبي ومقصده ولو أنهم حملوا قولهم على أن المباح مأمور ٌ به من حيث ما يعرض له لازال الخلاف وما وجد خلاف في المسألة.
     هنا إشكالات تعرض لقول الجمهور عرض لها أيضاً الشاطبي في هذه المسألة فأورد جملة إشكالات تعرض على قول الجمهور القائلين بأن المباح غير مأمور به وهذه الإشكالات نحصرها في ثلاثة إشكالات ذكرها في كتابه (الموافقات)

    س----- ونظرا ً لوجود الفائدة من عرضها فإننا نعرضها في هذا المقام وهي عن قولهم بأن المباح غير مأمور به؟
    ج----- الإشكال الأول : أن فعل المباح سبب ٌ في مضار كثيرة ففيه اشتغال عما هو الأهم في الدنيا من النوافل والخيرات وصد عن كثير من الطاعات كما أن فعل المباح قد يكون سببا ً في الاشتغال عن الواجبات ووسيلة إلى الممنوعات إذ يستتبع الاسترسال في الشهوات المباحة الوصول إلى الشهوات المحرمة فهذا إشكال على قول الجمهور القائلين بأن المباح غير مأمور به .
    * وقد أجاب الشاطبي عن هذا الإشكال فيما معناه: أن كون المباح سببا ً في مضار كثيرة لا دليل فيه إذ إن الكلام في أصل المسألة إنما هو في المباح من حيث هو مباح مستوي الطرفين ولم نتكلم فيه إذا كان ذريعة ً لأمر آخر فإنه إذا كان ذريعة ً إلى ممنوع فهو ممنوع من باب سد الذرائع لا من جهة كونه مباحا ً وعلى هذا يتنـزل الحديث المرفوع الذي معناه (لا يبلغ أحدكم درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا ً لما به بأس) وأما إذا نظرنا إلى كون فعل المباح وسيله فليس تركه أفضل بإطلاق
    س----- بل هو على ثلاثة أقسام ؟
    ج----- 1)قسم يكون ذريعة إلى منهي عنه فيكون مطلوب الترك
    2)قسم يكون ذريعة إلى مأمور به فيكون مطلوب الفعل 3) قسم لا يكون إلى شيء فهو المباح المطلق .

     الإشكال الثاني : ذكر الشاطبي فيما يرد على مذهب الجمهور في هذه المسألة أن الشرع قد جاء بذم الدنيا والتمتع بلذاتها كقوله تعالى " أذهبتم طيباتكم بحياتكم الدنيا " وقوله تعالى " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها " وغيرها.
    * فأجاب الشاطبي عن هذا الإشكال بما حاصله: أن كل ما جاء في ذم الدنيا وشهواتها إنما هو محمول على ذمها من أجل أنها تكون ذريعة ً إلى تعطيل التكاليف أما إذا لم تكن ذريعة ً لذلك فلا ذم لها ويحقق هذا أحوال السلف في تناول المباحات .

     الإشكال الثالث : ذكره الشاطبي إيرادا ً على مذهب الجمهور منها ما جاء في فعل المباحات من التعرض لطول الحساب عليها في الآخرة والعاقل يعلم أن طول الحساب نوع من العذاب وأن سرعة الانصراف من الموقف إلى الجنة من أعظم المقاصد فيكون تركه أفضل من هذه الناحية مادام أنه يتسبب للتعرض لطول الحساب .
    * أجاب الشاطبي عن هذا الإشكال أيضاً بما معناه: أن تناول المباح لا يصح أن يكون صاحبه محاسبا ً عليه بإطلاق وإنما يحاسب على التقصير في الشكر عليه إما من جهة تناوله واكتسابه وإما من جهة الاستعانة به على التكليفات فمن حاسب نفسه في ذلك وعمل على ما أقر به فقد شكر نعم الله وفي ذلك يقول الله تعالى "خالصة ً يوم القيامة " أي لا تبعة فيها .
    ينبغي للخلاف تحقيقه وتوجيهه حتى يتضح في الواقع انه لا خلاف أصلا ً في المسألة

    س------ كون المباح تكليفا ؟
    تعرض لها الأصوليون في مؤلفاتهم فيقولون
    هل الإباحة تكليف أو فيها تكليف كما عرضوا أيضاً في المندوب هل في المباح تكليف ؟
    لأن الإباحة فيها تخيير بين فعل وترك هل هذا التخيير يحتمل التكليف فيكون الإنسان فيه مكلف أم غير مكلف .

    س----- الأصوليون اختلفوا في هذا على قولين, أذكرها؟
    ج----- القول الأول : على أن الإباحة ليست تكليفا ً وذهب إلى هذا جمهور الأصوليون قالوا وعللوا لهذا بأن التكليف هو طلب ما فيه كلفة ومشقه بصيغة الأمر أو النهي والإباحة كما هو معلوم ليس فيها مشقه جازمة كمشقة الوجوب والتحريم ولا مشقه غير جازمة كمشقة الندب والكراهة وهي مشقة فوات الفضيلة بل إن المكلف في المباح يخير بين الفعل والترك مطلقا ً وهذا لا تكليف فيه وبناء ً على ذلك فلا تكليف في المباح هذا وجهة نظر الجمهور بأن الإباحة ليست تكليفا ً وليس فيها تكليف .

    ** القول الثاني : أن الإباحة فيها تكليف وذهب إلى هذا الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ونسبوا إليه هنا أن الإباحة ليست تكليفا كما نسبوا إليه في المندوب قوله إن المندوب أيضاً ليس فيه تكليف والعلماء استغربوا هذا القول من أبي إسحاق الإسفراييني واضطروا إلى تأويل قوله بأنه أراد بذلك كون المباح تكليفا ً باعتبار اعتقاد المكلف بإباحته .

    وهذا التأويل ذهب إليه جمهور الأصوليين كما أولوا كلامه بالمندوب بذلك بأنه يقول بأن المندوب فيه تكليف من جهة اعتقاد أنه مندوب فهذا فيه تكليف وكذلك أيضاً في الإباحة قالوا أول كلام أبي إسحاق الإسفراييني في قوله إن الإباحة فيها تكليف قالوا أنه يقصد بذلك إن الإباحة فيها وجوب اعتقاد كونها مباحة ً وهذا فيه حقيقة نوع من التكليف إلا أن هذا التكليف لا يسلّمَ له - للجمهور القائلين بهذا- ولو جاز أن نقبل هذا التأويل بكلام أبي إسحاق الإسفراييني لجاز أيضاً أن نطلق على الأحكام كلها سواء الأحكام التكليفية والوضعية------- تابع ........
    اسم الحكم التكليفي لأنه يجب على المكلف أيضاً أن يعتقد في كل حكم من الأحكام الذي يفعله يعتقد فيه اعتقاد معين فعندما يفعل الواجب يعتقد أنه واجب وحينما يفعل المحرم يكون في اعتقاده أنه محرم حتى يعاقب عليه وأيضا ً حينما يفعل سببا ً من الأسباب التي تفضي إلى واجب شرعي يجب أن يعتقد أن هذا سبب وهكذا فتكون كل الأحكام في الشريعة أحكام تكليفية وهذا خلاف الإجماع فإن العلماء أجمعوا على أن أحكام الشريعة منها أحكام تكليفيه ومنها أحكام وضعيه فلو أخذنا في هذا الاعتبار الذي حمل عليه الجمهور كلام أبي إسحاق الإسفراييني لترتب على ذلك أنك تقول أن كل الأحكام كلها أحكام تكليفيه والصحيح أن هذا ليس بصحيح هذا التأويل وحقيقة لأنه لا يوجد تأويل واضح لكلام أبو إسحاق فيمكن أن نقول أنه يحتمل أن يكون وصف أبي إسحاق للمباح بأنها تكليف بالاعتبار الذي اعتبر الكعبي فيه في المسألة السابقة بأن المباح مأمور به فكما وصف الكعبي المباح بأنه مأمور به باعتبار ما يعرض له وليس باعتبار ذات المباح فكذلك أبو إسحاق أنه وصف المباح بأنها تكليف باعتبار ما يعرض للمباح وليس باعتبار ذات المباح أو أنه أراد بذلك تأكيد جعله من الأحكام التكليفية مع خلوه من التكليف وذلك عن طريق إطلاق الجزء وإرادة الكل .


    س----- وإذا تقرر عند الجمهور بأن الإباحة ليس فيها تكليف فإذا ً لماذا نضع المباح من ضمن الأحكام التكليفية ؟
    وهو سؤال يرد للجمهور القائلين أن الإباحة ليست تكليفا ً فلماذا نعد الإباحة من قبيل أقسام الحكم التكليفي
    ج------ وللجواب عن هذا نقول : أن المباح صار من أقسام الأحكام التكليفية الخمسة لأنه يختص بالمكلفين ومعنى هذا أن الإباحة والتخيير لا تكون إلا ممن يصح إلزامه بالفعل أوالترك أما النائم والناسي والمجنون والصبي ومن في حكمهم فلا إباحة في حقهم فهذا هو معنى جعل المباح من أقسام الحكم التكليفي الخمسة لا بمعنى أن المباح مكلف به عند الجمهور ولكن نقول عندما قلنا أن الإباحة ليست تكليف عند الجمهور وضممناها إلى أقسام الحكم التكليفي لأجل أن المباح يتعلق بأفعال المكلفين فنحكم به على المكلفين ولذلك ضممناه إلى أقسام الحكم التكليفي .

    س---- ما الفرق بين المباح والعفو؟
    ج----- هنا مسألة نختم بها هذه الحلقة وهي مسألة الفرق بين المباح والعفو تكلمنا عن تعريف المباح وذكرنا ما يتعلق به من مسائل وهناك أمور تشترك مع المباح في أنه لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب فلا أمر فيها ولا نهي وهو ما يطلق عليه بعض الأصوليين باسم العفو وهو الذي أشار إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام حين سُئل عن الجبن والسمن والفراء فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه). فلهذا رأى بعض العلماء أن يجعل العفو نوعا ً خاصا ً من الأحكام التكليفية وسماه بالعفو الذي لم يتعرض له الشارع بأمر ولا نهي فاستدرك به على الجمهور وجعله نوعا ً سادسا ً زائدا ً على الأقسام الخمسة المعروفة وممن يميل إلى هذا الاعتبار الإمام الشاطبي رحمه الله حيث يقول يصح أن يقع بين الحلال والحرام مرتبة العفو فلا يحكم عليه بأنه واحد من الخمسة المذكورة هكذا في الجملة وتابعه على هذه الزيادة بعض العلماء المحدثين في هذا إلا أن الذي يظهر في المسألة هو عدم اعتبار العفو نوعا ً خاصا ً من الأحكام التكليفية متميزا ً عنها وإنما هو جزء ٌ وأمر ٌ متعلق بالمباح ونوع منه مع الاعتراف بثبوت حكمه مع أنه يتعلق العفو بجميع أنواع الحكم فيكون أثرا ً مترتبا ً على فعلها أو تركها فقد يكون حكم ترك الواجب العفو عند عدم القدرة على القيام به ويعني ذلك عندئذٍ رفع الحرج والعقاب على الترك كما يمكن أن يكون حكم فعل الحرام العفو عندما تدعو الضرورة الشرعية إليه ويعني ذلك رفع الحرج والعقاب على الفعل كما يمكن أن يراد بالعفو المباح بمعنى استواء جانب الفعل والترك والذي يفهم من النصوص الشرعية الواردة في كلمة العفو هو معنى الإباحة تماما
    ً من ذلك قوله تعالى (يا أيها الذين امنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسالوا عنها حين ينزل القران تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم" وقد ورد ذلك في قوله عفا الله عنها .

    ومما سبق يتقرر لنا أن معنى العفو عدم المؤاخذة على الفعل أو الترك وهو حكم المباح تماما ً وقد يكون حكما ً لغيره أيضاً من الأحكام التكليفية مثل الواجب والمباح بناء ً على ما يعرض لها وليس بناء ً على ذاتها فقد يكون أثر مترتب على الواجب بناء ً على عدم القدرة على فعله وقد يكون أثراً مترتبا ً على المحرم بناء ً على فعله بغير قصد فيكون حكم الحرام في هذه الحالة عفو ويكون حكم الواجب بعدم القدرة عليه عفو ويكون حكما ً للمباح بخصوصه ويكون حكماً مترتبا ً على الأحكام الأخرى ولهذا فالأرجح عدم اعتبار العفو نوعا ًخاصا متميزا ً عن المباح وإنما نعده نوعا ً راجعا ً إلى المباح ومرادفا ً له حتى أن الشاطبي نفسه لم يحكم على مرتبة العفو بأنها حكم من الأحكام التكليفية حيث قال : إلا أنه بقي النظر في العفو هل حكم أم لا وإذا قيل حكم فهل يرجع إلى خطاب التكليف أم إلى خطاب الوضع هذا محتمل كله ولكن لمّا لم يكن مما ينبني عليه حكم عملي لم يتأكد البيان فيه فكان الأولى تركه والله الموفق إلى الصواب انتهى كلام الإمام الشاطبي رحمه الله وبنهاية الكلام عنه نختم الكلام عن جزء ٍ من مسائل المباح.


    س------ ما حكم الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع؟

    س----- مسألة حكم الأشياء المنتفع بها ورود الشرع مسالة تكلم عنها العلماء من جهتين,أذكر الوجهان؟
    ج----- جهة ما قبل ورود الشرع ,* وجهة ما بعد ورود الشرع .

    وهذه المسالة في تقسيم العلماء والكلام فيها من هاتين الجهتين يعتبر خلاف الأولى،
    فالأولى أن تبحث هذه المسألة مطلقا من غير تقييد بقبل الشرع, أو بعد الشرع لأن الشرع المذكور في عنوان المسألة مشكل,
    س----- هل المراد شرع الرسول عليه الصلاة والسلام ؟
    أو هل المراد شرع الأنبياء قبله ؟ لأن الله منذ خلق ادم وحواء أمرهما ونهاهما, وهذا شرع , وليس هناك زمن ليس فيه شرع.
    ولكن من يذكر المسألة قبل ورود الشرع ..هو لأجل معرفة الأصل فيما لم يرد فيه نص بعد ورود الشرع , فمثلا من يقول أن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة ,يقول كذلك فيها بعد ورود الشرع الأصل في الأشياء الإباحة، ومن يقول في الأشياء قبل ورود الشرع هو التحريم , يقول كذلك بعد ورود الشرع الأصل في الأشياء التحريم.

    هناك من يذكر فائدة, هي معرفة الأصل فيما لم يرد فيه نص بعد ورود الشرع, المسالة التي سنبحثها هنا والتي يعنون لها :بحكم الأفعال الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع , منهم من يقول بعد ورود الشرع ,ولا شك إن الأفعال يمكن أن توصف بالإباحة ، ويمكن أن توصف بالتحريم , ولكن ذات العين لا تعلق الحكم بها بحل أو حرمة، وإنما الحكم يتعلق بفعل المكلف ، وكان حكم الأفعال قبل ورود الشرع ، ولكن لما قال المعنون حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها ,دل على أن الحكم لفعل المكلف ,وهذا ينفي الاعتراض الوارد هنا , وهو لماذا نقول الأعيان في عنوان المسألة, لأن الأعيان لا تعلق للأحكام بها وإنما التعلق هذه المسألة وإنما التعلق بالأفعال وعندما نقول المنتفع بها المقصود الانتفاع بالعين ، ولكن ليس الحكم بذات العين , ولكن على العين نفسها ، ليس هناك مسألة قبل ورود الشرع لأنه لم يخلُ فترة من الشرع
    واستدلوا بقوله تعالى: (أيحسب الإنسان أن يُترك سدى" قالوا والسدى هو الذي لا يؤمر ولا ينهى ، وهذه الآية استدل بها ابن الجزري على أنه لم تخل الأمم من شرع يقوم لهم بالحجة

    أيضاً قوله تعالى(وإن من أمة إلا خلا فيها نذير" ،
    المقصود بقبل الشرع الفترة التي نسي فيها الشرع – أي شرع كان – فالفترة التي ينسى فيها الشرع نعدها فترة ما قبل الشرع ، هنا تنبيه يحسن الإشارة إليه وهي إن هذه المسألة بالجملة تنازع الخلاف فيها ( ما قبل ورود الشرع ) جمهور الأصوليين مع جمهور المعتزلة ، والمعتزلة يستمدون رأيهم من مسألة رأيهم في التحسين والتقبيح ، فكما مر بنا إنهم يعملون العقل في قضية التحسين والتقبيح ، ومر بنا عندما تكلمنا عن الحاكم بينا مرادهم هناك ، لكن بحثهم لمسألة التحسين والتقبيح وإحالتهم إلى العقل أثر على رأيهم في هذه المسألة ، فالجمهور سعوا إلى إبطال قاعدة المعتزلة في التحسين والتقبيح العقلي ، وكان من لوازم إبطال القاعدة أن يبطلوا ما ترتب عليها ، ومن المسائل المترتبة على مسألة التحسين والتقبيح العقلي مسألة حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع أو قبل ورود السمع كما يقولون ، فالحقيقة أن بحث الجمهور لهذه المسألة ليس لذات المسألة وإنما من باب التسليم الجدلي بما قاله المعتزلة ، وهناك جملة من المسائل أيضاً بحث فيها الجمهور في كتبهم الأصولية من باب التسليم الجدلي لمخالفيهم ، مثلا مسألة شكر المنعم عقلا ، وهذه فيها خلاف مع المعتزلة ، ومسألة شكر المنعم عقلا مع مسألتنا هذه تسمى بمسائل التنزل ، أي تنزل فيها الجمهور لمناقشة مخالفيهم من المعتزلة من باب فقط التسليم الجدلي ، نعود إلى مسألتنا وهي مسألة حكم الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع .

    س------- هذه المسألة وقع الخلاف فيها بين العلماء على تقريبا ثلاثة أقوال : وإن كان بعضهم يعيد أحد الأقوال الثلاثة إلى أحد القولين السابقين فيحصل بذلك قولان في المسألة : ؟
    ج------ فالقول الأول/ أن حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع هو الإباحة ، فتكون مباحة إن شاء المكلف أقدم عليها وإن شاء تركها فلا ذم ولا مدح لفاعلها ولا تاركها ، وذهب إلى هذا جمهور العلماء منهم أكثر الحنفية وبعض الحنابلة كأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب ، وبعض المالكية كأبي الفرج المالكي ، وبعض الشافعية كأبي إسحاق الاسفراييني ، وأبي العباس بن سريج ، وذهب إلى ذلك بعض المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم الجبائيان ، فهذا القول قول لجماعة من أهل السنة ومن خالفهم أيضاً في هذا المقام ، ويحسن التنبيه هنا أن نشير إلى أن أبا قدامة في كتابه روضة الناظر قد أشار إلى أن القول بالإباحة هو قول الحنفية كلهم ، والحقيقة أن هذا يعني نوع من التساهل في النسبة .
    والصحيح أن القائلين في الإباحة أكثر الحنفية وليس كلهم ، أيضاً نسب النجار الفتوحي الحنبلي في كتابه شرح الكوكب المنير إلى القاضي أبي يعلى القول بالإباحة في كتابه المجرد وهو كتاب لم يصل إلينا ، و نسب في الوقت نفسه قول بالحظر إلى القاضي أبي يعلى في كتابه العدة ، والصحيح أن القاضي أبي يعلى يقول حكمها على الحظر ، فيعني تردد الفتوحي وذكره إلى أن القاضي أبا يعلى أن له قولين في المسألة وهو في الحقيقة له قول واحد وهو الحظر .

    هناك تنبيه آخر وهو أنه ينسب إلى بعض الأصوليين حكم الإباحة إلى الظاهرية وهذا أيضاً خطأ في النسبة، حيث إن مذهب أهل الظاهر في هذه المسألة أنهم يقولون يتوقفون في حكم المسألة (التوقف) وصرح بذلك ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام حيث قال : وقال آخرون وجميع أهل الظاهر والطوائف من أصحاب القياس ليس لها حكم في العقل أصلا لا بالحظر ولا بالإباحة وان كان كل ذلك موقوف على ما ترد به الشريعة .
     تنبيه آخر أيضاً في المسألة ، ذكر أبو يعلى في كتابه العدة وأبو الخطاب في كتابه التمهيد أن الإمام أحمد رحمه الله أومأ إلى هذا المذهب ( القول بالإباحة ) حيث ذكر القاضي أبو يعلى و أبو الخطاب عبارة وقالا : وقد أومأ الإمام أحمد إلى الإباحة ، واستدلا على ما ذكر بما روي عن أبي طالب أنه سأل الإمام عن قطع النخل فقال : لا بأس به لم نسمع في قطع النخل شيئا ، قيل له : فالنبق ؟ قال : ليس فيه حديث صحيح وما يعجبني قطعه ، قلت له : إذا لم يكن فيه حديث صحيح فلم لا يعجبك؟ قال : لأنه على كل حال جاء فيه كراهة والنخل لم يجئ فيه شي ، قال أبو يعلى معلقا على ذلك : فقد استدام الإمام احمد رحمه الله الإباحة في قطع النخل بأنه لم يرد شرع بحظره

    وعلى كل حال هذه الرواية في هذه المسألة في فتوى الإمام احمد بأن النخل لا بأس في قطعه لا يُعلم حقيقة مستنده في هذه الرواية كما ذكر ذلك ابن تيمية في كتابه المسودة ، فيحتمل انه استند في ذلك إلى النصوص الشرعية العامة ، ويحتمل انه أفتى استنادا إلى أن سكوت الشرع عن ذلك يدل على العفو عنه ، ويحتمل استصحاب عدم التحريم ، ويحتمل إلى أن مستنده أن الأصل إباحة عقلية

    س------ ومع هذه الاحتمالات كيف نقول إن الإمام احمد استدام الإباحة في قطع النخيل ؟
    ج----- لأنه لم يرد شرع بحظره ،  هناك تنبيه أخير هو أن أبا علي وأبا هاشم وجماعة من معتزلة البصرة ذهبوا إلى القول بالإباحة لكن يجب التنبيه إلى أن فعل المكلف عند المعتزلة عامة إما حسن وإما قبيح وإما أنه لم يتبين للعقل حسنه أو قبحه ، أما الحسن وهو ما حسنه العقل فان استوى فعله وتركه في النفع والضرر سموه مباحا

    وإن ترجح فعله على تركه فهذا على قسمين :
    أولا إن لحق الذم بتركه سموه واجبا ، والثاني إن لم يلحق الذم بتركه سموه مندوبا ، أما القبيح فهو ما قبحه العقل ، فإن التحق الذم بفعله سموه حراما ، وان لم يلتحق الذم بفعله سموه مكروها ، هذا اتفق عليه عامة المعتزلة ، أما الذي لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح فقد اختلفوا فيه ، فمنهم من قال أنه على الإباحة وهم من أشرنا إليهم سابقا ، ومنهم من قال أنه على الحظر ومنهم من توقف ، وهذان المذهبان سيأتيان فإذا مذهب المعتزلة في هذه المسألة أيضاً ليس على إطلاقه بحظر أوإباحة وإنما عندهم تفصيل في المسألة.

    إذا أتينا إلى دليل أصحاب القول الأول إن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة فإن لهم أدلة لكن في الجملة لابد أن نستند على أدلة عقلية لأن المسألة تتكلم عن ما قبل ورود الشرع ، قالوا في دليلهم: إن الله سبحانه لما خلق هذه الأشياء فإنه لا يخلو إما أن يكون
    قد خلقها
    1) لغير حكمة
    2) وإما لحكمة وهو أن ينتفع بها سبحانه
    3) وإما لحكمة وهو ليضر بها غيره
    4) وإما لينفع بها غيره

    فهذه احتمالات أربعة ،
    فالأول باطل لأن الله سبحانه لا يخلق الأشياء عبثا ، والدليل قوله تعالى +وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين"
    أما الثاني فهذا أيضاً باطل لأنه سبحانه غير محتاج إلى شي فالله غني عن أن تلحقه المضار والمنافع
    الاحتمال الثالث أيضاً باطل لأنه لا يليق بالله سبحانه أن يضر بها إذا لم يكن في حال خلقه إياها ما يستحق العقوبة ، فحصل بذلك أن عندنا الاحتمال الرابع وهو يكون قد خلقها الله سبحانه قد خلقها لحكمة وهي أن ينتفع بها غيره من خلقه ، وهو الاحتمال المتعين في هذه الحالة

    قالوا : مادام أنه قد تعين عندنا الاحتمال الرابع فإذا يكون حكمها الإباحة ، طبعا هذا الدليل وقف منه بعضهم وأجاب بان هذا الدليل مبني على أن أفعال الله سبحانه معللة وقالوا إن ذلك ممنوع عند بعضهم طبعا ، فلا يصح أن نقول إن خلقها لغير حكمة عبثا بل أفعاله سبحانه لا تعلل هذا جواب لبعضهم .
    لكن الجواب الذي نعتمده هنا نقول إن سلمنا أن أفعال الله معلله بالمصالح ، وأنه لا يفعل شيئا إلا لمصلحة . ولكن قد نطلع على المصلحة التي من أجلها شرع الحكم ، وقد تغيب عنا كما قال ابن تيمية وهو مذهب أهل السنة في هذا : فيكون خلق تلك الأشياء ليست حكمتها نفعنا بها قطعا ، بل يحتمل هذا ويحتمل أننا لا نعرف الحكمة ، أيضاً يُجاب عن هذا الدليل بجواب آخر ، وهو أن هذا التقسيم الذي ذكرتموه في الأقسام الأربعة تقسيم باطل لماذا ؟ لأن الأعيان المحرمة مثل الخمر والخنزير ، إما أن يكون خلقه لها لينتفع بها سبحانه وإما ليضر بها غيره وإما لينفعنا بها وإما خلقها لا لضرر ولا لنفع فيبطل أن يكون خلقها لينتفع بها لأنه سبحانه مستغن عنها وعن الانتفاع بها ، ويبطل أيضاً أن يكون قد خلقها ليضر بها غيره لأن ذلك لا يليق بالله ، وأيضا بطل أن يكون قد خلقها لا لنفع ولا ضرر لأن هذا عبث والله سبحانه منزه عن العبث كما سبق واستدللنا عليه ، فيبقى أن ينفعنا به وقد حرمها علينا ومنعنا من الانتفاع بها ، فأيضا كل ما تذكرونه جوابه هنا عن هذا يمكن أن يرد جواب على دليلكم أيها القائلون بأن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع هو الإباحة.

    القول الثاني/أن حكم الأشياء قبل ورود الشرع سواء كانت الأفعال أو الأعيان المنتفع بها الحظر والتحريم
    وذهب إليه جماعة من العلماء منهم من الحنابلة الحسن بن حامد وتلميذه أبو يعلى الحنبلي وأيضا الحلواني ، ومن الشافعية أبو علي بن أبي هريرة ، ومن المالكية أبو بكر الأبهري ، أيضاً ذهب إلى ذلك بعض الحنفية وأيضا بعض المعتزلة كما سبق أن بينا ، وقد ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه العدة أن الإمام احمد أومأ إلى معنى هذا المذهب وهو التحريم في عدة نصوص وردت عنه منها قوله : ( السلب لا يُخمّس ، ما سمعنا أن النبي خمّس السلب ) قال أبو يعلى : هذا يدل على أنه لم يبح تخميس السلب لأنه لم يرد عن النبي شرع فيه فبقي على أصل الحظر ، ومنها عن الإمام احمد قال في الحلي يوجد لقطة إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير ، قال أبو يعلى : هذا يعني أن الإمام أحمد انه استدام التحريم ومنع الملك على الأصل لأنه لم يرد شرع في غير الدراهم ، هذا طبعا ذكره أبو يعلى في استنباط رأي للإمام احمد بان الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع التحريم ، تعقبه بعد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في المسودة وبين أن ما نقل عن الإمام أحمد ليس في محل نزاع ، وبيان ذلك أن الإمام أحمد قال: لا يخمس السلب,لأن السلب قد استحقه القاتل بالشرع ,فلا يخرج بعضه عن ملكه إلا بدليل ,وليس فيما نحن فيه.
    أما قوله :في الحلي يوجد لقطة كما جاء في الحديث (في الدراهم والدنانير) لأن اللقطة لها مالك فنقلها إلى الملتقط يحتاج إلى دليل ,وليس هذا من جنس الأعيان في شيء .

     أصحاب هذا القول القائلين بأن الأصل في الأشياء التحريم أو الحظر واستدلوا على هذا القول:
    الدليل الأول : أن هذا الأعيان ملك لله سبحانه لأن الله خلقها أنشاها وبرأها والانتفاع بما يملك الغير بغير إذن قبيح, ولا يجوز ولم أطلع على دليل على أنه أذن بالانتفاع بها ,فتبقى هذه الأشياء على عدم الجواز وهو الحظر والتحريم.
    والحقيقة أن هذا الدليل وارد عن المعتزلة وبنوه على التحسين والتقبيح العقلي ,فما حسن في العقل لابد أن يأمر الله به وما قبح في العقل لابد أن ينهى الله عنه ,وهذه المسألة منقوضة وهي عن المعتزلة وما بني عليها فهو منقوض.
    الدليل الثاني: لأصحاب هذا القول ,قالوا تلك الأعيان والأفعال التي يفعلها المكلف يحتمل أن يكون الانتفاع بها مباح ولا يأثم المكلف بالانتفاع بها ,ويمكن أن يكون الانتفاع بها حرام ومحظور ,ويأثم ويلام المكلف على ذلك ويترتب على ذلك ضرر عليه.
    بناء على هذين الاحتمالين ,فإننا إذا أقدمنا على الانتفاع بهذه الأشياء لم نأمن أن يعاقبنا الله تعالى لأنه ربما أنه كان حراما ,وإذا تركنا ذلك أمنا من العقوبة ,فكان القول بحظر والتحريم أبعد وأحوط عن الحظر لأن فعل الحرام يعاقب عليه مطلقا .أما ترك المباح فهو جائز.
     والإجابة عن ذلك بأن هذا الدليل لو كان طريقا صحيحا في إثبات التحريم لجاز أن يجعل طريقا في إيجاب العبادات ، مثل الصوم والصلاة قبل ورود الشرع ,فنقول إنها واجبة خوفا من وقوع العقاب ويتركها . ولما لم يصح هذا كذلك لم يصح تحريم شيء قبل ورود الشرع .

    القول الثالث: قول بالتوقف ,وهي أن الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع لا حكم لها
    وهذا القول ذهب إليه بعض العلماء أمثال: أبو الحسن الخرزي من الحنابلة و الغزالي من الشافعية ، والاّمدي والرازي من الشافعية وابن حاجب,والصيرفي, وأبو الحسن الأشعري, وأبو إسحاق الشيرازي من الشافعية وهو مذهب بعض الحنفية وعامة أهل الظاهر وجماعة من هل السنة والجماعة.
    ما معنى التوقف هنا فنقول: إن معنى التوقف أن الحكم متوقف على ورود الشرع بحكمها ولا حكم لهذه الأشياء في الحال لأن الحكم متوقف على حكم الشرع وليس المراد عدم العلم بحيث لا ندري أنها مباحة أو محرمة وذهب إلى هذا الكلام الغزالي في كتابه المستصفى والبيضاوي في كتابه المنهاج فسر الوقف بعدم العلم, إن هذه الأشياء لها حكم ولكن لا نعلم ما هو وقد أشار الرازي لهذين التقسيمين لمعنى التوقف عن الغزالي والبيضاوي في كتابه المحصول , وليس معنى هذا أن الرازي نسب هذين التفسيرين إلى البيضاوي والغزالي ولكن ذكرهما إنهما منقولين عنهما ، إن كلا التفسيرين جائز ولكن قولنا بالتوقف يُحمل على معنى أن لا حكم للشيء قبل ورود الشرع ويُحمل على عدم العلم بالحكم بعد ورود الشرع ، فيكون احتمال الأمرين معا، و هذا لا يتعارض مع ما ذكره الغزالي والبيضاوي لأن الشخص الجاهل لم يرد عليه حكم في المسألة سواء قبل البعثة أو بعدها ولكن لم تبلغه الدعوة مثلا ، فهو في الحالتين لا حكم عنده ، فيحصل عنده التوقف ، فالشخص الجاهل لا يعلم الحكم فيحصل عنده أنه لا حكم له في المسألة ، وفي هذه الحالة يكون القول بالتوقف يحتمل الأمرين وهما لا حكم لها قبل ورود الشرع ويحتمل انه لا علم بالحكم قبل ورود الشرع .
     الذين قالوا بالتوقف هنا استدلوا بأدلة : من أنه لا يطلق على الشيء أن حكمه تحريم أو إباحة إلا بخطاب من الشرع ، فحكم التحريم أو الحظر من الشرع لا بد أن يكون قد ورد بخطاب الشارع حرمت عليكم كذا أو هو محرم عليكم أو غير ذلك من صيغ التحريم ، كذلك حكم الإباحة قول أبحت لكم أو إن شئتم افعلوا كذا ، ونحن نعرف أن مثل هذه الخطابات لم توجد قبل ورود الشرع ، فلذلك لا حكم للأشياء ق
    بل ورود الشرع فنتوقف فيها حتى يرد إلينا شيء من الشرع يبين لنا حكمها ، هذا دليل من يقول بالتوقف .

     الراجح في هذه المسألة القول الثالث وهو القول بالتوقف .

    والقائل بالوقف هنا موافق لمن قال بالإباحة في التحقيق ، لأن من قال بالوقف يقول : لا يثاب بالامتناع عنه ولا يأثم بفعله ، وهذا هو رأي أبي يعلى الحنبلي إمام الحرمين في البرهان فيرى أن القول بالتوقف يساوي القول بالإباحة ، ويرى فريق آخر أن التوقف أقرب إلى التحريم ، وهو رأي ابن عقيل وصوبه أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المسودة ، وعلى كل حال يبقى الكلام محل نظر في هذا المقام .
    وجه ترجيحنا للقول الثالث وهو حكم الأشياء قبل ورود الشرع هو التوقف من عدة أوجه :
    1) منها مثلا إن العقل لا مدخل له في إثبات الأحكام الشرعية أو نفيها من حظر و إباحة ، فهو لا يبيح شيئا ولا يحرمه ، والمعترض إنما قال بأن الحكم هو الحظر أو الإباحة بناء على أن العقل حاكم ونحن نمنع من ذلك ونقول إن العقل معرف للترجيح والاستواء أي هو هاد ومرشد إلى فهم الخطاب ووجوه الاستدلال من النصوص وكون هذا الدليل أرجح من هذا أو متساويان ونحو ذلك ، لا أن العقل حاكم بها مثبت لها قبل وورد الشرع ، نحن مع من يقول إن العقل يدرك أن الإحسان ملائم والإساءة منافرة وأن العلم كمال وأن الجهل نقص ، أما كون الفعل يثاب عليه من الله أو يعاقب عليه أو لا يثاب أو لا يعاقب فهذا لا يُعلم إلا بالشرع.
    2) من أوجه الترجيح أيضاً إن التصرف في ملك الغير فيما بين المخلوقين بغير الإذن نعرف انه أمر قبيح من خلال الشرع وليس من العقل ، حيث إن الشارع لما حرمه بين المخلوقين عرفنا من ذلك قبحها ، والكلام سيأتي في مسألة ما بعد ورود الشرع فلا فرق بين الأمرين بعد أو قبل ورود الشرع.

    هذا المذهب الثالث وهو القول بالتوقف ، ذكر ابن قدامة في كتابه روضة الناظر أن هذا القول هو اللائق بالمذهب الحنبلي قال : وهذا القول هو اللائق بالمذهب ، هذا الكلام بمعنى أيضاً كلام ابن عقيل الذي قال : لا حكم لها قبل السمع ، وهذا هو الصحيح الذي لا يجوز على المذهب غيره ، وجه مناسبة هذا القول للمذهب الحنبلي هو أن العقل عند الحنابلة وعند أهل السنة ليس له دخل في إثبات الأحكام الشرعية أو نفيها فلا يحرم شيئا أو يبيحه بمجرد استحسانه أو استقباحه ، وعليه فالتحريم والإباحة وغيره من الأحكام الشرعية إنما تثبت بالشرع والسمع فقط وغيره نتوقف فيه حتى يأتي شيء من ذلك في الشرع ، هذا فيما يتعلق بحكم الأشياء قبل ورود الشرع وكما قلنا الراجح فيه التوقف ولعله يؤول إلى القول بالإباحة في هذه المسألة ، فائدة البحث في هذه المسألة أنه سيأتينا أن لها اثر فيما بعد ورود الشرع ، فكما بدأنا كلامنا نختم به ، فمن قال إن حكم الأشياء قبل ورود الشرع هو الإباحة يمكن أن يستصحب هذا فيما بعد ورود الشرع ، ومن قال هو التحريم يمكن أيضاً أن يستصحبه فيما بعد ورود الشرع ، ولكن ربما القول بالتوقف لا يتأتى بعد ورود الشرع لأن الأدلة كثيرة من الشرع توافرت على ترجيح قول معين الكلام عنه في الحلقة القادمة


    شلا يزال الحديث موصولا عن القسم الثالث من أقسام الحكم التكليفي وهو المباح ، تكلمنا عن المسألة الرابعة وهي الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع

    والشق الثاني سيكون محور حديثنا في هذه الحلقة في (المسألة الخامسة في حكم الأشياء المنتفع بها بعد ورود الشرع)
    وكلمة الأشياء هنا تشمل الأفعال والأعيان التي سبق شرحها ، محل الكلام في يشمل ذكر المراد من المسألة والأدلة والقول الراجح وثمرة الكلام فيها ، مسألة حكم الأشياء بعد ورود الشرع مسألة مهمة في هذا الجانب، نحن بحثنا في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع وذكرنا خلاف العلماء فيها وقلنا إن الفائدة من بحثها هو في استصحاب القول هناك ، من يقول إن الأصل في الأشياء الإباحة يستصحب قوله فيما بعد ورود الشرع فيقول بالإباحة ، ومن يقول التحريم يستصحب هذا القول ويقول به بعد ورود الشرع ، وأما القول بالتوقف وإن قال به قائلون قبل ورود الشرع فربما لا يكون له مجال بعد ورود الشرع فإنه يحصل إلى أن يلتقي مع القول بالإباحة كما سيأتي في نهاية الكلام في هذه الحلقة ، ولذلك لما جاء ابن قدامة إلى الكلام عن هذه المسألة ( قبل ورود الشرع ) وتكلم عنها بعد ورود الشرع قال : وقد دل السمع على الإباحة على العموم ، والسمع يعني أدلة الشرع السمعية النقلية ، فإذا أدلة الشرع التي جاءت بعد ورود الشرع تدل على الإباحة على العموم ومن يقول بأن حكم الأشياء بعد ورود الشرع هو التحريم يستصحب القول الذي قال به قبل ورود الشرع وقد ذكرنا شيئا من أدلته في مسألة سابقة ، لكن يحسن هنا أن نبين المراد في قولنا حكم الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع ،

    فعندنا لفظ الأشياء فهذا لفظ عام وفيه نوع من الإطلاق ، فالمقصود بلفظ الأشياء هنا :
    الأشياء المسكوت عنها شرعا ، يعني لم يرد بشأنها نص يدل على إباحتها صراحة ولم يرد نص أيضاً يدل على تحريمها صراحة ،
    وبناء عليه فقد اتفق العلماء على أن الأشياء التي ثبت ضررها أو كان ضررها أكثر من نفعها فإنها تكون محرمة ، فتخرج هذه من محل الكلام في مسألتنا ، نحن نتكلم إذا عن الأشياء المسكوت عنها التي لم يثبت ضررها ولا نفعها ، فمحل الكلام هو في الأشياء النافعة نفعا محضا أو كان نفعها أكثر من ضررها في نظر المجتهد أو الشخص العادي ،

    س-----فهل هذه حكمها الإباحة أم التحريم ؟
    ج----- من يقول بالتحريم يستصحب القول الذي قال به قبل ورود الشرع ، فيقول إن عندنا أدلة عقلية تدل على إن الأشياء التي لم يرد بشأنها نص قبل ورود الشرع حكمها التحريم فكذلك إذا يكون الحكم بعد ورود الشرع التحريم ، وأما من يقول إن حكم الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة يأتي بعد ورود الشرع ويقول عندنا أدلة من الكتاب والسنة جاءت بأن حكم الأشياء بعد ورود الشرع هو الإباحة فليس هناك شيء بعد ورود الشرع لا حكم له فلو ذكر أحد شيئا من هذا القبيل فمعنى قوله لا حكم له يعني الإباحة ، وحقيقة عندنا جملة أدلة تدل على أن الأشياء بعد ورود الشرع حكمها على الإباحة ، إذا نعيد وننبه إلى أن حكم الأشياء بعد ورود الشرع المراد بالأشياء أي الأشياء المسكوت عنها التي لم يكن ضررها ضررا محضا أو لم يكن ضررها أكثر من نفعها ، أما الأشياء التي كان ضررها أكثر من نفعها أو ثبت ضررها محضا فيكون حكمها التحريم .
    س----- فإذاً الأشياء المسكوت عنها النافعة نفعا محضا أو الأشياء المسكوت عنها ونفعها أكثر من ضررها فما حكمها بعد ورود الشرع ؟ خلاف أيضاً على قولين :
    ج---- هناك من يقول بالتحريم .
     وهنا من يقول بالإباحة .

    فمن يقول بالتحريم يستصحب القول الذي قال به قبل ورود الشرع ويأتي بالأدلة العقلية التي أثبت بها أن حكم الأشياء قبل ورود الشرع التحريم .
     ومن يقول أن حكم الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة استدل كما قلنا بأدلة عقلية لكن بعد ورود الشرع ينبغي أن نلتفت أكثر إلى الأدلة الشرعية ، والأدلة الشرعية التي جاءت من السمع من القرآن والسنة تدل في الجملة على أن حكم الأشياء بعد ورود الشرع الإباحة، فمنها قوله تعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" وجه الاستدلال أن الله تعالى امتن علينا بأن خلق لنا جميع ما في الأرض ، وأبلغ وجوه الامتنان إباحة الانتفاع ، فيكون الانتفاع بجميع ما في الأرض مباحا لنا إلا ما نهانا عنه الشرع ، ونحن نتكلم هنا عن الأشياء المسكوت عنها ، تقريبا لوجه الاستدلال بهذه الآية نحن نقول إذا أراد شخص أن يمتن على شخص في الغالب انه يمتن عليه بشيء قد أباح له أن يعمله أو أن ينتفع به ، وفي الغالب انه لا يمتن عليه بشيء منعه منه ، فلا يقول في اليوم الفلاني منعتك من كذا ، هذه ليست منة ، المنة في الغالب تكون في الشيء المباح للشخص ، فيقول في اليوم الفلاني أعطيتك كذا أو منحتك كذا ، فبالإباحة تكون المنة ، ففي الآية امتنان ، ابلغ وجوه الامتنان أن يباح الانتفاع بجميع ما في الأرض ، فيكون جميع ما في الأرض مباحا إلا ما حرمه الشرع أو ما أخرجناه من المسألة أي ما كان ضرره محضا أو غالبا.


    أيضاً الأشياء المسكوت عنها وحكمها الإباحة بعد ورود الشرع قوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أُهل لغير الله به" ووجه الاستدلال هنا إن الله سبحانه ذكر المحرمات من المطعومات ، وذكر هذه المحرمات على وجه الاستثناء لأنه قال ( إلا أن يكون ميتة ) ، والقاعدة اللغوية إن الاستثناء لا يكون إلا من أصل على خلاف المستثنى ، والمستثنى هنا هو المطعومات المحرمة فيكون الأصل الذي على خلاف هو المطعومات المباحة ، إذا يكون الأصل فيما عدا هذه المحرمات هو الإباحة ، لأن الله عدد لنا المحرمات من المطعومات بطريقة الاستثناء ، فدل على أن ما عدا هذه المعدودات من المطعومات المحرمة يكون على خلاف حكمها ، وحكم هذه هو التحريم فيكون حكم ما عداها هو الإباحة ، ولو كان العكس هو الحاصل وهو إن الأصل في الأشياء هو التحريم لعد الله الأشياء المباحة لنا وعد ما عداها هو محرم ، ولكن الحاصل هنا هو العكس.

    من الأدلة الدالة أيضاً على أن الأصل في الأشياء قبل ورود الأشياء هو الإباحة قوله تعالى: "قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق" وجه الاستدلال أن الله تعالى قد أنكر على من حرم أشياء بدون دليل صادر عن الله تعالى ، فدل هذا على أن مالم يأت بشأنه دليل يحرمه يكون حكمه الإباحة ، فينكر الله تعالى في هذه الآية على من يأتي ويحرم زينة من زينات الدنيا أو أمراً طيبا من طيبات الدنيا بدون دليل صريح من الله يقول ان هذا امر محرم ، فدل هذا على ان ما جاء بشأنه دليل يحرمه يكون محرما ، وما لم يأت بشأنه دليل ينبغي أن لا نحرمه لأن الله تعالى ينكر على من يحرم بدون دليل ، لم ينكر على من يبيح ، فيدل على ان ما جاء بشأنه دليل يحرمه فهو حرام ، أما ما لم يأت شيء بشأنه يدل على تحريمه فهو مباح لأن الله تعالى قد أنكر على من حرم ، فدل على ان حكم الأشياء المسكوت عنها التي لم يرد شيء يدل على تحريمها الإباحة سواء كانت من الأعيان أو الأفعال المنتفع بها.

    هذا فيما يتعلق بالأدلة من القرآن ، هناك أدلة أخرى ولكنها تأتي في معنى هذه الآيات
    من السنة أنه قد ورد عندنا مجموعة من الأحاديث وهي تفيد معنى واحدا بجملتها وهو أن ما سُكت عن حكمه في الشرع فهو على الإباحة وعلى العفو ، هذه الأحاديث اختلفت ألفاظها لكن معناها واحد وهي جملة من الأحاديث

    منها قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا ) أخرجه الدارقطني و البيهقي في السنن الكبرى
    أيضاً من الأدلة قول النبي : عليه الصلاة والسلام : (إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي وحسنه النووي ، أيضاً من الأحاديث أن النبي × لما سُئل عن الجبن والسمن والفراء قال : ( الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ) ، لو لاحظنا الأحاديث

    سنجد في الأول أنه قال وما سكت عنه فهو عفو ، لأنه قسم الأمور في الشرع إلى ثلاثة ، أولاً ما ورد فيها التحليل فيكون حكمها حلال ، ثم قال ما حرم فهو حرام ، ثم الثالث ما سكت عنه فهذا عفو ، وعفو معناه مباح
    لأنه قال فاقبلوا من الله عافيته ، وهذا توجيه إلى الأخذ بالإباحة في الأمور المسكوت عنها وهذا نص صريح في هذا المقام ، في الحديث الثاني قسم النبي الأمور التي جاءت من الله إلى فرائض لا ينبغي تضييعها ، وحرمات لا ينبغي انتهاكها ، وحدود لا ينبغي اعتداؤها ، ثم قال أمور سكت عنها من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ، فالتوجيه إلى عدم البحث عنها يدل على جواز العمل بها ، ولو كان الأخذ بها محرما لبين النبي ذلك وقال فلا تقدموا عليها ، وإنما قال لا تبحثوا عنها كي لا تحرم عليكم بدلالة أدلة أخرى في هذا المقام ،
    أيضاً الحديث الثالث الذي سُئل فيه النبي عن السمن و الجبن والفراء ، قسم النبي هذه الأمور إلى ثلاثة فوضع قاعدة عامة يُستفاد منها في الأمور الشرعية المنصوص عليها وغير المنصوص عليها ، فقال الحلال ما احل الله في كتابه فهذا قسم ، ثم قال والحرام ما حرم الله في كتابه ، ثم قال وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ويدخل في هذه الجزئية الجبن والسمن والفراء ، فهذه أمور مسكوت عنها شرعا فهو مما عفا عنه ،

    والعفو هنا هو تقريبا في استعمالات العلماء في درجة مرادفة للمباح فيكون حكمها إذا الإباحة وقيدناها بالتي لم يثبت ضررها أو يكون ضررها اكثر من نفعها انما نتكلم عن الأشياء التي تكون نافعه نفعا محضا ، فعندنا جملة نصوص في القرآن والسنة تدل دلالة صريحة على ان الأشياء المسكوت عنها بعد ورود الشرع يكون حكمها الإباحة ، والمقصود بثبوت النفع والضرر هنا بحسب نظر العالم المجتهد أو الشخص العادي ، فالعالم المجتهد أو الشخص العادي متى ما أراد على ان يقدم على أمر لم يرد فيه نص بإباحته أو تحريمه نصا صريحا

    في هذه الحالة متى ما تمحض له أن هذا الأمر نافع نفعا محضا فإنه يقدم عليه لأن حكمه الإباحة بناء على هذه الأدلة ، وان كان فيه ضرر فيوازن ان كان نفعه اكثر من ضرره فأيضا يبقى حكمه الإباحة ، أما أن كان ضرره أكثر من نفعه فلا يقدم عليه لأننا أخرجناه من هذه القاعدة.

    فثبت حقيقة من عموم الأدلة الواردة إن حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها بعد ورود الشرع هو الإباحة بناء على هذه الأدلة الشرعية في هذا المقام .

    س--- أنتم قلتم بأن عندنا بعد ورود الشرع قولان قول بالإباحة وعندنا قول بالتحريم وهو الذي قلنا أنه يستصحب الأدلة العقلية التي قال بها قبل ورود الشرع ، بقي عندنا القول بالتوقف ما مصيره بعد ورود الشرع ؟
    ج---- الحقيقة انه بعد ورود الشرع لا تناقض ولا تعارض بين القول بالإباحة والتوقف ، لأن الخلاف بين القائلين بالإباحة والتوقف خلاف لفظي بعد ورود الشرع وليس خلافا معنويا ، فإن القائل بالتوقف موافق بالحقيقة للقائل بالإباحة بعد ورود الشرع ، لأن مراد القائلين بالتوقف أنه لا يُثاب على الامتناع من الإقدام على هذا الشيء ولا يأثم بفعل هذا الشيء ، هذا معنى القول بالتوقف في هذا المقام ، فلا عقاب على احد فيما يفعله ولا ثواب على شيء لو فعله من الأشياء المسكوت عنها ، ومراد القائلين بالإباحة بعد ورود الشرع انه لا حرج في الفعل والترك ، ومعنى هذا أن القول بالإباحة يرادف القول بالتوقف فيما بعد ورود الشرع فيكون إذا لا خلاف بين القائلين بالإباحة والقائلين بالتوقف بعد ورود الشرع إذا فُسر التوقف بهذا القول ، وهذا هو اختيار إمام الحرمين في كتابه البرهان ، والغزالي في كتابه المستصفى , والآمدي في كتابه الإحكام ، وابو يعلى في كتابه العدة ، وموافق أيضاً لما المح اليه ابن قدامة في كتابه روضة الناظر .

    س----- ما فائدة بحثنا لهذه المسألة بعد ورود الشرع ؟
    ج------ فائدة وثمرة الكلام في هذه المسألة هي النظر في حكم الأشياء المسكوت عنها بعد ورود الشرع هل حكمها التحريم أو حكمها الإباحة في هذا المقام ، الحقيقة بناء على القول بالإباحة والقول الراجح وهو القول الذي عضدته الأدلة الشرعية بعد ورود الشرع يكون حكم الأفعال أو الأعيان المسكوت عنها بعد ورود الشرع هو الإباحة ، و من يقول بالحظر أو التحريم قبل ورود الشرع يقول أيضاً الأشياء المسكوت عنها حكمها التحريم بعد ورود الشرع ولا يجوز الإقدام عليها ، وبناء على هذا لدينا أمثلة تنبني على هذين النظرين بعد ورود الشرع ، مثلا الحيوان المشكل امره ، نحن نعلم ان عندنا حيوانات ورد الشرع بإباحتها صراحة بأسمائها وأعيانها ، وعندنا حيوانات قد نص الشرع على تحريمها إما بعينها وإما بوصف يوضح حقيقتها ، وعندنا حيوانات لم تُعرف في وقت التشريع اما باسمها أو بعينها ، وحينئذ ننظر في حكمها ، هل حكمها الإباحة بحيث انه يجوز للشخص ان يقدم على اكلها ام لا يجوز ؟ هذا نسميه بالحيوان المشكل امره ، مثل الزرافة ليس هناك نص يدل على تحريمها ولا إباحتها ،فيبقى امرها مشكلا هل حكمها الإباحة أو حكمها التحريم بناء على القول الراجح الذي عضدته الادلة الشرعية يكون حكمها الإباحة فيباح أكلها ، ولذلك يقول السيوطي تفريعا في هذه المسألة : ومنها مسألة الزرافة ، نقل عن السبكي قال : المختار حل أكلها لأن الأصل الإباحة .

    هذا مثال اول يتفرع على مسألة نبحثها هنا ، فرع ومثال آخر وهو النبات الذي جُهلت سميته وجُهل ضرره فيكون حكمه الإباحة بناء على القول الراجح هنا ، وهناك من يقول بان حكمه التحريم ، لكن النبات الذي ظهر ضرره واتضحت سميته فهذا حكمه على التحريم ولو لم يرد بشأنه نص من الشرع ، ولكن هناك نبات لم يظهر ضرره ولا سميته فنقول حكمه الإباحة بناء على القول الراجح الذي عضدته الأدلة الشرعية ، هناك من يقول بالتحريم بناء على القول الثاني الوارد في المسألة ، ولعل أوضح مثال ما يُعرف بمادة التبغ الذي يُصنع منه الدخان ، نعلم انه في بداية ظهوره علماء الإسلام لم يطلعوا على ضرره فهو نبات مجهول سميته وضرره ، ولذلك وجدنا من العلماء في بداية ظهور هذا النبات ومعرفته في بلاد الإسلام من يقول بإباحته ، لأنه بناء على ان الأصل في الأشياء الإباحة ولا تُنكر هذه الفتوى في وقتها ، ولكن مع تطور الابحاث العلمية ووضوح النتيجة وهو انه ثبت ان ضرره محض أو في اقل الاحوال ضرره غالب ، فلا يتأتى هنا ان نقول ان حكمه الإباحة ، لأنه قد ثبت ضرره فيكون قد خرج عن قاعدتنا هذه فيكون حكمه التحريم ، من الأمثلة أيضاً لو دخل حمام برج شخص ، أي من حمام غيره ولكنه لم يعلم هل هذا الحمام مملوكا لغيره أو ليس مملوكا ، فإن لصاحب البرج ان يتصرف في هذا الحمام لأنه لا يعلم مالكه ، لأن الأصل في الأشياء الإباحة بناء على القول الراجح ، ومع ان هناك قول التحريم بناء على القول الثاني.

    ومن الأمور التي تتخرج أيضاً على مسألة الأصل في الأشياء المسكوت عنها الإباحة بعد ورود الشرع ، كثير من الأمور والعقود والمعاملات المالية التي جدت في العصر الحديث ، فإنها إذا خلت ابتداء من أي محذور شرعي فإنه يكون حكمها الإباحة ، لأنه الأصل في الأشياء ، ولكن إذا اتضح أن فيها محذور شرعي فإن الأصل فيها التحريم ، لأن المحذور يعتبر في الشريعة من الأمور التي تبطل العقد أو المعاملة .
    هذه جملة من المسائل التي تنبني على مسألة الأصل في الأشياء والخلاف فيها في هذا المقام ، وهذه جملة من الفروع الفقهية بيناها ليتضح المقال في هذا المقام ، طبعا قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة هناك ما يعارضها ، ليس كل الأشياء المسكوت عنها يكون حكمها الإباحة ، فهناك من يقول أن الأصل في الإبضاع التحريم ، والمقصود الإبضاع أمور النساء وما يتعلق بهن من الأنكحة ونحو ذلك ، فالأصل فيه التحريم حتى يثبت حلها بدليل قاطع ، ومنهم من يقول ان الأصل في الذبائح واللحوم التي لا تُعلم ذكاتها بوجه شرعي هو التحريم ، فيخرج هذين الأمرين من مسألة الأصل في الأشياء المسكوت عنها بعد ورود الشرع الإباحة ، فيقول أنها محرمة حتى يأتي دليل قاطع بالإباحة فحينئذ يجوز الإقدام عليه ، فجعل هذا مستثنى من قاعدة الأصل في الأشياء بعد ورود الشرع هو الإباحة ، وعلى كل حال هاتان القاعدتان ( الإبضاع واللحوم ) مما يعرض دراسته في مقرر القواعد الفقهية .
    بهذا نختم الكلام على هذه القاعدة وبختام الكلام على هذه المسألة ، وبختام الكلام على مسألة حكم الأشياء المنتفع بها بعد ورود الشرع نختم الكلام على مسائل المباح وهو القسم الثالث من أقسام الحكم التكليفي ولذلك سيكون موضوع الحلقة الرابعة هو القسم الرابع وهو المكروه.



    المكروه حقيقته وصيغه وأساليبه وإطلاقاته وحكمه
    ومناسبة ذكر المكروه بعد ذكر الواجب والمندوب والمباح ، هو أن ذكر المأذون في فعله هو الواجب والمندوب والمباح لابد أن يذكر أيضاً الممنوع من فعله ، لابد أن يذكر فعله وهو على درجات إما أن يكون مكروه أو محرم ، والمكروه مع المحرم يشتركان في أمور منها إن كل واحد منتهى عنه، أما الحرام طلب تركه طلبا جازما، ويعاقب علي فعله ، وأما المكروه طلب تركه طلباً غير جازم ، ولا يعاقب المكلف على فعله في الأصل أما ما يتعلق في حقيقة المكروه ، فالمقصود بذلك يعني تعريفه في اللغة والاصطلاح .

    س------ عرف المكروه لغة؟
    ج----- ضد المحبوب . يقال كرهت الشيء . يعني إذا لم تحبه ومنه قول الله تعالى: "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان" وقد كره إليكم يعني لم يحبب إليكم الكفر .
    والفسوق والعصيان . وقيل إن المكروه في اللغة مأخوذ من الكريهة وهي الشدة في الحرب . ومنه سمي يوم الحرب يوم الكريهة . وعلى هذا يكون المكروه مما نفر منه سواء مما نفر منه الطبع أومما نفر من الشرع . لأن الطبع والشرع لا ينفران إلا من شيء فيه شدة ومشقة وضرر علي المكلف . وفي هذا المعني يدخل في الممنوع من فعله الذي هو المحرم ، حتى إن بعض العلماء أطلق المكروه علي المحرم . كما قال تعالى في بعض شأن المحرمات +كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها" فهذا قوله مكروها إشارة علي أنه محرم ، فقد يطلق علي المكروه في الشرع علي المحرم .

    س---- عرف المكروه اصطلاحا؟
    ج---- فقد عرف المكروه بتعريفات كثيرة كما هي تعريفات الأقسام السابقة تختلف في ألفاظها وتقترب في معانيها .
    منها تعريفه ما تركه خير من فعله ولا عقاب في فعله .

    فقولنا ما تركه خير من فعله هذا يخرج الأحكام الثلاثة التي هي الواجب والمندوب والمباح . لأن الواجب فعله خير من تركه ، وفي تركه عقاب ، والمندوب أيضاً يخرج لأن فعله وتركه خير ولا عقاب في تركه ، والمباح أيضاً يخرج لأن فعله وتركه سواء ، فيوصف أحدهما بالخيرية . قولهم تركه خير من فعله قد تخرج هذه الأقسام الثلاثة .
    وقولنا في أخر التعريف ولا عقاب في فعله يخرج الحرام لأن الحرم يعاقب على فعله .
    ابن قدامه لما عرف المكروه قال/ هو ما تركه خير من فعله فقط . واكتفى بهذه العبارة وهذه العبارة مشكلة لأنه يدخل فيها الحرام . فتشمل المحرم كما تشمل المكروه لأن المحرم أيضاً تركه خير من فعله ، فزدنا عليها ولا عقاب في فعله يخرج المحرم ، فتعريف ابن قدامة غير مانع لأنه لا يمنع من دخول المحرم مع المكروه في هذا التعريف . هذا التعريف الذي ذكرناه ما تركه خير من فعله فيه إشكال لأنه إذا أردنا التطبيق في كلمة خير فمعنى ذلك أن المكروه فيه خير وهذا كما قال بعضهم غير صحيح لأن المكروه لا خير فيه لذاته وعلى كل حال المقصود هو تقريب المعنى .
    وهناك من عرف المكروه أنه ما مدح تاركه ولم يذم فاعله . فقولهم مدح ليخرج المباح لأنه خالي من المدح والذم ، وخرج بقوله ما مدح تاركه الواجب والمندوب لأن فاعلهما يمدح وتاركهما لا يمدح ، كما يخرج قولنا ولم يذم فاعله يخرج الحرام لأن الحرام يذم فاعله .
    هناك أيضاً من عرف المكروه بأنه ما فيه شبهة وتردد .
    وعرفه بعضهم أيضاً بأن المكروه ترك الأولى .


    وعرفه بعضهم أيضاً بأنه ما ثبت النهي عنه شرعا نهيا غير جازم ولعل هذا التعريف يكون أقرب إلى المقصود أو لو قلنا ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم . فيخرج بقولنا ما ثبت النهي عنه شرعا الواجب والمندوب والمباح لأن هذه لم يثبت النهي عنها وإنما ثبت الأمر بها . وخرج بقولنا نهيا غير جازم المحرم لأن المحرم قد ثبت فيه النهي نهيا جازم وليس غير جازم . هذا ما يتعلق بتعريف المكروه في اللغة والاصطلاح .

    س----- ما صيغ المكروه وأساليبه الدالة عليه ؟
    ج----هناك عدة صيغ وأساليب تدل على المكروه في الشرع بحيث أنه من خلال هذه الصيغ نعرف المكروه .
    منها مثل لفظة (كره) وما يشتق منها مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام (إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ) .
    فيحمل عليه الكراهة

    ... والصيغة الثانية لمعرفة المكروه لفظة (بغض) وما يشتق منها . ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام ( أبغض الحلال إلى الله الطلاق ) فلفظ أبغض تدل على البغض . والبغض هنا تدل على أن ترك الشيء خير من فعله...

    الصيغة الثالثة لمعرفة المكروه صيغة النهي التي هي قولنا لا تفعل أو ما جرى مجراها إذا وجدت معها قرينة تصرفها من التحريم إلى الكراهة . لأن صيغة لا تفعل إذا وردت مجردة لا تفيد الكراهة ، كما سيأتي إن شاء الله عندما نبحث في المحرم ، لكن إذا وردة هذه الصيغة مقترنة بقرينة تصرفها من التحريم إلى الكراهة فإنها تنصرف . والأصل في قولنا لا تفعل الأصل فيها التحريم ولكن إذا وجد معها قرينة تصرفها فإنها تنصرف وتكون دالة على الكراهة . مثل قوله تعالى: "يا أيها الذين أمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" فقوله لاتسألوا هنا قال العلماء: إنه للكراهة وليس للتحريم ولو أخذناه على ظاهره هكذا لكان دالا على التحريم وليس على الإباحة ولكنه صرف عن النهي إلى الكراهة بسبب القرينة الصارفة، وهذه القرينة صارفه وردة في آخر الآية لقوله تعالى"وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور رحيم" فقوله عليه الصلاة والسلام لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم" في ظاهره التحريم ولكن ورد بعد ذلك" وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم". فكأنه صار هنا في المقال نوع من التخيير لا تسألوا وإن تسألوا سيظهر لكم حكمها . فلو كان هنا النهي نهيا جازما بتحريم لما ورد بعد ذلك احتمال تعريف السؤال عنها فنقول النهي للكراهة وليس للتحريم .
    أيضا من الصيغ و الأساليب الدالة على الكراهة التصريح من الصحابة أو النبي × بأن صيغة النهي غير جازمة ورد نهي ولكن نهي غير جازم كما ورد في قول أم سلمه رضي الله عنها: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) فلو قالت نهينا عن اتباع الجنائز وسكتت لكان هذا اللفظ دال على التحريم . لكنها جاءت بصيغة النهي وبينت أنها غير جازمة فقالت ولم يعزم علينا . يعني لم يشدد علينا ولم يحزم لترك هذا الأمر فنقول أنه مكروه للنساء اتباع الجنائز.

    إطلاقــات المكـــــروه :
    عندما تأتي في أحكام الشرع واستعمالات الشرع في القرآن والسنة أو في استعمالات السلف لفظ المكروه نجد أنها تختلف هذه الاستعمالات عن الذي نبحثه هنا في أصول الفقه وقد تكون على معان أخرى قد تكون أوسع أو ربما تكون أضيق ، فمثلا من إطلاقات لفظ المكروه:
     أنه يطلق لفظ المكروه ويراد به الحرام أو كما يعبر عنه بالمحظور روى هذا الإطلاق عن الإمام مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله . وهذا غالب في عبارات السلف ، ولماذا كان غالب في عبارات السلف لأنهم كانوا يتورعون ويتحرزون أن يقعوا في طائلة النهي في قوله تعالى +ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام" وأيضا قوله تعالى +ولا تقف ما ليس لك به علم" وخشية منهم أن يقولوا على الله بشي بناء على عدم العلم أو بناء على التردد أو بناء على وجود احتمال عندهم على الحكم فإنهم يقولون بأن هذا مكروه ويقصدون بذلك الحرام . لم يقولوا بأنه حرام . لماذا لأن التعبير بلفظ حرام كان فيه جزم بأن هذا الأمر قد جزم من الله تعالى فتورع عن إطلاق لفظ حرام مباشرة في الفتوى فيلجئون إلى التعبير بلفظ مكروه ليقيهم عن التعبير بلفظ حرام وهذا يعني أننا عندما نقرأ مؤلفات العلماء وفتاوى السلف ينبغي أن نتبين ونركز و لفظ الكراهة والمكروه لأنهم قد يعنون به حرام ، وابن القيم رحمه الله في كتابه أعلام الموقعين بين هذا وقال أن هذا كان من أسباب خطأ كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم وأطلقوا لفظ الكراهة . فأتى المتأخرون من أتباع المذهب ونفوا التحريم وقالوا الإمام لا يقول بتحريم . فنفوا التحريم الذي أطلقوا عليه الأئمة الكراهة ، بينما كان مراد الأئمة حقيقة في التحريم وليس الكراهة ، فمثلا الإمام أحمد نقل عنه أنه يقول أكره المتعة والصلاة في المقابر وهما في الحقيقة يحرمان ، وعبر بلفظ أكره يعني من باب التورع في الفتوى . ونقل عن الإمام الشافعي أنه قال أكره اشتراط الأعجف والأعجف هو الضعيف . قال أكره اشتراط الأعجف والمشوي والمطبوخ لأن الأعجف يعيب واشتراط العيب مفسد فأطلق هذه العبارة ويقصد بها التحريم وليس الكراهة . فينبغي في الحقيقة الوقوف عند كلام العلماء والتأني فيه وعدم الأخذ بالعبارات على إطلاقها لأن العلماء والسلف يطلقون اللفظ ويقصدون به مقصد معين .
     من أيضاً إطلاقات المكروه في الشرع أنه يطلق على ما نهي عنه نهيا تنـزيهيا وهو المراد هنا والمقصود في النهي التنزيهي والكراهة التنزيهية ما جاء به نهي غير جازم وهو المقصود هنا فيطلق هنا على هذا الأمر وهو الذي نبحثه هنا أو المقصود عند علماء أصول الفقه عندما يطلقون لفظ المكروه. إذا أردنا لفظ المكروه عند الأصوليون انصرف إلى هذا المعنى وهي الكراهة التنزيهية أو الذي نهى عنه الشرع نهيا غير جازم وهو الذي نحن بصدده في أحكام الحكم التكليفي لأن حقيقتا كل قسم من أقسام الحكم التكليفي قد خص باسم قد غلب عليه كالواجب والمندوب والمباح والحرام فيقتضي هذا اختصاص المكروه أيضاً باسم غالب عليه كغيره من الأحكام وهذا الاسم هو لفظ المكروه .
     من إطلاقات لفظ المكروه في الشرع أيضاً يطلق المكروه ويراد به ما وقعت الشبهة في تحريمه ، وإن غالب الظن حله . فإذا وقعت شبهه في تحريمه فإنه يقال بعضه ويطلق عليه مكروه مع أن الغالب أنه حلال ، لكن البعض يطلق عليه مكروه مع أنه حلال إشارة لأن هناك شبهة في تحريمها . مثل أكل السبع وشرب يسير النبيذ فمثل هذه حصل شبهة في تحريمها . طبعا أكل لحم السبع بناء على الذين قالوا بهذا القائلين تحريمهما جاء بخبر أحاد وخبر الآحاد يفيد الظن . فقالوا أن هناك شبهه في تحريم أكل لحم السبع وأيضا هناك من يقول بيسير النبيذ وأنه قيل بتحريمه قياس على الخبر الوارد بشأنه النص وأيضا تحريمه في شبه ولذلك قالوا بأنه مكروه .
    وقصدهم بذلك وقعت شبهه في تحريمه ...
     الإطلاق الرابع للمكروه هنا أنه يطلق في الشرع (يطلق المكروه ويراد به ترك ما مصلحته راجحة ) كترك المندوبات فالمندوبات مصالحها راجحة على تركها أو فعلها بغير مصلحه راجحة على تركها . فيطلق بعض العلماء على ترك المندوب مكروه مثل ترك صلاة الضحى . قال بعضهم ما حكم ترك صلاة الضحى يقول بعضهم مكروه . وهذا الإطلاق ما عبر عنه بعضهم بخلاف الأولى كما سيأتي الكلام عنه بأذن الله تعالى.

    ختاما في إطلاقات المكروه ينبغي أن أنبه إلى أن اصطلاح الحنفية قد اختلف عن اصطلاح الجمهور في إطلاق لفظ مكروه .

    فالجمهور إذا أطلق لفظ مكروه عندهم ينصرف إلي المكروه كراهة تنزيهية كما ذكرنا قبل ذلك . والمقصود بالكراهية التنزيهية عندهم يعني ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم . لأنهم لا يسمون بهذا الاسم غير هذا الأمر . وإن كانوا لا يخالفونا في إطلاقه أو جواز إطلاقه على الحرام كما قلنا إن بعض السلف كان يطلقه علي الحرام . لكن إذا أطلق عند الجمهور يقصدون به ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم .

    أما الحنفية فإذا أطلقوا لفظ المكروه فيقصدون انه ينصرف إلي المكروه كراهة تحريمية. ويخصون المكروه الذي يبحثه الجمهور هنا المكروه تنزيلا. والمقصود بالمكروه تحريما عند الحنفية هو ما طلب الشارع تركه طلب جازما .لكن بدليل ظني وسيأتي الكلام علي أن هذا نوع من أنواع الحرام عند الحنفية كما سيأتي الكلام عن أقسام الحرام .وإذا أرادوا أن يتكلموا عن المكروه الذي هو ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم . فإنهم يعبرون عنه بلفظ المكروه تنزيلا .

    فإذن عندنا الجمهور اصطلاحهم في المكروه يختلف عن اصطلاح الحنفية . فالجمهور إذا عبروا بلفظ المكروه يقصدون بذلك ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم . الحنفية إذا عبروا بلفظ المكروه فيقصدون بذلك ما طلب الشارع تركه طلبا جازما . ويقصدون بذلك المكروه كراهة تحريمية . أما إذا أرادوا أن يتكلمون عن المكروه الذي يتكلم عنه الجمهور فإنهم يسمونه مكروه تنزيها وهو ما طلب تركه الشارع طلبا غير جازما . هذا يسمونه مكروها تنزيها يخصونه بهذا الاسم . فإذا أطلقنا لفظ مكروه عند الجمهور يقصدون به المكروه كراهة تنزيهيه الذي طلب الشارع تركه طلبا غير جازم . وإذا أطلق لفظ المكروه عند الحنفية في أصول الفقه ما يقصدون به ما طلب الشارع تركه طلبا جازما . بدليل ظني ، ويخصونه باسم خاص وهو المكروه تحريما كما سيأتي الكلام عنه بعد ذلك .
    أما إذا أراد أن يعبروا عن المكروه الذي تكلم عنه الجمهور فيسمونه مكروه تنزيها .

    والمصطلح الذي عرفناه بأنه ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم في هذا تنبيه في هذا المقام ينبغي الانتباه له . ومحل البحث هنا في القسم الرابع في المكروه والمقصود به المكروه عند الجمهور والمقصود المكروه تنزيها عند الحنفية بمعنى ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم يسميه الجمهور مكروه للإطلاق ويسميه الحنفية مكره تنزيها بالتقييد.

     هناك مسألة أخيره في هذه الحلقة الكلام على حكم المكروه أو حكم المكروه إطلاقا عند الجمهور والمكروه تنزيها عند الحنفية.
    ونقول في حكمه أنه لما كانت صيغة النهى في المكروه عند الجمهور أو المكروه تنزيها عن الحنفية صيغه غير جازمة. فإن حكمه لابد أن يكون أخف من حكم النهي إذا كانت صيغته جازمة. وهو ما يسمى بالحرام . ولذلك قال العلماء في حكم المكروه وهو مكروه تنزيهيا.
    عند الحنفية : قالوا بحكمه أولا : يثاب المكلف إذا تركه بقصد الامتثال . ثانيا : إذا فعل المكلف لا يعاقب على فعله كما يعاقب على فعل المحرم أو المكروه تحريما عند الحنفية . وإنما يكون فيه لوثه . ولهذا يسمى مخالفا ومسيئا وغير ممتثل . ولكن لا نقول أنه مستحق للعقاب . بخلاف المحرم أو المكروه المحرم . وكما يرى بعض العلماء تخصيص الإساءة لفاعل الحرام والمكروه تحريميا .

    إلا أن شيوع استعمال الفقهاء كلمة إساءة على المكروه تنزيها أيضاً جعلتنا نثبت الإساءة هنا بحكم المكروه . ونقول إن الإساءة تختلف شدة وضعفا . فهي في ارتكاب المكروه عند الجمهور أو المكروه تنزيها عن الحنفية أخف منها في ارتكاب المحرم أو المكروه تحريما .
    ولا خلاف في درجات الإساءة. هذا كله إذا كان الحكم السابق تارك للمكروه يستحق الثواب إذا تركه بقصد الامتثال وفاعله لا يستحق العقاب . وإنما نسميه مسيئاً أو مخالفاً أو غير ممتثل فلا يستحق العقاب .
    هذا كله إذا كان ارتكاب المكروه غير ناشئ عن الاستصغار والاحتقار للحكم الشرعي . أما من ارتكب مكروهاً مع الاستخفاف والاحتقار في الأحكام الشرعية . فإن هذا ينقلب فعله إلى أن يكون حراما ويأثم على هذا ويستحق العقاب على هذا . كما لو ترك الإنسان مندوبا من المندوبات مع الاستخفاف بحكمه . فإذا ترك الإنسان المندوب مع الاستخفاف به فإن هذا ينقلب فعله إلى كبيرة من الكبائر.

    الشاطبي رحمه الله أضاف إلى حكم المندوب إن الفعل إذا كان مكروه بالجزء فإنه يكون ممنوع بالكل . مثل له بلعب الشطرنج والنرد بغير مقامرة. فإن مثل هذه الأشياء إذا وقعت على غير مداومة فلم تقدح في العدالة فإن داوم عليها قدحت في عدالته . فتكون مكروهه بالجزء ممنوعة بالكل .
    هذا ما يتعلق بحكم المكروه وهو أخف درجه من حكم المحرم .ولكن لا نهون من حكم المكروه كما ذكرنا سابقا في حكم ترك المندوب . وكذلك في حكم المكروه نقول أن تاركه يستحق الثواب إذا تركه امتثالا , وتاركه لا يستحق العقاب من حيث الأصل . مثلا لو أن إنسان فعل مكروه يقصد الاستحقار الاستخفاف بحكم الشرع والتهاون بها فأنه قد يلحقه ذنب وعقاب وأثم على هذا . فينبغي على الإنسان أن يحذر من الإسراف في ارتكاب المكروهات والاستحقار بأحكام الشرع لأن هذا قد يلحق به ذنب وقد يلحق به قدح وقد يوصف الشخص بالإساءة . هذا ما يتعلق بحكم المكروه وبه أيضاً نختم على مسائل المكروه . ولا يزال الحديث موصول في الحلقة القادمة ...

    وسيكون كلامنا هنا في جملة من المسائل المتعلقة بالمكروه :
    المسألة الأولى الفرق بين المكروه وخلاف الأولى .
    المسألة الثانية هو كون المكروه منهي عنه حقيقة .
    والمسألة الثالثة كون المكروه تكليفا .
    والمسألة الرابعة دخول المكروه في الأمر .

     المسألة الأولى: الفرق بين المكروه وخلاف الأولى :
    نلحظ علي ألسنة كثير من الفقهاء في مؤلفاتهم وفتاواهم أنهم كثير ما يعبرون بقولهم هذا الآن خلاف الأولى . فتجدهم يقولون في ترك صلاه الضحى عندما يسألون عن صلاه الضحى . فيقولون تركها خلاف الأولى .
    ويفرقون بينها وبين المكروه . بمعني لم يقولوا ترك صلاه الضحى مكروه وإنما قالوا بخلاف الأولى . إلا إن الأصوليين لم يبحثوا هذا الفرق . وإنما اعتبروا خلاف الأولى مرادفا للمكروه . أو نوعا من أنواعه .
    من أوائل من تكلم عن الفرق بين خلاف الأولى والمكروه هو ابن السبكي في كتابه جمع الجوامع . فقد فرق بين المكروه وخلاف الأولى . وجعل خلاف الأولى نوعا سادسا من أنواع الحكم التكليفي .
    وقال إن الحكم التكليفي واجب ومندوب ومباح ومكروه وخلاف الأولى ومحرم . فجعل خلاف الأولى نوعا سادسا من أنواع الحكم التكليفي . وقال إنه ينبغي أن يكون تقسيم الجمهور بهذه الصورة .
    حقيقة الخلاف في اعتبار خلاف الأولى في هذه المسألة لابد أن نوضح في هذا أن الفقهاء لهم أيضاً تعريف أو إشارات إلى تعريف خلاف الأولى . ومن خلال هذا يمكن أن نصل إلى هل هناك فرق بين خلاف الأولى والمكروه .

    الفقهاء يعرفون خلاف الأولى أنه بما ليس فيه صيغة نهي مقصودة
    وبهذا يفرقون بينه وبين المكروه . فيقولون إن المكروه ما كان فيه صيغة نهي مقصودة . وفي هذا السياق يقول الزركشي في كتابه بحر المحيط: (وفرق الفقهاء بين خلاف الأولى وبين المكروه أن ما ورد فيه نهي مقصود يقال فيه مكروه . ومالا يقال فيه خلاف الأولى ولا يقال مكروه ) . كما ذكر الزركشي في كتابه بحر المحيط أن الفقهاء يعدون خلاف الأولى واسطة بين الكراهة والإباحة ., يعني أمر متوسط بين الكراهة والإباحة . ويقول إمام الحرمين في هذا: (التعرض للفصل بينهما - يقصد بين المكروه وخلاف الأولى - مما حدثه المتأخرون . ثم ذكر تعريفهم له وقال المراد بالنهي المقصود أن يكون مصرحا به . كقول الشارع لا تفعلوا كذا ونهيتكم عن كذا . بخلاف ما إذا أمر بمستحب فإن تركه لا يكون مكروها يعني يكون في خلاف الأولى ).
    فبناء على هذا بتلخيص لنا أن من فرق بين المكروه وخلاف الأولى فرق من جهة أن المكروه كل ما ورد فيه صيغة نهي مقصودة فهذا نعبر عنه بالمكروه مثل : لو ورد صيغة نهي بالطلاق (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) فنقول إنه مكروه
    ومثل قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم" قلنا إن هذا صرف من التحريم إلى الكراهة . فعلى هذا نقول مكروه ولا نقول بخلاف الأولى . لأن السؤال عما لم يرد بشأنه نص من الشرع . هذا نقول مكروه ولا نقول خلاف الأولى إذا ما ورد في شأنه صيغه نهي مقصوده عندما نريد أن نعبر عن حكمه نقول هذا مكروه . وتكون صيغة النهي المقصودة غير جازمة . لأنه لو كانت جازمة كان محرم .
    وما لم يرد بشأنه صيغة نهي مقصودة فإنه يكون من قبيل خلاف الأولى . والمقصود بهذا الشيء من الأمور فعله خير من تركه فلو تركه الإنسان فإنه يكون مذموما تركه في هذه الحالة . وحينئذ لم يرد في شأنه صيغة نهي مقصودة فنقول إن تركه خلاف الأولى . مثلا صلاة الضحى تركها لم يرد بشأنها صيغة نهي مقصودة . يعني لم يرد نص ينهي عن صلاه الضحى . إنما ورد نص بفعلها . لكن لم يرد نص بعدم أو نهي عن تركها . فإذن لما أتينا إلى تركها قلنا تركها خلاف الأولى لم نقل تركها مكروه لأنه لم يرد بتركها صيغة نهي مقصودة تنهى عن تركها . فحينئذ نقول أو نعبر عنها بخلاف الأولى .

    هذا كمثال للتفريق بين عندما قالوا المكروه يخص بما كان فيه صيغة نهي مقصودة غير جازمة وأن خلاف الأولى يخص بما لم يكن فيه صيغة نهي غير مقصودة .
    وفي الجملة المقصود بذلك ترك المندوبات . فيكون من خلاف الأولى . نشير هنا إلى أن الدافع إلى أن الفقهاء عندما جعلوا خلاف الأولى نوعا خاص يغاير المكروه . دعا لذلك بحثهم التفصيلي للأحكام الفقهية لأن الفقهاء يعتنون بالبحث التفصيلي للأحكام الفقية . بخلاف الأصوليين فإنهم لم يحتاجوا إلى البحث التفصيلي للأحكام الشرعية إنما يحتاجون إلى البحوث الإجمالية للأحكام الفقهية . فلذلك لم يعتنوا بالتفرق بين خلاف الأولى والمكروه وهذا هو السبب لاعتناء الفقهاء وعدم اعتناء الأصوليين لهذا الأمر . إضافة إلى هذا أن التفريق بين خلاف الأولى والمكروه تعريف اصطلاحي والعلماء جروا على أنه لا مشاحة في الاصطلاح . من العلماء الذين أيدوا التفريق بين خلاف الأولى وبين المكروه

    و جعل خلاف الأولى نوعا غير المكروه الزركشي في البحر المحيط حيث قال بعد أن عرض الأقوال في التفريق بين خلاف الأولى و بين المكروه قال ( والتحقيق أن خلاف الأولى قسما من المكروه ودرجات المكروه تتفاوت كما في السنن ولا ينبغي أن يعد قسم آخر وإلا لكانت الأحكام ستة وهو خلاف المعروف أو كان خلاف الأولى خارج عن الشريعة وليس كذلك فإذن الزركشي نشير إلى كلامه لأنه يؤيد التفريق بين خلاف الأولى وبين المكروه . بل يقول إن خلاف الأولى نوع من أنواع المكروه وكلاهما يدور في دائرة واحدة .
    فقال كما أن المندوبات تتفاوت في قوة طلب فعلها . فكذلك المنهيات تتفاوت في طلب تركها . فكما أن المندوبات على درجات فكذلك المكروهات أيضاً على درجات فخلاف الأولى درجة من درجات المكروه . لماذا قال لأنه لو عددناه قسم آخر لخالفنا بذلك إجماع العلماء السابقين على أن أقسام الحكم التكليفي خمسة . وأيضا أو نعده خارجا عن الشريعة وليس أمرا مقبولا في هذا المقام .

    أيضا ابن عابدين وهو من علماء الحنفية يرى أن خلاف الأولى أعم من المكروه . فكل مكروه تنزيها عند الحنفية خلاف الأولى ولا عكس . لأن خلاف الأولى قد لا يكون مكروه حيث لا دليل خاص كترك صلاة الضحى كما مثلنا في ذلك . وبه يظهر كون ترك المستحب راجعا إلى خلاف الأولى لا يلزم أن يكون مكروها إلا بنهي خاص . لأن الكراهة حكم شرعي فلابد لها من دليل . كأن ابن عابدين يرى هنا أن خلاف الأولى أعم من المكروه لأن خلاف الأولى كأنه مكروه وزيادة . فيكون كل مكروه تنزيها يعتبر من قبيل خلاف الأولى لكن ليس كل خلاف الأولى من قبيل المكروه تنزيها لأن المكروه تنزيها أخص من خلاف الأولى .
    وكما قلنا خص المكروه تنزيها . بما كان بشأنه دليل خاص يدل على أنه منهي عنه . وخلاف الأولى يشمل ما كان بشأنه دليل خاص ولم يرد بشأنه
    دليل خاص . كترك المستحبات كترك صلاة الضحى . هذا معنى كلام ابن عابدين في هذا المقال ...


     المسألة الثانية وهي كون المكروه منهي عنه حقيقة :
    سنتكلم في هذا عن المراد بهذه المسألة وصلتها بمسألة المندوب . هل هو مأمور به حقيقة ؟ نتكلم عن آراء الأصوليين في هذه المسألة ونوع الخلاف وثمرته إن وجدت في هذا المقال .
    الأصوليون يعرضون لهذه المسألة وهي مسألة كون المكروه منهي عنه حقيقة . يعرضون لها في باب المكروه كما تعرضوا لنظيرها في المندوبات . فقالوا هل المندوب مأمور به حقيقة ومر بنا الكلام على هذه المسألة .
    لتشابه الموضوع بين مسألتين فإن كثيرا من الأصوليين يعرض عن الكلام في المسألة . وهي مسألة كون المكروه منهي عنه حقيقة . كأن يرى أن بحث مسألة المندوب هل هم ينظرون بحقيقته يغني عن بحث هذه المسألة هنا . فيجعل الخلاف الجاري بالمندوب هل هو منظور به حقيقة يجري أيضاً في المكروه ومنهم فمن قال أيضاً هو منهي عنه حقيقة ومنهم من قال المكروه غير منهي عنه أو بعبارة مرادفة منهي عنه مجازا
    .
    ** هناك من قال المكروه منهي عنه حقيقة وهناك من قال المكروه غير منهي عنه بمعنى منهي مجازا.
    • من يقول المكروه منهي عنه حقيقة . يستدل بأن استعمال النهي في المكروه شائع في لسان اللغة والشرع والأصل في الاستعمال الحقيقة فيقول إن كلمة النهي تطلق على ما كان النهي فيه لحرمته كما تطلق على ما كان النهي فيه لكراهته وعدم استحسانه . فإذا كان الإطلاق لهذه الصورة فإذن ينبغي المكروه منهي عنه حقيقة كما أن المحرم منهي عنه حقيقة .
    • من يقول أن المكروه غير منهي عنه أو يقول المكروه منهي عنه مجازا فيستدل بقوله تعالى: "وما نهاكم عنه فانتهوا" فيقول إن هذا النهي إلى أن الانتهاء لازم عن المنهي عنه أما المكروه فمعلوم أن الانتهاء عنه غير لازم فلذلك لا يدخل في مصطلح النهي . طيب النهي هنا مقصود الانتهاء اللازم والمكروه لا يلزم الانتهاء منه . ومعنى هذا لا يدخل في مصطلح النهي الوارد في الآية . ومعنى هذا أن المكروه غير منهي عنه أو بعبارة أخرى منهي عنه مجازا .
    الراجح في هذه المسألة . يعني حقيقة كما رجحنا في المندوب الذي يترجح هنا أن المكروه غير منهي عنه أو بعبارة أخرى مرادفة منهي عنه مجازا
    فهو غير منهي عنه حقيقة بل منهي عنه مجازا .

    وجه الترجيح هو ما سبق في ترجيح كون المندوب مأمور به مجازا وليس حقيقة فهو يجري نظير الترجيح هنا يجري هناك حيث أن هذا الترجيح الذي رجحنا فيه أن المكروه منهي عنه مجازا هذا الترجيح هو من لوازم الترجيح في مسألة في باب النواهي وهو أن لفظ النهي عنه جمهور العلماء حقيقة في التحريم مجاز في الكراهة كما سيأتي .

     ثمرة الخلاف الواردة هنا الحقيقة هي ثمره الخلاف الواردة في نظيرها في المندوب .
     فمن ثمرات الخلاف هنا أن نقول لو ورد عن الراوي أن قال أحد الرواة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (نهينا عن كذا) أو قال (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا)
    فعلى المذهب الأول يكون النهي في هذا اللفظ مترددا بين إرادة التحريم و إرادة الكراهة فيكون النهي مجملا بينهما ولا بد من دليل يرجح المقصود . وعلى المذهب الثاني يكون النهي منصرفا في هذا اللفظ إلى التحريم ويكون ظاهرا في التحريم حتى يرد دليل يدل على أن المراد به الكراهة .

    من ثمرات الخلاف هنا لو ورد لفظ النهي في الشرع ثم دل دليل على أنه لا يراد به التحريم فهنا يحصل الخلاف هل نحمله على الكراهة دون حاجه إلى دليل؟ من يقول أن المكروه منهي عنه حقيقة يقول نحمله على الكراهة لأن النهي كما أنه للتحريم حقيقة فهو للكراهة حقيقة فدل دليل على عدم حمله على التحريم نحمله مباشرة على الكراهة لأنه لا حاجة إلى دليل في هذه الحالة لأن كلا الاستعمالين حقيقة .
    ومن قال إن المكروه منهي عنه مجازا ثم جاء دليل يدل على عدم تحريمه فيقول لا نحمله على الكراهة إلا بدليل لأن الحمل على الكراهة مجاز والحمل على المجاز يحتاج إلى دليل .


     المسألة الثالثة هي كون المكروه تكليفا وهل المكروه فيه تكليف ؟
    الحقيقة الخلاف الذي مر معنا في المندوب. هل المندوب فيه تكليف أيضاً يأتي نظيره هنا في المكروه هل هو تكليف أو ليس فيه تكليف . وهنا أيضاً خلاف كالخلاف الوارد هناك .
     فالجمهور يرون أن المكروه ليس فيه تكليف لأن التكليف إنما يكون فيه لما فيه كلفة ومشقة والمكروه ليس فيه كلفة ولا مشقة اتضح هذا من كلامنا السابق عن المكروه . وحيث كان كذلك أن المكلف إذا ترك الفعل المكروه فله أجر وثواب وإن لم يتركه فلا إثم ولا عقاب عليه . فهذا لا مشقة فيه ولا كلفة بخلاف الواجب والمحرم وهناك فيها كلفة ومشقة ولذلك المكروه لا تكليف فيه .
     فالمذهب الثاني هنا يقول أن المكروه من التكليف . وعلى هذا يحمل قول الأستاذ أبي إسحاق الاسفراييني وبعض الشافعية والحنابلة واستدل بهذا القول بأن المكروه لا يخلو من كلفة ومشقة فيشمله معنى التكليف . إذن منشأ الخلاف بين القولين هل في المكروه كلفة ومشقة أو ليس فيه كلفة ومشقة؟.
    ويعود هذا إلى تعريف التكليف فإن عرفنا التكليف بأنه إلزام بما فيه كلفة فإن هذا يخرج المندوب والمكروه عن هذا الأمر . ومن عرف التكليف بأنه طلب ما فيه كلفة . فإنه يدخل فيه المكروه المندوب كما سبق لأن في هذه العبارة كلفة وأنه لا يخلو فعلهما من كلفة ومشقة . والخلاف هنا خلاف لفظي .

     المسألة الرابعة هي دخول المكروه في الأمر :
    عبر عنها بعض العلماء بقولهم هل المكروه مأمور به ؟ .
    والحقيقة أننا إذا نظرنا إلى هذه المسألة بهذه العبارة وبهذه الصيغة تكون محل استغراب . ولذلك استغرب بعضهم إيراد الأصوليين لهذه المسألة بهذا العنوان . وهل يدخل المكروه في الأمر أو هل المكروه مأمور به . الأولى أن نقول هل المكروه منهي عنه . لكن أن نقول هل هو مأمور به هذه المسألة كان فيها غرر لكن الحقيقة ينبغي أن نعلم مرادهم بقولهم هل المكروه مأمور به أو هل يدخل المكروه في الأمر . فإذا علمنا المقصود بحقيقة هذه المسألة فإنه يزول هذا الاستغراب . فما المقصود في هذه المسألة؟

    ** المقصود في هذه المسألة أنه إذا أتى المكلف بالمأمور به على صفه مشتملة على أمر مكروه . فهل يجزي هذا الفعل أولا يجزئ
    . فإذن حقيقة هذه المسألة هل يدخل المكروه تحت مطلق الأمر أو لا؟ .
    فلو جاء الخطاب مثلا بأمر من الأمور فهل تدخل الصورة المؤداة له مع الكراهة تحت هذا الأمر ويعتبر صاحبها ممتثلا وفعلها مجزئا أو لا يعتبر كذلك؟ .
    هذه المسألة وقع الخلاف فيها بهذه الصورة . وقد عبر عنها بعضهم بالأمر هل يدخل المكروه في الأمر أو هل المكروه مأمور به هذه المسألة بهذا التعبير قد تكون محل استغراب . لكن إذا عرفنا المقصود بها لا تكون محل استغراب هنا
    لأن المقصود إذا فعل المكلف شيئا مأمور به ولكن فعله على صفة مكروهة . فهل يجزئ أو لا يجزئ .
    من يقول أن المكروه يمكن يدخل في الأمر وأن المكروه يمكن أن يكون مأمور به يقول أنه يجزئ ومن يقول أن المكروه لا يدخل في الأمر فإنه لا يجزئ . هذه خلاصة الخلاف في المسألة .
    الخلاف هنا بين الجمهور من جهة

    القائلين بأن المكروه لا يدخل في الأمر بمعنى أن من أتى بفعل مأمور به على صفة مشتملة على أمر مكروه فإنه لا يجزئه
    . من جهة أخرى بين الحنفية يقولون الحنفية إن المكلف إذا أتى بفعل مكلف به على صفة مكروهة فإن هذا الفعل يجزئه. وبناء على هذا يكون المكروه غير مأمور به عند الجمهور بمعنى لا يدخل في الأمر المطلق . وعند الحنفية المكروه مأمور به ويدخل في الأمر المطلق بمعنى أنه إذا فعله المكلف بصفة مشتملة على كراهة فإنه يجزئه هذا الفعل .

     الجمهور استدلوا بـ :
    1) بعدم دخول المكروه في الأمر وعدم الإجزاء بهذه الحالة بأنهم قالوا إن المكروه منهي عنه نهيا غير جازم . والنهي يقتضي ترك الفعل .أما الأمر فإنه يقتضي إيجاد الفعل فيلزم من ذلك أن الأمر والنهي متضادان وإذا كان متضادين فإنه لا يمكن أن يطلب ترك الشيء في حين أنه يطلب فعله . أي يستحيل أن يكون الشيء مأمورا به منهيا عنه في وقت واحد بعبارة مختصره .
    2) دليلهم الثاني قالوا أنه يوجد تنافي بين حقيقة الأمر وحقيقة المكروه . فالأمر هو استدعاء وطلب والمأمور به مستدعى ومطلوب فعله مثل الواجب والمندوب أما المكروه فهو مطلوب الترك إذن ليس مستدعى ولا مطلوب فعله . فيكون المكروه منهي عنه .
    3) استدلوا في دليل ثالث إذا كان المباح ليس مأمورا به كما سبق رجحنا هذا في مذهب الجمهور . مع أنه ليس منهيا عنه فمن باب أولى المكروه لا يدخل تحت الأمر ولا يكون مأمور به مع زيادة على كونه منهي عنه.
    الخلاف بين الجمهور والحنفية في هذا إذا أردنا أن نرجح يظهر في الترجيح في هذه المسألة ننظر الدليل الذي ثبتت به الكراهة فهل ثبتت الكراهة لأجل ورود النص الذي ينهى عن هذه الصفة بعينها . فهنا ينبغي أن يقال بعدم الإجزاء . وإن كان ثبوت الكراهة من جهة مخالفة الصفة للمندوب فينبغي أن يقال بالإجزاء
    .
    == من ثمرات الخلاف بين الجمهور وبين الحنفية في هذا المقام قالوا لو طاف مكلف على غير طهارة أو طاف منكس يعني منكوس أي جعل البيت على يمينه بدل أن يكون على يساره فهنا هل يدخل الأمر الوارد بقوله تعالى "فليطوفوا بالبيت العتيق"؟

    اختلف العلماء في ذلك فالجمهور يقولون الأمر مطلق لا يتناول المكروه . ومعنى هذا أن فعل المكلف بهذه الصورة لا يجزئ .
    الحنفية يقولون إن الصفة تدخل في هذا الأمر المطلق وفعل المكلف في هذه الحالة مجزئ مع الكراهة .
    == الثمرة الثانية :قالوا لو توضأ مكلف وضوءا منكسا دون ترتيب هل يدخل هذا في الأمر المطلق الوارد في الوضوء ويجزئ أو لا ؟. الجمهور يقولون لا يجزئ . والحنفية يقولون إنه يجزئ . بناء على ما ذكرنا .
    == الثمرة الثالثة : مثل من صام يوم الشك تطوعا .الجمهور يقولون لا ينعقد لأن الصوم مكروه في هذه الحالة فلا يدخل في الأمر المطلق فلا يكون صومه منعقدا . والحنفية يقولون أن من صام يوم الشك فإن صومه ينعقد مع الكراهة بناء على أن المكروه يدخل في الأمر المطلق .
    نختم على مسائل المكروه .


    وفي هذه الحلقة سيكون الكلام على القسم الخامس والأخير من أقسام الحكم التكليفي
    الـمحــرَّم
    وفي هذه الحلقة سنتكلم عن :
    • حقيقة المحرم .
    • الفرق بينه وبين المكروه تحريماً .
    • صيغ المحرم وأساليبه التي يعرف بها .
    • حكم المحرم .


    س---- ما حقيقة المحرم؟
    نتكلم فيه على حقيقته وتعريفه في اللغة والاصطلاح :
    س---- عرف المحرم في اللغة؟
    ج------- هو الممنوع يقال حرم الشيء يحرمه تحريما ً إذا منعه إياه والحرام ضد الحلال ومن معاني المحرم أنه يأتي بمعنى الواجب أي الثابت فمن إطلاق لفظ المحرم على الممنوع أو على المنع
    قوله تعالى: "وحرمنا عليه المراضع" بمعنى منعناه منها.
    ومن إطلاقه ضد الحلال قوله تعالى: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام" والحرام هنا ضد الحلال ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الحلال بين وإن الحرام بين).
    وأما إطلاق الحرام بمعنى الواجب أي الثابت فمنه قوله تعالى +وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون" فمعنى حرام هنا واجب وهذا المعنى يحكى عن ابن عباس في تفسيره هذه الآية ومعناه عندئذٍ واجب على قريةٍ أردنا إهلاكها أنهم لا يرجعون عن الكفر إلى الإيمان في أحد تفسيرات لفظ الحرام هنا ومعنى الآية هنا .

    س---- عرف التحريم اصطلاحا؟
    ج------ وردت عدة تعريفات للمحرم في الاصطلاح ، مثلا ً عرفه بعضهم بأنه (ما يذم فاعله شرعاً).
    وقيده بعضهم بقولهم ( من حيث هو فعل ) يعني ما يذم فاعله شرعا ً لذاته وقال من حيث هو فعل يعني لذاته لأن الشيء أحيانا ً المباح قد يذم فاعله والمندوب قد يذم فاعله إذا ترتب على ذلك مثلا ً تفويت واجب أو أدى فعل المندوب إلى ارتكاب محرم وفي هذه الحالة قد يذم فاعله وكذلك المباح ولكن ليس لذات المندوب وليس لذات المباح وإنما لعارض عرض له فقولهم هنا ما يذم فاعله شرعا ً من حيث هو فعل أو لقولهم لذاته حتى يخرجوا مثل هذه الأمور التي قد تعرض لبعض الأفعال التي في أصلها مباحة أو مندوبة أو قد تكون محرمة ً لبعض الأحوال

    س---- ما هو تعريف ابن قدامة رحمه الله للمحرم؟
    ج---- عرف بعضهم المحرم بأنه ضد الواجب وهذا تعريف ٌ لابن قدامة رحمه الله وهذا تعريف بالضد جرى عليه بعض العلماء أنهم يعرفون الشيء بضده ولكن هذا التعريف لا يصور المعرّف تصويرا ً واضحا لأنه يترتب على هذا لابد أن يتصور الإنسان قبل ذلك الواجب حتى يتصور المحرم بعده .

    س---- ما تعريف الآمدي للمحرم؟
    ج----- الآمدي عرف المحرم بأنه : ما ينتهض ُ فعله سببا ً للذم شرعا ً بوجه ما من حيث هو فعلٌ له وهذا في معنى قولنا ما يذم فاعله شرعا ً من حيث هو فعل لأنه ما ينتهض فعله سببا ً للذم هذا يساوي قولنا ما يذم فاعله شرعا وقولنا من حيث هو فعل له يساوي قولنا من حيث هو فعل .
    فخرج بقوله ما ينتهض فعله سببا ً للذم شرعا يخرج هذا الواجب والمندوب لأن فعلهما لا ينتهض سببا ً للذم وإنما يكون سببا ً للمدح . وخرج بقوله من حيث هو فعل له يخرج المباح الذي يستلزم فعله إما ترك واجب أو فعل محرم فإنه يذم لكن لا من جهة كونه مباحا ً أو من جهة ذاته أو من جهة فعله بل لما عرض له وبما لزم عليه .

    س---- أذكر التعاريف الأخرى للمحرم؟
    ج----- هناك أيضاً من عرف المحرم بتعريف ٍ يسير في نسق الذي قلنا يتفق مع ألفاظ التقسيم التي سار عليها الجمهور فقال في تعريفه ما ثبت النهي عنه شرعا ً نهيا ً جازما أو بعبارة ً تؤدي نفس المعنى قريبة في اللفظ ما طلب الشارع تركه طلبا ً جازما أو يقال ما ثبت النهي عنه شرعا ً نهيا ً جازما فهذا فيما يتعلق بتعريف المحرم في الاصطلاح .
    فخرج بقولنا : ما ثبت النهي عنه شرعا ً : خرج الواجب والمندوب والمباح لأن هذه ثبت الأمر بها ولم يثبت النهي عنها .
    وقولنا نهيا ً جازما : يخرج المكروه عند الجمهور والمكروه تنزيها ً عند الحنفية لأن النهي فيه نهي غير جازم فالنهي في المكروه عند الجمهور والمكروه تنزيها ً عند الحنفية هذا النهي فيه نهي غير جازم .
    قولنا : ما ثبت النهي عنه شرعا نهيا ً جازما ً أو ما طلب الشارع تركه طلبا ً جازما ً هذا هو تعريف المحرم عند الجمهور وطبعا يمثل له بالأمور المعروفة شرعا ً في المحرمات مثل الربا والزنا والسرقة ونحو ذلك.

    س----- ما الفرق بين المحرم والمكروه تحريما ؟
    ج----- ولكن الحنفية يزيدون في تعريف المحرم لفظا ً آخر يميزه عن قسم آخر أقل مرتبة ً منه وهو المكروه تحريما فيقولون في تعريف المحرم هو : ما ثبت النهي عنه شرعا ً نهيا ً جازما ً بدليل قطعي أو يقولون ما طلب الشارع تركه طلبا ً جازما ً بدليل قطعي ويمثلون لهذا كما قلنا بما يتفق مع الجمهور بالربا والزنا والسرقة فهذه من المحرمات.
    فقولهم في نهاية التعريف بدليل قطعي أرادوا به التفريق بينه وبين المكروه تحريما ً وجعلوا المكروه تحريما ً في منزله أقل من منزلة المحرم وفرقوا بين المحرم والمكروه تحريما

    س----- عرف المكروه تحريما عند الحنفية؟
    ج---- ولذلك عند الحنفية فالمكروه تحريما ً هو : ما طلب الشارع تركه طلبا ً جازما ً بدليل ظني .
    أو كما قلنا ما ثبت النهي عنه شرعا ً نهيا ً جازما ً بدليل ظني والمقصود طبعا بدليل قطعي والدليل الظني الدليل القطعي هو متواتر من القرآن والسنة وأيضا ما يكون بالإجماع القطعي وما يتعلق بالمكروه تحريما ما ثبت النهي فيه نهيا ً شرعيا ً بدليل ظني

    س---- ما المقصود بالدليل الظني؟
    ج------ والمقصود بالدليل الظني هنا عند الحنفية هو ما جاء بطريق الآحاد من السنة أو ما كان ثابتا ً بإجماع ظني أو بقياس ونحو ذلك فالحنفية تفردوا عن الجمهور بإثبات قسم أقل من المحرم كما قلنا سابقا ً في تقسيم أحكام الحكم التكليفي كما قلنا عند الحنفية سبعة
    فزادوا في أولا ً : الفرض زادوه هناك في المطلوبات في الأشياء المطلوب فعلها وزادوا هنا في الأشياء المطلوب تركها المكروه تحريما ً فجعلوه في مرتبة بين المحرم والمكروه تنزيها أما المكروه تحريما ً عند الجمهور فهو من المحرم سواء ثبت بدليل ظني أو ثبت بدليل قطعي المهم أنه جاء بدليل جازم فالحنفية تفردوا بهذا النوع فهذا يدعونا إلى أن ننتقل إلى الكلام على الفرق بين المحرم والمكروه تحريما فالجمهور لا يفرقون بين المحرم والمكروه تحريما مادام أنه جاء طلب الترك فيه بطريق جازم فكلاهما سواء , سواء كان بدليل قطعي أو كان بدليل ظني حكمهما سواء , سواء سميناه محرم أو مكروه تحريما .

     أما الحنفية فيفرقون بين المحرم وبين المكروه تحريما فيجعلون ما ثبت النهي فيه شرعا ً نهيا ً جازما ً بدليل قطعي هو المحرم وما ثبت النهي فيه شرعا ً نهيا ً جازما ً بدليل ظني فهذا يسمونه المكروه تحريما فينظرون إلى طريق ثبوت النهي فيه فلما كان ثبوت النهي عن الشارع بدليل ظني أنزلوه عن درجة الحرام إلى درجة المكروه تحريما ً كما فعلوا سابقا ً في الواجب والفرض فقالوا في الفرض ما ثبت طلب الشارع له طلبا ً جازما ً بدليل قطعي هذا الفرض
    وقالوا في الواجب : ما ثبت أمر الشارع به أمرا ً جازما ً بدليل ظني فكما فرقوا هناك بين الفرض والواجب فرقوا بين المحرم والمكروه تحريما ً ونظروا في ذلك إلى الدليل المثبت لهذا الأمر.
    الحنفية عندما فرقوا هذا التفريق نسبوه إلى الإمام محمد بن الحسن تلميذ الإمام أبي حنيفة رحمهم الله بهذا نستطيع أن نقول إن المكروه تحريما ً عند الحنفية هو : ما ثبت النهي فيه شرعا ً نهيا ً جازما ً بدليل ظني وأن المحرم هو : ما ثبت النهي عنه شرعا ً نهيا ً جازما ً بدليل قطعي ومثلوا للمحرم كما سبق وقلنا مثل الربا والزنا والسرقة ونحوها .
    ومثلوا للمكروه تحريما ً مثلا ً بالنهي عن أكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب ٍ من الطير فقالوا هذا من قبيل المكروه تحريما لأنها ثبتت بالسنة الآحادية وهي تفيد الظن وقالوا إن ما ورد في الزنا والسرقة والربا هذه ثبتت بدليل قطعي فتكون محرمة ففرقوا بالتسمية بينهما والجمهور يقولون الجميع مطلوب تركه طلبا ً جازما سواء سميناه محرم أو مكروه تحريما لا فرق فحكمهما واحد .

    يجدر أن نشير إلى أمرين :
    الأمر الأول : أن الإمام محمد بن الحسن يطلق على المكروه تحريما ً اسم الحرام مع ثبوت التفريق عنده بين ما ثبتت حرمته بدليل قطعي أو بدليل ظني وتعليل ذلك أنه يريد بهذا الإطلاق تغليب جانب الحرمة على هذا الأمر وإبعاده عن الكراهة التي تنصرف عند الجمهور إلى المكروه تنزيها وعلل العلماء هذا الإطلاق أيضاً باحتياط العلماء بتسمية المحرم بالظن مكروها وإن كان حكمه العقاب على الفعل كالحرام فيقول الحنفية(وربما أطلق فقهاؤنا الحرام على المكروه تحريما وعند الإمام محمد كل مكروه تحريما حرام وإنما سماه مكروها ً ولم يقطع بتسميته حراما لأنه لم يجد فيه نصا ً قاطعا ً بالحرمة فإذا وجد نصا ً قاطعا ً بالتحريم قطع القول به فسماه حراما وإذا وجد نصا ًقاطعا بالتحليل قطع القول به فسماه حلالا وإلا قال في الحل الظني لا بأس به وفي الحرام الظني أكرهه وهذه الطريقة الأئمة الأربعة المجتهدين وغيرهم من فقهاء السلف وذلك احتياطا ً منهم لكي لا ينطبق عليهم قول تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام إلى آخر الكلام في هذا المقام).

    الأمر الثاني الذي نحتاج التنبيه إليه في هذا أن كثير من العلماء يعترض لبحث المكروه تحريما ً في الكلام على المكروه ويعدونه نوعا ً من أنواع المكروه ولعل الذي دعاهم إلى هذا اشتراكهما في لفظ الكراهة فغلبوا جانب التسمية في التقسيم إلا أن الأولى أن نجعل الكلام فيه عند الكلام على المحرم ونجعله قسما ً من أقسامه لأنه يعني في معناه وحكمهُ حكمه .
    فكما ميزنا الواجب عن الفرض تغليبا ً بجانب المعنى والحكم على التسمية إذ إن المكروه تحريما ً وإن كان ثبوته بدليل ظني لكن النهي فيه بصيغةٍ جازمة مثل صيغة الحرام لذلك ميزنا المكروه تحريما ً عن المحرم في هذا المقام .
    المكروه تنزيها ً وهو المكروه عند الجمهور وهو عند الحنفية المكروه تنزيها ً فصيغة النهي فيه هي غير جازمة وهذا فرق أساسي بين المكروه تنزيها ً وبين المكروه تحريما ً فالمكروه تحريما ً صيغة النهي فيه جازمة لكنه ثبت بدليل ظني ولهذا اختلف عن الحرام أما المكروه تنزيها ً أو المكروه عند الجمهور فإنه صيغة النهي فيه غير جازمة ولذلك يختلف المكروه تنزيها ً عن المكروه تحريما ً في صيغة النهي .

    ولذلك أطلق العلماء على المكروه تحريما ً تعريفا ً بقولهم :
    ما كان إلى الحرام ِ أقرب
    وأطلقوا على المكروه تنزيها ً قولهم :
    ما كان إلى الحل ِ أقرب هذا فيما يتعلق بالتفريق بين المحرم وبين المكروه تحريما .

    == المحرم يطلق عليه العلماء عدة تسميات وعدة إطلاقات : فالمحرم يسمى المحظور ويسمى الممنوع ويسمى المزجور عنه ويسمى المعصية ويسمى الذنب والقبيح والسيئة والفاحشة والإثم والعقوبة ونحو ذلك من الألفاظ التي يذكرها العلماء في مظانها ويقصدون بها المحرم .



    س--- ما حكـــم المحــرَّّم ؟
    ج------ من المستحسن أن نذكر هنا حكم المحرم لأنه أيضاً به سنتكلم عن حكم المكروه تحريما ومن خلاله تتضح المقارنة بين المحرم وبين المكروه تحريما وإن كان الجمهور التسمية عندهم واحدة لكن الحنفية يفرقون بين المحرم وبين المكروه تحريما .
    الجمهور يقولون هذا ثبت بدليل قطعي وهذا ثبت بدليل ظني سواء سميناه محرما أو سميناه مكروها تحريما ً لا فرق المهم أنه ثبت بدليل قطعي وثبت بدليل ظني ، ولايفرقون في الحكم بين ما ثبت بدليل قطعي وبين ما ثبت بدليل ظني .
    الحنفية كما فرقوا بالحكم بين ما ثبت بدليل قطعي وبين ما ثبت بدليل ظني أيضاً فرقوا في التسمية فإذن الخلاف بين الجمهور وبين الحنفية خلاف في التسمية بينما ما ثبت بالحكم بين ما ثبت بدليل قطعي وما ثبت بدليل ظني في الواقع متفق عليه.

    فإذا أتينا إلى حكم المحرم والمكروه تحريما فنقول إن الحرمة إذا ثبتت في أمر من الأمور فإنه يترتب على ذلك أحكام معينة تختلف هذه الأحكام بحسب الدليل الذي ثبت به التحريم ونظرا ً لهذا الاختلاف في الحكم سيكون عندنا مقارنة بين ما ثبت بدليل قطعي وبين ما ثبت بدليل ظني سواء سميناه هذا محرما ً أو مكروه تحريما أو سمينا الجميع محرما ً أو سمينا الجميع مكروها ً تحريما ً المهم أن هذا ثبت بدليل قطعي وهذا ثبت بدليل ظني فبينهما اختلاف في الحكم فنقول:
     الأمر الأول : يلزم المكلف الاعتقاد بحرمة ما كان ثابتا ً بدليل قطعي اعتقادا ً جازما كما قلنا إنه يلزم أن يعتقد فرضية الفرض في كلامنا عن أحكام الفرض .
     فمن أنكر الحرمة الثابتة بدليل قطعي فإنه يعد كافرا فمن استحل أكل الربا أو أنكر حرمته وكذلك من أنكر حرمة الزنا ونحو ذلك فهذا يعد كافرا لأنه أنكر أمرا ً ثابتا بدليل قطعي والجمهور يقولون هذا حرام أو مكروه تحريما وهو سواء عندهم والحنفية نخص هذا القسم باسم الحرام .
     ما ثبت بدليل ظني وهو المسمى عند الحنفية بالمكروه تحريما وعند الجمهور يدخل بدائرة المحرم هذا لا يكفر مستحله بل يعد فاسقا إذ إن مبنى الأمور الاعتقادية على اليقين كما قيل بخلاف الأمور العملية فيكفي فيها الظن وذلك كمن أنكر مثلا ً تحريم أكل كل ذي ناب من السباع أو كل ذي مخلب من الطير فهذا لا يعد كافرا ً بل قد يقال بفسقه .

     الأمر الثاني : الذي يقال عن الأمر المحرم والمكروه تحريما ً أنه يلزم المكلف اجتناب كلٍّ من الحرام والمكروه تحريما ً بصورة ٍ قطعية فلا فرق بين النوعين في جانب العمل يلزم اجتناب المحرم والمكروه تحريما ً على السواء لقيام الأدلة على وجوب العمل بالظن الراجح ولو كان المكروه تحريما ً يثبت بالظن لكن هناك أدلة على وجوب العمل بالظن فإذا ارتكب المكلف الحرام أو المكروه تحريما ً فإنه يعد فاسقا ً ولو لم يكفر بذلك لكن الكلام بالعمل إذا ارتكب المكلف الحرام غير مستحل له أو المكروه تحريما ً فإنه يعد فاسقا ً وإن لم يكفر بذلك أما لو ارتكب ذلك استخفافا ً بالحكم فإنه يكفر فإن الاستخفاف بأحكام الشرع يعد كفرا ً سواء كان ثابتا ً بدليل قطعي أو ثابتا ً بدليل ظني .
    وهذا بخلاف من ارتكب ما ثبت بدليل ظني وهو المكروه تحريما ً عن تأول فإنه يكون مجتهدا ً في الأمر فعلى هذا لا يكفر ولا يفسق لأن الأدلة الظنية مجال للاجتهاد قال مثلا ً فمن استحل محرما ً في نظرنا وهذا المحرم ثابت في دليل ظني واستحلاله له عن تأول يعني عن اجتهاد ونظر في المسألة وقال إن هذا حرام لوجود أدلة مثلا أخرى تعارض هذا الدليل وهي أقوى منه فهذا نسميه مجتهدا في المسألة إذا كان من العلماء لا نحكم بفسقه ولا بكفره لأن هذا محل اجتهاد بهذه الحالة.
     الأمر الثالث : يستحق المكلف العقاب الشديد على ارتكاب المحرم والمكروه تحريما ً إلا أن عقاب مرتكب الحرام أو المحرم الثابت بدليل قطعي أشد من عقاب مرتكب الشيء الثابت بدليل ظني لأن الأخير ينزل عن درجة الأول.

     الأمر الرابع : تارك الحرام أو المكروه تحريما ً يثاب إذا قصد بذلك الامتثال لأن ترك المحرم والمكروه تحريما ً يعد طاعة ً يستحق صاحبها الثواب عليها .

     الأمر الخامس : ما يتعلق ببطلان العمل بارتكاب المحرم فهذا فيه تفصيل بحسب نوع الحرمة في الفعل وهذا سيأتي الكلام إن شاء الله تعالى.

    س----- فهل يفسد الفعل ويبطل أو لا يفسد إذا فعل الإنسان فعلا ً واشتمل على صفة ٍ محرمة ؟
    هذا سيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى في أقسام الحرام فإن كان محرما ً لذاته ارتكب فعلا ً محرما ً لذاته فهذا باطل فيجعل كأنه لم يكن مثل الإشراك بالله عز وجل فإنه يبطل الأعمال ويحبط الثواب ولهذا قال العلماء لا تثبت حرمة المصاهرة بالزنا لأن الزنا حرام محض فلم يصلح سببا ً لحكم شرعي والعلماء متفقون على ذلك إلا أن الحنفية أثبتوا حرمة المصاهرة بالزنا لحقيقة الوطء وقالوا إنما أثبتناه بسبب الولد ضرورة ً أما لو كان الحرمة ُ في الفعل لأمر خارج ٍ عنه كما في أنواع الحرام لغيره فإنها لا تبطل العمل عند الجمهور خلافا ً للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فإنه يبطل العمل في هذه الحالة ومثلوا لهذا بمسألة الصلاة في الأرض أو الدار المغصوبة فإن الصلاة َ فيها صحيحة ٌ مجزئةٌ عند الجمهور وفاسدة ٌ باطلة ٌ عند الإمام أحمد مع اتفاق الطرفين على ملازمة الإثم فيها بسبب الغصب .
    وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على هذه المسألة وهي مسألة الصلاة في الدار المغصوبة وتفصيل الكلام فيها وهنا ننبه إلى أن بعض العلماء ادعى الإجماع على إجزاء الصلاة في الأرض المغصوبة حتى قال الغزالي (خلاف أحمد لا يقدح الإجماع بل الإجماع السالف حجة ٌ عليه لأن العلماء لم يأمروا بقضاء الصلوات مع كثرة وقوعها ولو أمروا به لانتشر هذا الأمر( .
    ابن قدامة رد على الغزالي في هذا ردا ً شديدا ً فقال : (وقد غلط من زعم أن في هذه المسألة وهي إجزاء الصلاة في الأرض المغصوبة إجماعا ً لأن السلف لم يكونوا يأمرون من تاب من الظلمةِ ِبقضاء الصلاة في أماكن الغصب إذ هذا جهل بحقيقة الإجماع فإن حقيقته الاتفاق من علماء أهل العصر وعدم النقل عنهم ليس بنقل للاتفاق ولو نقل عنهم أنهم سكتوا فيحتاج إلى أنه اشتهر بينهم كلهم القول بنفي وجوب القضاء فلم ينكروه فيكون حينئذ ٍ فيه اختلاف ٌ هل هو حجة ٌ أم لا هذا إذا كان من قبيل الإجماع السكوتي ) .

    الحقيقة عندما نتأمل الكلام في هذه المسألة نجد أن الحق هو انعدام الإجماع في هذه المسألة فليس هناك إجماع في هذه المسألة في واقعه وما يفهم عن الإمام أحمد رحمه الله المخالف فقط في هذه المسألة ليس صحيحا ً على إطلاقه فقد ذكر الزركشي عددا من العلماء قالوا بما قال به الإمام أحمد بقوله بعدم إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة وعدم صحة الصلاة في الأرض المغصوبة ونحو ذلك منهم مثلا ً بعض الحنفية وبعض المالكية وحكي عن بعض الشافعية وبعض المعتزلة .


    س------ ما صيـــــغ الحرام وأساليبـه ؟
    ج------ فيما يتعلق بالمسألة الأخيرة التي نختم فيها الكلام عن هذه المسألة وهي في صيغ المحرم وأساليبه يعني إذا أردنا أن نعرف محرما ً من المحرمات فكيف نصل إلى معرفة هذا المحرم ؟
    الحقيقة أن المحرم له صيغ وأساليب مختلفة يمكن من خلالها معرفة هذا المحرم منها :

     الصيغة الأولى: صيغة النهي إذا جاءت مطلقة عما يصرفها عن حقيقتها إلى معان أخرى فالأصل في النهي أنه للتحريم كما في قوله تعالى+ولا تقف ما ليس لك به علم" وقوله تعالى"ولا تأكلوا الربا" أو قوله "يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا ً مضاعفة".
    وقول الرسول عليه الصلاة والسلام " لا يبع بعضكم على بيع بعض " فلو جاءت معها قرينة ٌ تصرفها فإنها تنصرف إلى الكراهة كما أشرنا في مسائل المكروه .

    الصيغة الثانية : استعمال لفظة التحريم ومشتقاتها كما في قوله تعالى " حرمت عليكم الميتة " وقوله تعالى "وهو محرم عليكم إخراجهم " وقوله × " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات" فهذه ألفاظ تدل على التحريم
    الصيغة الثالثة : التصريح بعدم الجواز ونفي الحل لو صرح الشرع بأن هذا الأمر غير جائز أو أنه ليس حلالا فإنه يكون محرما مثل قوله تعالى +ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا" عليه الصلاة والسلام: " لا يحل دم امرئ مسلم ٍ إلا بإحدى ثلاث " .

    الصيغة الرابعة : ترتيب العقوبة على الفعل من الله تعالى أو من النبي × بأن يذكر فعل ٌ ما ثم يذكر له عقوبة كقوله تعالى +والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة" فالجلد هنا عقوبة على القذف فيكون القذف محرما ً وقوله تعالى +فالسارق والسارقة ُ فاقطعوا أيديهما" فالسرقة ُ هنا محرمه لأنه رتب عليها عقوبة وهي القطع وقوله عليه الصلاة والسلام "ومن ظلم من الأرض قيد شبر طوقه من سبع أرضين " فهذا أيضاً دليل على أن الظلم هو محرم بدلالة أنه رتب عليه عقوبة ٌ وجزاء ٌ يوم القيامة .

    الصيغة الخامسة : صيغة الأمر التي تدل على طلب الترك والمنع من الفعل مثل لفظ الاجتناب أو لفظ اتركوا أو الكف أو نحو ذلك فيعتبرها بعض العلماء من النواهي والصيغ التي تدل على التحريم كقوله تعالى: "واجتنبوا قول الزور" وقوله تعالى: "وذروا ما بقي من الربا" فقوله اجتنبوا فهذه صيغة أمر لكنها تدل على وجوب الترك وذروا أيضاً هي صيغة أمر وهي تدل على وجوب الترك ووجوب الترك معنى هذا أن هذا الأمر محرم .


     مسائل متعلقة بالمحرم 

    المسألة الأولى : أقسام المحرم باعتبارات مختلفة , وما يترتب على هذا التقسيم .
    المسألة الثانية : في مالا يتم ترك الحرام إلا به ويشمل بيان المراد بهذه المسألة وصورها وأمثلتها .

    المسألة الأولى : قسم العلماء المحرم أقسام متعددة باعتبارات مختلفة :
    • باعتبار تعلق النهي به.
    • باعتبار قوة دليله.
    • باعتبار ذاته.

    س---- ما أقسام المحرم باعتبار تعلق النهي به أو باعتبار تعلق التحريم به؟
    ج------ قسمان هما : المحرم لذاته والمحرم لغيره :
    1) أما المحرم لذاته فهو ما حرمه الشارع بأصله ابتداء لقبح عينه , أي من حيث النظر لأصله , فلو نظرنا إلى منشأ الحرمة أو منشأ النهي وسببه لوجدنا أنها عين ذلك المحل يعني حرم لذاته بالنظر إلى ذاته نظراً لما اشتمل عليه من مفسدة راجعة إلى ذاته ,
    فمثلاً الميتة والدم والخنزير هذه أمور محرمة فعندما نتأمل نجد أن تحريم أكلها إنما كان لأجل ذاتها , أو لقبح عينها فهذه نسميها محرمات لذاتها أو لعينها وكما يعبر عنها بعضهم بالمحرم لوصفه. فهذا يُعبر عنه بالمحرم لذاته أو لعينه أو لوصفه .
    فحرمتها لأجل أنها أمور قبيحة في ذاتها, حرمها الشارع ابتداء, ولم يحرمها لأجل عوارض أو ملابسات أخرى خارجة عنها وإنما لأجل ذاتها .

    2) المحرم لغيره : هو ما حرمه الشارع لأمر خارج عن ذاته, ويسمى المحرم لكسبه ويسمى المحرم لعارض ويسمى المحرم سداً للذريعة , فكل هذه العبارات يعبر بها عن القسم الثاني وهو المحرم لغيره .
    والمقصود بالمحرم لغيره أنه أمر في الأصل ربما يكون مباح , لكن عرضت له مفاسد وأمور تجعل مفسدته غالبة على مصلحته فيُقال حينئذ بتحريمه ، أو أنه أمر في الأصل مباح ولكنه فُعل على صفة مكروهة أو محرمة فيُقال أن هذا من قبيل المحرم لغيره ولم يحرم لأجل ذاته , وإنما حرم لأجل غيره وهذا الغير هو أنه ارتبطت به مفسدة تجعله محرماً أو باطلا .

    فمثلاً أكل أموال الناس بالباطل حرام , ولكن ليست الحرمة ناشئة فيه عن أخذ المال نفسه لأن أخذ المال بين الناس مباح بطريق البيع ونحو ذلك إذا كان على سبيل التراضي , فأصلاً في ذاته ليس محرماً ولكن لما ارتبط بكونه أخذ بالباطل كالأخذ بالغش وبالحيلة ونحو ذلك فإته في هذه الحالة يكون محرماً لكنه محرم لغيره وليس بذاته, فالحرمة ليست ناشئة عن أكل المال نفسه وإنما لكون المأكول ملكاً للغير, فالمحل وهو المال قابل للأكل في الجملة, كأن يأكله صاحبه أو غيره بإذنه لكن لما ارتبط بطريق محرم صار محرماً .





    س--- وهذا القسم المحرم لغيره جعله العلماء على ثلاثة أنواع , أذكرها؟
    ج------ النوع الأول: محرم لغيره منهي عنه لصفته مثل نهي الحائض عن الصلاة لتلبسها بالحدث المانع , ونهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الملاقيح لجهالة المبيع ونحو ذلك.
    النوع الثاني :محرم لغيره منهي عنه لأمر لازم له مثل صيام يوم العيد لما يلازمه من إعراض عن ضيافة الله تعالى النوع الثالث : محرم لغيره منهي عنه لأمر خارج عنه غير ملازم له ، مثل الوضوء بالماء المغصوب أو الصلاة في الأرض المغصوبة .


    س------ وبالنسبة للتحريم هنا للأنواع الثلاثة هل هو مؤثر في الفساد والبطلان ؟
    ج---- الحقيقة هنا أن العلماء لديهم تفصيل في هذا المقام :
    المحرم لذاته وهو القسم الأول هذا باتفاق العلماء لا يصلح سبباً شرعياً لترتيب الآثار عليه , فلا يصلح سبباً نرتب عليه الآثار, لأن الأسباب شرعية مشروعة وأسباب غير مشروعة , فالأسباب المشروعة يمكن أن يترتب عليها آثار ,
    والأسباب الغير مشروعة لا يترتب عليها آثار فالمحرم لذاته لا يترتب عليه آثار مثلا من باع ميتة أو لحم خنزير أو باع خمر مثلاً فإن هذه المعاملات تعد باطلة وغير صحيحة من أصلها ويجب نقضها ويأثم فاعلها لأن مثل هذه الأمور من قبيل المحرمات لذاتها والمحرمات لذاتها باتفاق العلماء لا يمكن أن نرتب عليها آثار.


    س---- أما المحرم لغيره كما قلنا على أنواع, أذكرها؟
    ج-------- النوع الأول: محرم لغيره منهي عنه لصفته : مثل نهي الحائض عن الصلاة لتلبسها بالحدث المانع فالصلاة في أصلها مشروعة ولكن حصل النهي عنها لتلبس المرأة الحدث فصارت الصلاة هنا محرمة ليست لذاتها وإنما محرمة لغيرها لأجل أنه ارتبط بها أمر آخر جعلها محرمة . بيع الملاقيح جهالة المبيع , فالبيع في الأصل مباح لكنه ارتبط بأمر فيه جهالة وهو أمر محذور ومنهي عنه فصار البيع في هذه الحالة محرماً لغيره .

    النوع الثاني : محرم لغيره منهي عنه لأمر لازم له مثل نهي صيام يوم العيد , فمن صام يوم العيد لاشك أنه معرض عن ضيافة الله تعالى ففي هذه الحالة هل يصح هذا الصوم أم لا يصح سيأتي فيه تفصيل.

    النوع الثالث : محرم لغيره منهي عنه لأمر خارج عنه غير ملازم له ، مثل الوضوء بالماء المغصوب أو الصلاة في الأرض المغصوبة .فإن الوضوء بالماء المغصوب الأصل أن الإنسان يتوضأ بماء مباح والأصل أن الإنسان يصلي في أرض مباحة له لكن قد يحصل أن يفعل هذا شخص من الأشخاص وهذا الفعل التبس بأمر منهي عنه لأن الغصب منهي عنه فالتبس الوضوء هنا بأمر منهي عنه فحين إذ صار منهي عنه, والصلاة في هذه الحالة منهي عنها ,
    لكن الغصب هنا داخل أجزاء الصلاة أو خارج أجزاء الصلاة ؟ الحقيقة أنه خارج أجزاء الصلاة وخارج أجزاء أركان الصلاة فهو أمر خارج عن هذا الأمر المحرم لغيره , وهذا الخروج غير ملازم أي ليس هناك تلازم بين الصلاة والغصب ولا بين الوضوء والغصب , فالأصل أن الإنسان يتوضأ بماء مباح ويصلي في مكان مباح .


     الخلاصة هنا  : وعلى كل حال إذا أتينا إلى ما يترتب على هذه الأمور على المحرم لغيره فإننا نجد :
    النوع الأول : اتفق العلماء على أن الفعل فاسد وباطل فلا يترتب عليه أي أثر من الآثار الشرعية المحمودة.
    النوع الثاني : وهو المحرم لغيره لأمر لازم له هذا أيضاً قال العلماء أنه يترتب عليه فساد وبطلان العمل الملازم له فمثلاً صوم يوم العيد يقول جمهور العلماء بأن هذا الصوم باطل وغير منعقد أصلاً
    يخالف في هذا الحنفية فيقولون بالتصحيح هنا أن النهي لا يدل على الفساد ولا على البطلان في هذه الحالة بل يمكن أن يُصحح العمل المترتب على هذا وتصحيحهم له بأنه يقع في الذمة بإمكان الإنسان أن يلزمه الفطر هذا اليوم ثم يلزمه القضاء بعد ذلك فهذا وجه التصحيح عندهم بالنسبة لهذه المسألة بالذات .
    النوع الثالث : محرم لغيره منهي عنه لأمر خارج عنه غير ملازم له ، الجمهور على أن هذا الأمر لا يترتب عليه الفساد والبطلان بل يصح العمل المرتبط بهذا إلا ما أُثر عن الإمام أحمد بأنه يقول بفساد العمل الذي من هذا النوع فمثلاً الوضوء بالماء المغصوب الجمهور يقولون صحيح مع الإثم و الصلاة في الأرض المغصوبة
    الجمهور يقولون الصلاة صحيحة مع الإثم وأثر عن الإمام أحمد أنه يقول بفساد ذلك لأن الصلاة والوضوء هنا باطل وفاسد مع الإثم ويلزمه أيضاً أن يعيد الوضوء وأن يعيد الصلاة وكما قلنا قبل ليس ما اشتهر عن الإمام أحمد في هذه المسألة أنه يقول بذلك فقط لا هناك أيضاً غيره من العلماء أُثر عنهم القول بالفساد والبطلان في هذه الحالة .

    س----- هذه المسألة وهي مسألة المحرم لغيره هل يدل على الفساد أو النهي هل يدل على الفساد تُبحث بشكل أوسع في ما يأتي في مسائل النهي لأن مسائل النهي أو من أشهر مسائل النهي أو باب النهي هل النهي يدل على الفساد ؟
    ج-------- ولذلك عندما يأتي الكلام على هذه المسألة يقولون إذا كان المنهي عنه منهياً عنه لذاته يعني من قبيل المحرم لذاته فهذا يكون المنهي عنه فاسداً باتفاق العلماء , وأما إذا كان المنهي عنه منهياً عنه لغيره فهذا فيه تفصيل والتفصيل بحسب الأنواع الثلاثة التي ذكرنا قبل قليل والمأثور عن الإمام أحمد أنه يقول بالفساد لجميع هذه الأنواع الثلاثة , النوع الأول باتفاق أنه يدل على الفساد ,

    النوع الثاني كما قلنا يقول الجمهور بفساده والحنفية يقولون بعدم فساده , النوع الثالث كما قلنا يقول بفساده الإمام أحمد والجمهور لا يقولون بفساده وهناك من وافق الإمام أحمد على هذا الأمر.
     تنبيه يجدر الإشارة إليه في الكلام على المحرم لغيره : فنقول أنه لا يعد من المحرم لغيره ما أُحل تارة وحرم تارة أخرى , فإن كثيراً من المحرمات تجوز في أوقات للضرورة الشرعية وتحرم في باقي الأوقات فهذه لا نقول أنها من قبيل المحرم لغيره بل هي من قبيل المحرم لذاته , مثلاً الميتة قد تحل في حال الضرورة ثم تعود إلى التحريم فهذه ليست من قبيل المحرم لغيره بل تبقى من قبيل المحرم لذاته . فالمحرمات التي حرمت وأبيحت في حال للضرورة فهذا يبقى من قبيل المحرم لذاته ولا يصح أن يقال أنه من قبيل المحرم لغيره فتبقى على أصلها وهي محرمة لذاتها .


    س---- لذلك كما قيل هناك خطأ أخطأ فيه بعض العلماء بأنهم جعلوا المعازف من قبيل المحرم لغيره لا لذاته لماذا ؟
    ج----- قالوا بحجة أنها تباح في بعض الأحوال كما يباح مثلاً الدف في العرس و الحرب مثلاً قال ما دام أنها تباح في أحوال وتحرم في باقي الأحوال فهذه جعلها بعضهم من قبيل المحرم لغيره قال لأن التحريم هنا متفاوت فيمكن أن تحرم في أحوال وتباح في أحوال كما قلنا في شأن الميتة , لكن الحقيقة أن التحريم في المعازف منصب على ذاتها وليس من أجل غيرها إذ أنها في الأصل من آلات اللهو أو من قبيل اللهو المحرم ولذلك ورد النهي عن المعازف مطلقاً دون تعليل لوصف معين فالرسول عليه الصلاة والسلام قال في الحديث ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) وأما بالنسبة ما يباح الاستماع له كالدف مثلاً في الحرب وفي العرس فهذا إنما يباح للمصلحة الغالبة وليس فيما يباح استثناء , وما يباح استثناء لا يصح القياس عليه , فشتان بين صورة تحريم المعازف وبين صورة تحريم أكل أموال الناس بالباطل فأكل أموال الناس بالباطل من قبيل المحرم لغيره أما استماع المعازف من قبيل المحرم لذاته فلذلك جرى التنبيه .
    فالتفريق بين المحرم لذاته والمحرم لغيره ينبني عليه كبير فائدة في النظر في كلام الفقهاء .


    س----- أذكر مقارنة بين المحرم لذاته والمحرم لغيره؟
    ج----- إذا أردنا أن نعقد مقارنة بين المحرم لذاته والمحرم لغيره إجمالاً فيمكن أن نقول عندنا فرقان :
    الفرق الأول : أن المحرم لذاته غير مشروع أصلاً وعلى ذلك فإنه لا يصلح أن يكون سبباً شرعياً ولا يجوز أن تترتب على القيام به أحكام شرعية وإنما يكون باطلاً من الأصل ولهذا تكون الصلاة من غير طهارة باطلة وزواج إحدى المحارم مع العلم بالحرمة باطل أيضاً وكذلك بيع الميتة وبيع الخمر ولحم الخنزير هذا كله باطل لأنه من قبيل المحرم لذاته والمحرم لذاته لا يصلح سبباً شرعيا
    أما المحرم لغيره فهو في أصله مشروع وإنما طرأت عليه الحرمة بسبب ما اتصف به أو بسبب ما لازمه من الأوصاف المنهي عنها ولهذا اختلف العلماء في صلاحية هذا السبب لترتيب الآثار عليه فمنهم في بعض أحواله اتفق العلماء على عدم صلاحية هذا السبب أو صورة السبب لأنه لابد أن تكون سبباً شرعياً مقبولاً وبعضها محل خلاف بينهم ومثلنا لذلك الصلاة بالثوب المغصوب أو في الأرض المغصوبة أو في دار مغصوبة فهي صحيحة ومجزئة عند جمهور العلماء خلافاً للإمام أحمد مع بعض العلماء
    مع الاتفاق على تأثيمه بالغصب إذ أن النهي منصب فيها على أمر خارج عن الصلاة وهي كونها في أرض مغصوبة أو ثوب مغصوب , ويعلل الفرق بأن التحريم في المحرم لغيره إنما هو لعارض فلا يقع به خلل في أصل السبب ولا في وصفه مادامت أركانه وشروطه مستوفاة , فالسبب مثل الصلاة أركانها وشروطها مستوفاة إنما حصل التحريم بها لعارض وهذا العارض هو كونها في أرض مغصوبة أو في دار مغصوبة فصار الإثم فيها لغيرها فحينئذ لا يؤثر هذا السبب عند بعض العلماء في جعل الصلاة باطلة أو فاسدة وأما الحرام لذاته فيجعل الخلل في أصل السبب ووصفه فيخرج بذلك عن كونه مشروعا .
    الفرق الثاني : أن المحرم لذاته لا يستباح إلا للضرورة مثل أكل الميتة فإنه لا يستباح إلا في حال الإشراف على الهلاك أو خوف الهلاك , أما المحرم لغيره فقد يستباح بالضرورة وقد يستباح بالحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة وهي أقل درجة من الضرورة
    مثل تحريم بيع المجهول أو بيع غير المعلوم فبيع غير المعلوم محرم لغيره لأن الأصل في البيع أنه مباح لكن إذا كان المبيع غير معلوم فهنا التحريم جاء لأمر عارض فهنا كما قال العلماء يجوز بيع في هذه الحال لو أنه عقد البيع ببيع النموذج , بأن يوضع نموذج ويقال باقي هذا المبيع مثل هذا النموذج فالعلماء يقولون بجواز البيع في هذه الحالة مع عدم العلم بباقي المبيع ويجعلون المبيع هنا من قبيل المحرم لغيره الذي يستباح للحاجة لأن حاجة الناس تدعو للتعامل بالبيع بالنموذج خاصة أنه كان كثير من المبيعات قد لا يتمكن البائع من إحضارها في مجلس العقد وإنما يحضر نموذج لها وهذا النموذج كافي للعلم بباقي المبيع , والعلماء أجازوا هذا مع أنه من قبيل المحرم لغيره بطريق الحاجة فالحاجة هنا ليست في الحقيقة ضرورة ولكن حاجة دعت إلى استباحة هذا الأمر المحرم لغيره ولذلك قالوا بإسقاط خيار الرؤية هنا برؤية نموذج المبيع في هذه الحالة .

    س----- تقسيم الحرام باعتبار قوة دليله, أذكر التقسيم؟
    ج--------- وهو ينقسم إلى قسمين : محرم ومكروه تحريماً ,
    فالمحرم يُنظر فيه إلى الدليل أو ينظر في هذا التقسيم إلى الدليل الذي يثبت الحرمة وهذا التفريق فقط عند الحنفية يفرقون فيه بين المحرم الثابت بدليل قاطع سموه حراما وبين ما ثبت التحريم فيه بدليل ظني فسموه مكروهاً تحريماً وقد تقدم الفرق بينهما عند الحديث عنهما .

    س----- تقسيم الحرام من حيث ذاته أو ذات المنهي عنه؟
    ج----- قسمه العلماء بهذا الاعتبار إلى قسمين : 1) محرم معين 2) محرم مخير .

    1) الحرام المعين هو الذي تعين المنهي عنه بشيء واحد مثل أكل الميتة وأكل الربا ونحو ذلك .
    2) الحرام المخير هو الذي لم يتعين المنهي عنه فيه بشيء واحد كأن يُنهى الإنسان عن أحد أشياء لا بعينها وهذا النوع اختلف فيه العلماء هل موجود في الشرع أو غير موجود الحقيقة أنه في الواقع اتفقوا على عدم وقوعه في الشرع في الجملة ولكن اختلفوا في جواز هل يجوز مثل هذا في الشرع أو لا يجوز فقال الجمهور بجواز وقوعه خلافاً للمعتزلة لكن لما لم يكن للخلاف فيها قيمة علمية في هذا المقام لاتفاق الطرفين على عدم وقوع ذلك في الشرع فإنا سنعرض عن ذكر هذا التقسيم لأن هناك اتفاق على عدم وقوع محرم مخير في الشرع , وإنما الكلام في الجواز العقلي وهذا من قبيل المماحكة العقلية التي يمكن الإعراض عنها في هذا المقام .

    المسألة الثانية : في مالا يتم ترك الحرام إلا به :
    وهذه المسألة تتكرر على ألسنة العلماء فكما يقولون مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب فكذلك مالا يتم ترك الحرام إلا به فهو محرم أو مالا يتم ترك المحرم به فهو محرم ,
    وهاتان المسألتان تلتحقان بـ(قاعدة إعطاء الوسائل أحكام المقاصد) فتكون وسيلة الواجب واجبة وتكون وسيلة المحرم محرمة ولذلك شاع على ألسنة العلماء هنا أن مالا يتم اجتناب المحرم إلا باجتنابه فهو محرم أو ما أدى إلى الحرام فهو حرام ,وكما قلنا أن الحرام هو ما طلب الشارع تركه طلباً جازماً.

    س----- وأما مالا يتم ترك الحرام إلا بتركه فهنا يدخل فيه نوعان, ما هما؟
    ج---- النوع الأول ما كان وسيلة للمحرم أي يعتبر وسيلة لترك المحرم فيتوقف عليه ترك المحرم إما شرعاً أو عقلاً أو عادةً وهذا النوع يشمل عدة صور منها مثلاً
    الصورة الأولى : جزء الشيء المحرم مثل الإيلاجات والإخراجات في الزنا
    والصورة الثانية : سبب الشيء المحرم مثل العقد على المحرم فإنه سبب في الوطء وكذلك مقدمات الوطء من القبلة ونحوها
    الصورة الثالثة : شرط الشيء المحرم مثل الشهادة على نكاح المحرم .

    النوع الثاني ما كان وسيلة للعلم بترك المحرم وهذا النوع له صورتان :
    الصورة الأولى أن يحصل الشك في تحقق ترك الشيء المحرم بسبب الاشتباه في الشيء المحرم وذلك كما إذا اختلط المحرم بالحلال وعسر التمييز فإن العلم بترك المحرم واجتنابه لا يتم إلا بترك هذا المختلط.
    الصورة الثانية أن يتعلق ترك الشيء المحرم بشيء غير متميز حساً وذلك كتعلق ترك التطهر بالنجس بترك التطهر بالماء الطاهر المختلط بالنجس فإن العلم بتحقق ترك التطهر بالماء النجس لايتم إلا بترك التطهر بالمائين لاختلاطهما وعدم تميزهما .

    فإذا أتينا إلى كلام العلماء هنا نجد في الحقيقة أن بينهم شيء من الاتفاق على صور فمثلاً جاءوا إلى إعطاء جزء الشيء المحرم حكم الكل في التحريم وهذا محل اتفاق وعللوا لهذا بأن النهي عن الماهية نهي مركب عن جميع أجزائها فإنه لافرق مثلا بين أن يقول لا تزني وبين أن يقول لا تولج ولا تخرج بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : ( فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ) والذي لا يترك جزء الشيء المنهي عنه لا يصدق عليه أنه منتهي

    أيضاً إعطاء أسباب وشروط الشيء المحرم حكم الشيء المحرم
    سواء كانت هذه الأسباب والشروط شرعية أو عقلية أو عادية فالسبب الشرعي مثل العقد على المحرم فإنه سبب في الوطء
    والسبب الشرعي مثل الشهادة في العقد على المحرم
    والسبب العقلي مثل الخطبة فإنها سبب في نكاح المحرم
    والشرط العقلي مثل انتصاب الذكر فإنه شرط للوطء في الزنا
    والسبب العادي مثل إظهار الزينة والمفاتن من المرأة أمام الرجال الأجانب فإنه سبب لوقوع الفاحشة عادة ومقدمات الوطء من القبلة ونحوها فإنها سبب في الوطء عادة وعصر العنب وتخليله سبب في حصول الخمر عادة
    ومثال الشرط العادي هتك الحرز فإنه شرط للسرقة عادة .
    الأمر الثالث ما يتوقف عليه العلم بتحقق ترك المحرم فإنه يأخذ حكم المحرم نفسه وتقدمت أمثلته في النوع الثاني وهو الذي ذكرناه سابقاً وهو ما كان وسيلة لترك المحرم وبينا أمثلته هناك وهذه الصور هي في محل اتفاق بين العلماء بأنها تأخذ حكم المحرم ولذلك يذكرون حقيقة عدة أمثلة لهذه المسألة وهي مسألة ما لا يتم ترك المحرم إلا بتركه فهو محرم ، وهي مقابل مسألة مالا يتم فعل الواجب إلا به فهو واجب , هنا يقولون مالا يتم ترك المحرم إلا به فهو محرم ....

    من المسائل المتعلقة بالحكم التكليفي

    مسألة توارد الأمر والنهي على الشيء الواحد :
    وهذه المسألة حقيقة تعتبر من خواتيم مسائل الحكم التكليفي وإنما أوردها العلماء بعد مسائل الحرام لكون هذه المسألة قد يرد عليها تحريم أو نهي كما أنه قد يرد عليها أمر
    .
    وقد يُعبر عن هذه المسألة بمسألة اجتماع الحرام والحلال ، وفي هذه المسألة سنتكلم على حالات اجتماع الأمر والنهي أو الحلال والحرام وأحكام الاجتماع في هذه الحالة حيث إن الفعل من الأفعال قد يرد عليه أمر وقد يلتبس بنهي وحينئذ يتوارد الأمر والنهي على هذا الفعل ، فهل هذا الفعل يمكن أن يعتبر باطل مطلقاً؟ أو هو صحيح من وجه وفاسد من وجه؟ أو هو صحيح مع الإثم؟ هذه عدة احتمالات ترد علينا في هذا المقام, لكن قبل أن نتكلم في حالات التوارد أو حالات هذا الاجتماع ننبه إلى أن العلماء يتكلمون في هذه المسائل عن الواحد بالجنس والواحد بالنوع والواحد بالعين , فيجعلون الواحد بالجنس إذا ورد عليه الأمر والنهي فما حكمه , والواحد بالنوع إذا ورد عليه الأمر والنهي فما حكمه والواحد بالعين إذا ورد عليه الأمر والنهي فما حكمه , فحينئذ نحتاج أن نمهد ببيان معنى المراد بالواحد بالجنس والواحد بالنوع والواحد بالعين.

    فالمراد بالواحد بالجنس هو اللفظ الواحد الدال على جنس مثل لفظ العبادة ولفظ الحيوان , فلفظ العبادة يشمل الصلاة والزكاة إلى آخره .. فهو لفظ واحد دال على جنس وهذا الجنس يشمل أنواع مختلفة , كذلك لفظ الحيوان يشمل الإنسان الذي هو حيوان ناطق ويشمل الفرس والخيل والبغال وغيره .. هذه كلها حيوانات أي متصلة بلفظ الحياة ويشمل النبات وهكذا.
    • والواحد بالنوع هو اللفظ الواحد الدال على النوع مثل لفظ الإنسان ولفظ الصلاة فالإنسان دال على نوع من أنواع الجنس والصلاة لفظ دال على نوع من أنواع العبادة.
    • أما الواحد بالعين فهو اللفظ الدال بمفهومه على شخص معين مثل زيد فهو شخص معين وهو داخل تحت النوع ولفظ مثلاً صلاة العشاء فهي لفظ دال على أمر معين وهذا الأمر داخل تحت النوع السابق , فالواحد بالجنس يشمل الواحد بالنوع والواحد بالعين , والواحد بالنوع داخل تحت الجنس وهو أعلى مرتبة من الواحد بالعين , والواحد بالعين داخل تحت النوع وهو أخص هذه الأمور , فعندنا أعمها وهو الجنس , وعندنا أخصها وهو العين , وعندنا مرتبة بين الجنس وبين العين وهو النوع , فالعين ليس تحته شيء من الأجناس ، فإذا ثبت هذا فهل يمكن أن يتوارد الأمر والنهي على الشيء الواحد سواء كان جنساً أو نوعاً أو عيناً فيكون حراماً واجباً في وقت واحد من جهة واحدة ؟

    الأمر في الحقيقة يحتاج إلى تفصيل , فمثلاً إذا ورد الأمر والنهي على الجنس على العبادة مثلاً فهل يمكن أن تكون العبادة فاسدة وصحيحة في وقت واحد , ومجزئة وغير مجزئة في الوقت نفسه؟ , إذا ورد الأمر والنهي على نوع مثل الصلاة فهل يمكن أن نقول أن هذه الصلاة صحيحة وباطلة أو هل يمكن أن يرد الأمر والنهي عليها ابتداء؟ وإذا ورد فما حكم هذه الصلاة , فإذا ورد الأمر والنهي على صلاة العشاء مثلا في وقت معين أو بصورة معينة فهل يمكن أن يتوارد الأمر والنهي على هذه الصلاة من وجه واحد ؟ فحينئذ يمكن أن يرد عنها الإجزاء والنهي من ناحيتين هذا محل تفصيل, فالسؤال هنا هل يمكن أن يتوارد الأمر والنهي على الشيء الواحد سواء كان جنسا أو نوعا أو عيناً فيكون حراما واجبا في وقت واحد من جهة واحدة الأمر يحتاج إلى التفصيل

    بحسب الحالات الآتية:
    الحالة الأولى : هي ورود الأمر والنهي على الواحد بالنوع:
    فتكون حراماً واجبا مثل الصلاة واختلف العلماء هنا على قولين هل يمكن أن يرد الأمر والنهي على الواحد في النوع :
    القول الأول : أنه يجوز أن يرد الأمر والنهي على الواحد في النوع وحينئذ يجوز أن يجتمع الوجوب والحرمة فيه فيكون واجباً حراماً طاعة ومعصية , وهذا مذهب الجمهور , وإنما قالوا بذلك بالنظر إلى الإضافة والاعتبارات فيكون الواحد بالنوع واجبا وحراما باعتبار أشخاصه أي واجب باعتبار بعض الأشخاص وحرام باعتبار بعض الأشخاص الآخرين , فاختلاف الإضافات والاعتبارات والنسب و الصفات جعل الواحد بالنوع واجباً باعتبار وحراماً باعتبار , ومثلوا له بالسجود وهو نوع لأنه يدخل تحت جنس العبادة , فالسجود واحد من نوع قد يكون واجباً وقد يكون حراماً , فقد يكون واجباً إذا كان سجوداً لله تعالى , وقد يكون حراماً إذا كان سجوداً لغير الله تعالى فهذا السجود واحد بالنوع أي نوع من الأفعال وأشخاص كثيرة , فيجوز أن ينقسم إلى واجب ومحرم ولا تناقض في ذلك , نظراً لتغايرهما في الشخصية فيكون بعض أفراده واجباً كالسجود لله تعالى وبعضها حرام كالسجود للصنم ودل على ذلك قوله تعالى:"لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن" فيتصور ورود الأمر والنهي على السجود , فالسجود للشمس والقمر محرم , والسجود لله تعالى واجب , فيمكن أن يتصور على رأي الجمهور أن يتوارد الأمر والنهي على الواحد بالنوع فيكون واجباً محرماً.

     القول الثاني : أنه لا يجوز أن يكون الواحد بالنوع واحداً محرما بمعنى أنه لا يتوارد الأمر والنهي على الواحد بالنوع وذهب إلى ذلك بعض المعتزلة منهم أبو هاشم الجبائي , واستدل على هذا بقوله : لو أننا قلنا بجواز كون الواحد بالنوع واجباً حراما بمعنى لو أجزنا توارد الأمر والنهي على الواحد بالنوع للزم من ذلك التناقض , وذلك لأن السجود نوع واحد مأمور به فيستحيل أن يكون منهياً عنه أي أن السجود واجب فيستحيل أن يكون محرماً والجواب عن هذا أن يُقال هذا الكلام غير صحيح أو هذا الاستدلال غير صحيح لأنه ننظر نحن إلى تغاير تعلق الأمر والنهي فإذا نظرنا إلى تغاير متعلق الأمر والنهي فلا يوجد تناقض فكون الواحد بالنوع وهو السجود واجب باعتبار وحرام باعتبار آخر فلا تناقض , فالسجود للصنم غير السجود لله تعالى بدليل أن المأمور به ليس هو المنهي عنه في قوله تعالى +لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله ..." وقد انعقد الإجماع على أن الساجد للصنم أو الشمس عاص بنفس السجود والقصد جميعاً , وأن الساجد لله تعالى مطيع بالسجود والقصد جميعاً , إذن لا تضاد ولا تناقض بكون الواحد بالنوع حراماً واجبا إنما التضاد يكون بالواحد بالعين وهذا سيأتي الكلام عنه . فإذن الجمهور نظروا إلى توارد الأمر والنهي على الواحد بالنوع باعتبار المتعلقات وما يعرض لهذا الواجب بالنوع . وبعض المعتزلة نظر إلى ذات الواحد بالنوع
    فالجمهور نظروا إلى ما يقترن إلى هذا الواحد بالنوع فنعم إذا كان سجود لله يكون واجبا , وإذا كان سجوداً للصنم يكون حراما أو للشمس والقمر وأما بعض المعتزلة فقد نظروا إلى ذات الواحد بالنوع ويظهر حقيقة بحسب النظر أنه لا خلاف بين الفريقين ونحن إذا نظرنا إلى ذات السجود فنعم إما أن يكون السجود واجب وإما أن يكون محرم ولا يمكن أن يكون السجود واجباً ومحرماً في الوقت نفسه إذا نظرنا له إلى ذاته وهذا نتفق فيه كما قال بعض المعتزلة , لكن عندما نأتي إلى قول الجمهور وهم يقولون إن الواحد بالنوع قد يكون واجباً وقد يكون محرماً ليس قصدهم في ذاته بمعنى أن يكون السجود مثلاً واجباً محرماً في ذات السجود نفسه إنما قالوا أنه قد يكون واجباً محرماً باعتبارات يعني بما يعرض له فالسجود إذا عرض له أن يكون لله كان واجباً وإذا عرض له أن يكون للشمس والقمر كان محرماً . فالحقيقة لا خلاف بين الفريقين إنما كلا الفريقين عبر أو نظر إلى الواحد بالنوع من جهة فنسب إليه الحكم بهذا الاعتبار وحقيقة فلا خلاف بين الفريقين والجميع متفق على أن الواحد بالنوع إذا نظرنا له بذاته فنعم لا يمكن أن يكون واجباً حراماً ولا يمكن أن يتوارد عليه الأمر والنهي لذاته , وإذا نظرنا له بحسب متعلقاته وما يعرض له فنعم قد يكون واجباً باعتبار وقد يكون محرماً باعتبار آخر .

    الحالة الثانية هي : توارد الأمر والنهي على الواحد بالعين :
    ومثلنا له بصلاة العشاء , ويستحيل أن يكون الواحد بالعين حراماً واجباً طاعةً ومعصية من جهة واحدة كما لو فرضنا أنه قال صلِ صلاة الظهر ولا تصل صلاة الظهر , هذا لا يمكن أن يكون أن يرد الأمر والنهي على صلاة الظهر مثلاً , أو يقول اعتق هذا العبد ولا تعتق هذا العبد وهو يشير إلى عبد معين أو رقيق معين فإننا في هذه الحالة نقول يمتنع ويستحيل توارد الأمر والنهي على الواحد بالعين إذا كان من جهة واحدة , وإنما قلنا باستحالة ذلك للتضاد والتناقض والتنافي بين الأمر والنهي في هذه الحالة , فكيف يقول صل الظهر ولا تصلي الظهر لا يمكن أن يكون هذا لأنه سيكون حينئذ في حالة تناقض وتضاد والتنافي من قبيل التكليف بما لا يطاق وهو غير واقعي شرعاً ,,

    أما توارد الأمر والنهي على الواحد بالعين من جهتين فمثاله : الصلاة في الدار المغصوبة وهي أشهر مسألة عرض لها علماء الأصول وهي مسألة توارد الأمر والنهي على الواحد بالنوع من جهتين وهي لها علاقة كما قلنا بمسألة المحرم لغيره , وتعتبر مندرجة تحت نوع من أنواع المحرم لغيره ويعرض لها العلماء في مسألة المحرم لغيره , ويعرضون لها في مسألة اقتضاء النهي الفساد وهي من أشهر مسائل باب النهي الذي يبحثه الأصوليون في موضعه بعد بحثهم لمسائل الأمر فعندنا توارد الأمر والنهي على الأمر الواحد بالعين من جهتين ، نحن قلنا أنه من جهة واحدة كقولنا صل الظهر ولا تصل الظهر يستحيل أن يقع لكن توارد الأمر والنهي على الواحد بالعين من جهتين فهل يمكن أن يكون الواحد بالعين من جهتين واجباً من جهتين أو لا يمكن أن يكون ذلك ؟ إذا نظرنا من هذه الجهة قلنا واجب وإذا نظرنا من هذه الجهة قلنا محرم ! هل يمكن هذا أو لا يمكن, وإذا نظرنا إليه بهذه النظرة المحرم فهذا يترتب عليه الفساد والبطلان لأن من الآثار المترتبة على المحرم أن نقول بفساد أو بطلان الفعل المرتبط به , مثال هذه الحالة الصلاة في الدار المغصوبة , فمثلاً صلاة زيد أو عمر في دار مغصوبة فإن حركة زيد في الصلاة فعل واحد بعينه , وهو واقع في مكان منهي عنه أو في موضع منهي عنه , فتوارد الأمر والنهي على الصلاة , فمن جهة كونها صلاة مأمور بها , ومن جهة كونها في دار مغصوبة من صاحبها محرمة , لأن الفعل هذا غصب وفعل الغصب نهي عنه

    فهنا اختلف العلماء هل يمكن أن يتوارد الأمر والنهي في هذه الحالة ويصبح الفعل واجباً حراما أو لا يمكن ؟
     اختلف العلماء في هذا على قولين

    القول الأول أنه يجوز أن يتوارد الأمر والنهي على الواحد بالعين من جهتين بمعنى أنه يجوز أن يكون الشيء واجباً حراما من جهتين وبناء على هذا القول فإن أصحاب هذا القول يصححون الصلاة في الدار المغصوبة يقولون مأمور بها من جهة كونها صلاة ومنهي عنها من جهة كونها غصبا , فمن جهة كونها صلاة هي صلاة مكتملة الشروط فتكون صحيحة ومجزئة , ومن جهة كونها واقعة في أرض مغصوبة يكون فاعل الصلاة هنا آثم , فيثاب على فعله للصلاة ويعاقب على فعله للغصب , ولا تناقض بينهما لأن النظر هنا إلى جهتين

    وهذا النظر ذهب إليه أكثر الحنفية وأكثر الشافعية وهو قول الإمام مالك وهو قول بعض الحنابلة،
    والدليل على هذا القول يقولون إن فعل الصلاة في مكان مغصوب ـ نجعل الكلام هنا عن الصلاة ويمكن أن يعمم ويبنى على هذا الدليل بما أعم ولكن نفرضه بصورة معينة ـ أن فعل الصلاة في مكان مغصوب هو فعل واحد له جهتان متغايرتان فهو من إحدى الجهتين مطلوب الفعل وهو من جهة الصلاة والأمر بها ,, ومن جهة أخرى مطلوب الترك وهو الصلاة في الدار المغصوبة فإذا كان للفعل الواحد جهتان متغايرتان فيجوز أن يكون مطلوب الفعل من إحدى الجهتين مطلوب الترك من الجهة الأخرى ولا مانع من الصحة في هذه الحالة وليس هذا بأمر محال ولكن المحال إذا كان الشيء مطلوب الفعل ومطلوب الترك من جهة واحدة وهذا سبق الكلام عنه ومعنى هذا أن الصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها بقطع النظر عما يلحقها من كونها في مكان معين أو نحو ذلك , والغصب من حيث هو غصب منهي عنه بقطع النظر عن كونه مرتبطاً بأفعال الصلاة أو غير مرتبط بها , وعلى هذا تكون الصلاة معقولة بدون الغصب , والغصب معقول بدون الصلاة فيمكن وجود أحدهما بدون الآخر قياسا على من صلى ولم يغصب أو غصب ولم يصل فكما أن من صلى ولم يغصب له أجر ومن غصب ولم يصلي فعليه الإثم فكذا هاهنا , فإذا جمع المكلف بين الصلاة والغصب أي صلى في مكان مغصوب لم يخرجهما عن حكمهما في حال انفرادهما وهو الأمر بالصلاة وكونها طاعة والنهي عن الغصب وكونه معصية فيجب حينئذ أن يثبت للصلاة وللغصب مجتمعين ما يثبت لهما منفردين فالجمع بينهما لا يقلب حقيقتهما في أنفسهما فحينئذ تكون هذه الصلاة صحيحة ومجزئة من حيث هي صلاة وفاعلها بهذه الصورة آثم من جهة كونه غاصبا
    استدل أصحاب هذا القول بدليل آخر وقالوا إن السيد لو قال لعبده خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار فإذا امتثلت أعتقتك وإن دخلت الدار عاقبتك فخاط العبد الثوب في تلك الدار المنهي عن دخولها فإن العبد يعتبر مطيعاً لسيده من جهة وعاصيا من جهة أخرى فيحصل من السيد عتقه ومعاقبته نظراً للجهتين حيث كان العبد مطيعا بامتثال أمر سيده وهو خياطة الثوب فيستحق العتق من السيد على ذلك , وكان عاصيا من جهة دخوله للدار المنهي عن دخوله فيستحق العقوبة وإذا ثبت هذا فكذلك الصلاة في الدار المغصوبة لأن المكلف جمع بين الصلاة وكونها في الدار المغصوبة كما جمع بين خياطة الثوب ودخول الدار المنهي عنها . الدليل الثالث قالوا لو أن مسلما رمى سهما واحدا إلى كافر فمرق السهم من الكافر فأصاب مسلما فقتله يعني رمى سهما فأصاب الكافر ثم خرج من الكافر فأصاب مسلما والمقصود بالكافر هنا هو الكافر الحربي فيثاب من جهة ويعاقب من جهة أخرى , يثاب ويملك سلب الكافر من جهة قتله كافرا محاربا لإعلاء كلمة الله وقد أمر الله تعالى بذلك ويستحق سلب الكافر الذي قتله ويعاقب أيضاً على رميه السهم للمسلم لأنه قتل مسلما وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن قتل المسلم فيدفع الدية لأنه قتله خطأ فهذا فعل واحد عوقب وأثيب عليه وذلك لتضمنه الأمر والنهي من جهتين مختلفتين فهو مأمور به من جهة قتله الكافر المحارب من غير قصد فإذا ثبت ذلك فالصلاة في الدار المغصوبة مثله لأن المكلف جمع بين الصلاة وكونها في الدار المغصوبة كما جمع بين قتل الكافر المأمور به وقتل المسلم المنهي عنه هذا ما يتعلق بالقول الأول وأدلته ..

    القول الثاني : أنه لا يجوز أن يتوارد الأمر والنهي على الواحد بالعين من جهتين فلا يجوز اجتماع الحرام والواجب في الواحد بالعين من جهتين وعلى ذلك فالصلاة في الدار المغصوبة لا تصح وذهب إلى ذلك الإمام مالك في رواية عنه ووجه عند أصحاب الإمام الشافعي ورواية عند الإمام أحمد اختارها أكثر الحنابلة وهو مذهب الظاهرية وبعض المعتزلة واستدلوا بأن الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل المكلف ليس من فعله والأفعال الموجودة من المصلي في الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه وهو عاصي بها آثم بفعلها وليس له من الأفعال غير ما صدر عنه فلا يتصور أن تكون طاعة ولا يتقرب بها إلى الله تعالى لأن المحرم لا يكون واجبا والمعصية لا تكون طاعة مثاباً عليها ولا تكون متقربا بها مع أن التقرب والنية شرط في صحة الصلاة ,,

    يمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال بأن المحكوم بأنه حرام ليس من ذات الفعل من حيث هو فعل ولكن حكم عليه بالحرمة من جهة كونه مثلا غصبا وإذا كان الأمر هكذا فلا يلزم منه امتناع الحكم عليه بالوجوب من كونها صلاة نظرا لاختلاف الجهتين والحقيقة كما قلنا أن هذين القولان في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة العلماء خصوا بها هذه المسألة ولكن قصدهم ما هو أعم منها فقالوا حكم الصلاة في الدار المغصوبة أنه لا يقبل أن يقول هي صلاة صحيحة ومجزئة وآثم صاحبها بالغصب وهؤلاء الذين قالوا بهذا قصدهم أو أرادوا أن يقولوا إنه يجوز أن يتوارد الأمر والنهي على الأمر الواحد بالعين من جهتين فيجوز اجتماع الأمر اجتماع الوجوب والحرمة في الشيء الواحد بالعين من جهتين والذين قالوا إن الصلاة في الدار المغصوبة لا تصح وهم أصحاب القول الثاني قصدهم من ذلك أنه لا يصح ولا يجوز توارد الأمر والنهي على الشيء الواحد بالعين من جهتين فلا يجوز اجتماع الحرام والحلال بالواحد بالعين من جهتين وهذه من المسائل المشهورة عند الأصوليين كما قلنا وكان قصدهم من ذكر هذه المسألة تعميم بحيث تشمل ما هو أعم من ذلك.

    ذكرنا فيما سبق عندما تكلمنا عن أقسام المحرم وقلنا أن المحرم محرم لذاته ومحرم لغيره وجعلنا من قبيل المحرم لغيره أن المحرم لغيره ثلاثة أنواع والحقيقة أن المسألة ترجع إلى الكلام على نوع من أنواع المحرم لغيره وهو ما كان المحرم لأمر خارج عنه غير ملازم له وبينا هناك أن الجمهور يقولون بعدم ترتب أي أثر على هذا النوع من المحرم وقلنا إنه ينقل عن الإمام أحمد واشتهر عنه هذا القول بعدم ترتب أي أثر على هذا النوع من المحرم , والجمهور كما قلنا يرتبون بعض الآثار على هذا النوع من المحرم ونقل عن الإمام أحمد أنه لا يرتب أي أثر على هذا النوع من المحرم ونبهنا أن هذا القول ينسب إلى غير الإمام أحمد ولا يقتصر على الإمام أحمد , وأيضا نبهنا إلى أن الغزالي عندما ذكر أن الإمام أحمد عندما خالف .. خالف إجماعا سابقا وخلافه لا يقدح في الإجماع قال لأن العلماء لم يأمروا بقضاء الصلوات مع كثرة وقوعها لأنه يقع من الناس كثيرا غصب الأراضي وغصب الدور ونحو ذلك ومع ذلك يصلون فيها ولم يؤثر عن أحد من العلماء أنه يفتي بأن الظلمة لابد أن يقضوا هذه الصلوات التي يصلونها في هذه الأماكن وهذا إجماع , ومادام أنه إجماع يقول أنه لا يحق للإمام أحمد أن يخالف في هذا لأنه لم يؤثر عن أحد أنه يقول يلزم الظلمة أن يقضوا هذه الصلوات التي أدوها في الأماكن التي غصبوها , لكن كما قلنا أن ابن قدامة عقب لكلام الإمام الغزالي وأشار أنه ليس هناك إجماع في المسألة ونقد هذا الكلام الوارد عن الغزالي في تلك المسألة ونصل إلى نتيجة هنا وهي هل معنى هذا أن كل محرم يلزم منه الفساد أو الإثم , الحقيقة بالنسبة للإثم أمره إلى الله تعالى ولكن نقول في الظاهر أن من فعل محرما يستحق الإثم ويستحق العقاب ثم أمره إلى الله تعالى إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه لكن بالنسبة للفساد أي من فعل محرما يكون فعله فاسدا مطلقا كما قلنا من فعل محرما لذاته نعم فعله فاسد مطلقا وباطل مطلقا من فعل محرم لغيره فهذا على أنواع ثلاثة إن كان محرما لغيره لأجل أنه منهي عنه لوصفه فهذا أيضاً جمهور العلماء يقولون بفساد هذا النوع كما قلنا بصلاة الحائض مثلا باتفاق أنها فاسدة المنهي عنه لغيره لأمر ملازم له فهذا كما قلنا أن الجمهور يقولون بفساده وخالف في ذلك الحنفية وقالوا بعدم الفساد , المحرم لغيره لأمر منهي عنه خارج عنه مثل الصلاة في الدار المغصوبة فالجمهور يقولون بعدم الفساد و صحة هذا الفعل وأثر عن الإمام أحمد وغيره من العلماء بأنهم يقولون بالفساد في هذه الحالة فحقيقة ليس هناك تلازما بين الفساد وبين التحريم إلا في المحرم لذاته ففيه نوع تلازم بين التحريم والفساد , المحرم لغيره في نوع منه هناك اتفاق على التلازم بين الفساد وبين التحريم ,
    النوعان الآخران ليس هناك تلازم عند بعض العلماء وإن كان هناك تلازم عند جملة منهم والإمام أحمد على كل حال قاعدته هي التلازم بين التحريم والفساد في جميع أنواعه سواء المحرم لذاته أو المحرم لغيره فهناك تلازم عنده مطلقا أما غيره من العلماء فيتفاوت مواقفهم بحسب اختلاف أنواع المحرم وخاصة المحرم لغيره .

    وفي هذه الحلقة نختم إن شاء الله تعالى الكلام عن مسائل الحكم التكليفي
    هذه الحلقة نختم الكلام أيضاً عن مسائل الحكم التكليفي بالكلام على جملة من المسائل منها مثل
    ا المسألة الثانية وهي مسألة (الأمر بالشئ المعين هل تعد نهي عن ضده) ويشمل هذا الكلام المراد به هذه المسألة وخلاف الأصوليين فيها وترجيح ذلك وثمرة الخلاف ثم أيضاً مسألة أخرى
    وهي المسألة الثالثة وهي (هل الأحكام الشرعية قطعية أو ظنية) إن شاء الله تعالى أيضاً يكون هو جملة خواتم الأمور التي نختم بها الكلام على الحكم التكليفي .



    س--- مسألة الأمر بالشئ المعين هل تعد نهي عن ضده ؟
    ج------- وقد يعنون بعضها بصورة جازمة بعضهم فيقول الأمر بالشئ المعين نهي عن ضده وننبه هنا إلى أنهم قيدوا الأمر بالشئ المعين (قيدوه بكونه معيَّن)
    فيخرجون من هذا الواجب المخير لأن الأمر بالواجب المخير نهي عن أحد أضداده ثم أيضاً هم يعبرون هنا بالضد ويقصدون أيضاً مايشمل ماهو أعم من ذلك مثل النقيض ونحو ذلك فيدخل في المعنى الضد هنا وعندما قالوا الأمر بالشئ المعين نهي عن ضده فقصدهم بذلك هنا من جهة المعنى لامن جهة الصيغة لأن من جهة الصيغة فأن قولنا مثلا (افعل) ليس هو قولنا (لاتفعل) ولايمكن أن يقول بذلك عاقل .
    فإذاً الكلام هنا في ما يتعلق بالمعنى هل الأمر بالشئ المعين نهي عن ضده {يعني} من حيث المعنى أو ليس أمر بضده من جهة المعنى أما من جهة الصيغة فلا أحد يقول إن الأمر بالشئ نهي عن ضده {بمعنى} أن نقول {افعل } هو عين قولنا {لاتفعل} لأن {افعل ولاتفعل} لاشك أنها ألفاظ مختلفة فالأمر بالشئ المعين هل هو نهي عن ضده

    س----- هذه مسألة اختلف فيها الأصوليون على أقوال؟
    ج------- القول الأول:
    أن الأمر بالشئ المعين يستلزم النهي عن ضد ذلك الشئ المعين سواء كان له ضد واحد أو أضداد
    (فيكون الأمر إذا بالشئ نهيا عن الضد من باب الاستلزام) ولا يعنى هذا إن الأمر بالشئ هو عين النهي عن الضد لا من جهة الصيغة ولا من جهة المعنى إنما المقصود هو (يستلزم النهي عن ضد ذلك الشئ(
    وهذا القول هو قول الأئمة (أبي حنيفة ومالك والشافعي) وأكثر أتباعهم وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد) وعليه كثيراً من أتباعه من(الحنابلة) وإختار أيضاً هذا القول (الرازي) وأيضاً بعض (المعتزلة) وعلى هذا القول (يكون الأمر بالصلاة مستلزم لنهي في المعنى عن الأكل والشرب مثلاً والنوم) (والأمر بالجلوس في البيت يستلزم النهي عن الجلوس في الطريق وغير ذلك من المواضع التي يضاد الجلوس فيها الجلوس في البيت (
    فإذا ورد الأمر مثلاً بالصلاة فإن الأمر بالصلاة يستلزم النهي عن ما يضاد الصلاة وما يضاد الصلاة هو مثلاً
    الأكل والشرب والنوم فهذه كلها منهياً عنها لأنها تضاد الصلاة (أي الأمر بالصلاة يستلزم أن تكون هذه من قبيل المضاد للصلاة)(وأمر الجلوس بالبيت مثلاُ يستلزم النهي عن الجلوس في الطريق وغير ذلك من المواضع التي يضاد الجلوس فيها الجلوس في البيت وهذا من قبيل الاستلزام).

    س---- وهذا القول له أدلة منها, أذكرها؟
    ج------ الدليل الأول :أنه لا يمكن أن يتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك ضده (فوجب أن يكون الأمر بهذا الشئ نهي عن ضده(.
    فلو قال مثلاُ (قـــم) فلا يمكن فعل القيام إلا بترك القعود (فوجب قولنا قم مستلزماً للنهي عن القعود والاضطجاع والركوع ونحو ذلك وهذا قياساً على الأمر بالصلاة) فإنه لما لم يمكنه فعل الصلاة إلا بتقديم الطهارة كان الأمر بالصلاة أمر بالطهارة وجلب الماء وتوفير كل الأسباب التي توصل بها إلى فعل الصلاة وكذلك ههنا من باب القياس .
    الدليل الثاني :
    إن السيد لو قال لعبده: (قـم) فقعد فإنه يُحسن ذم هذا العبد وتوبيخه على القعود فيقول له السيد: (لما قعدت) ولو لم يكن الأمر بالقيام يقتضي النهي عن القعود لما حُسن توبيخ هذا العبد وذمه على القعود .
    الدليل الثالث :
    إن من أذن لغيره في دخول الدار ثم قال له (أخُرج) تضمن هذا القول منعه من القيام فيها واللفظ كما هو ظاهر إنما هو في أمره بالخروج وقد عُقل منه المنع من المقام الذي هو ضد الجلوس في الدار .
    هذا بما يتعلق بالقول الأول في المسألة وكما قلنا القول الأول هو (أن الأمر بالشئ يستلزم النهي عن االضد (



    القول الثاني :
    أن الأمر بالشئ هو بعينه طلب ترك الضد يعبر عنه:(بأن يقال الأمر بالشئ نهي عن الضد من جهة المعنى)
    وينبغي أن يُنتبه إلى أن هذا القول ليس هو القول الأول وهذا قول يُجعل كأنه مثل القول الأول تماماً ويغتفر التعبير به عن القول الأول وهذا ليس صحيحاً .
     فالقول الأول : (إن الأمر بالشئ يستلزم النهي عن الضد (.
     وأما القول الثاني : (فإن الأمر بالشئ هو عين طلب ترك الضد) ويعبر عنه بأن الأمر بالشئ هو نهي عن الضد من جهة المعنى ؛ وهذا معنى القول الثاني بعضهم يجعل هذا التعبير هو نفس تعبير أصحاب القول الأول وهذا غير صحيح مثال على هذا يقولون : (السكون هو عين ترك الحركة وطلب السكون هو عين طلب ترك الحركة) الأمر بالسكون هو طلب واحد (هو بالإضافة إلى السكون أمر ؛ وبالإضافة إلى الحركة نهي(.
    وهذا القول ذهب إليه)القاضي أبو بكر الباقلاني) ومن تبعه يقولون (الأمر لا صيغة له في أصل الوضع وإنما هو معنى قائم بالنفس ؛فالأمر عندهم هو نفس النهي من هذا الوجه فاتصافه بكونه أمراً ونهيا كاتصاف الكون الواحد بكونه قريبا من شئٍ بعيداً من شيئاً أخر .

    وهذا على كل حال القول أساس بناء هذا القول يعود إلى (قضية إثبات الكلام النفسي وإن الكلام قد يكون منه لفظياً وقد يكون منه كلاماً نفسياً) وأصحاب هذا القول يتبنون إثبات الكلام النفسي فهم يقولون (إن الأمر معنى يقوم بالنفس يطلب الفعل وليس اسم للفظ والمعنى وهذا خلاف ما عليه أهل السنة (فإن الكلام وبناء اللفظ بشكل عام ومنه الأمر هو إسم للفظ والمعنى وليس معنى قائم بالنفس) وعلى كل حال مناقشة أصحاب هذا القول تعود إلى مسألة من المسائل الكلامية وأحياناً تدرج في مسائل العقيدة وهي (مسألة إثبات الكلام النفسي) ويتبناهُ (الأشاعرة) وعلى رأسهم) القاضي أبو بكر الباقلاني (.
    وأهل السنة لايرون إثبات الكلام النفسي وإنما يقولون (الكلام هو إسم للفظ والمعنى ويدخل فيه الأمر والنهي ونحو ذلك) ولذلك عندما قال(الأشاعرة) بهذا بنوا عليه رأيهم هنا بأن الأمر بالشئ هو (بعينه طلب ترك الضد أو كما يقولون الأمر بالشئ نهي عن ضده من جهة المعنى) وقد اغتر بعضهم بهذا وجعل هذا القول كأنه نفس القول الأول أي (قول أئمة السلف)القائلين(بأن الأمر بالشئ يستلزم النهي عن ضده)وفرق بين العبارتين

    القول الثالث :
    إن الأمر بالشئ ليس نهي عن الضد لا بمعنى عينه ولا بمعنى يتضمنه ولابمعنى أنه يلازمه أي يستلزمه
    فيقولون (الأمر بالشئ ليس نهي عن ضده مطلقا – بمعنى أنه ليس عينه ولا يتضمنه ولايستلزمه (
    وذهب إلى هذا بعض(الشافعية) (كـالغزالي (هو نقل عن (القاضي أبو بكر الباقلاني (
    قول آخر له وذهب إليه أكثر) المعتزلة (.
    وأدلة هذا القول على النحو الأتي :
    الدليل الأول : أن صيغة الأمر تختلف عن صيغة النهي فصيغة الأمر (افعل (وصيغة النهي (لاتفعل) فلايجوز أن تكون صيغة أحدهما مقتضية للآخر .
    وجواباً عن هذا : أننا نقول إنما لايجوز أن يكون صيغة الأمر هي صيغة النهي ويمتنع ذلك لو جعلنا الأمر بالشئ نهي عن ضده من طريق اللفظ فيكون إختلاف صيغتهما مانعاً ؛ لكون إحدهما مقتضياً للآخر لكن الحقيقة أننا نقول (إن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده من طريق الإستلزام) وحين إذا لايُرد هذا الدليل أو لايصح أن يقام هذا الدليل كدليلٍ بناء على صحة هذا القول .

    الدليل الثاني : أن النهي عن الشئ لا يقتضى الأمر بضده فكذلك الأمر بالشئ وجب ألا يكون مقتضياً للنهي عن الضد .
    حاصله (قياس مسألة على مسألة) يقولون النهي عن الشئ لايقتضي الأمر بالضد فكذلك الأمر بالشئ
    (وهي المسألة التي نبحثها هنا) يجب أن لايكون مقتضياً لنهي عن الضد .
    ويجاب عن ذلك : بأننا لانُسلم هذا الأمر بل أن النهي أي (لانُسلم حكم في المقيس عليه لأن المقيس عليه هو النهي عن الشئ(.
    يقولون لا يقتضي الأمر بضده فنحن لانسلم بل إن النهي عن الشئ يقتضي الأمر بضده فإذا قال مثلاً (لاتقعد) فإن يقتضي الأمر (بالقيام) فإذا كان له ضد واحد (كالنهي عن صوم يوم النحر) فأنه يقتضي الأمر بضده وهو (الإفطار) وأن كان له أضداد (كالزنا) فإنه يقتضي الأمر بضداً من أضداده لأنه بفعل ضد واحد يترك المنهي عنه فمثلاً أضداد(الزنا) أن يشتغل)بأكل أو شرب أو نوم أو صيام أو عبادة ونحو ذلك من الأعمال) فإنه يصير بفعله لهذه الأمور تاركاً للزنا .

    الدليل الثالث : في هذه المسألة قالوا : أي الذين يقولون (أن الأمر بالشئ ليس نهي عن ضده لامن جهة المعنى ولامن جهة اللفظ ولامن جهة الإستلزام) يقولون أن الأمر بالشئ قد يكون غافلاً وذاهلا ًعن ضده والنهي عن الشئ مشروطٌ بالشعور بالمنهي عنه فكيف يكون الأمر طالباً ماهو غافلاً عنه وإذا كان الأمر لم يغفل عن ضد الشئ المأمور به فإن الأمر بالشئ لايكون نهياً عن ضده من حيث ذات الأمر بل يكون الأمر نهي عن ضده من باب (مالايتم الواجب إلا به فهو واجب(.
    والجواب عن هذا الدليل : نقول (أن الحكم في حق الله تعالى لا يمكن أن يسند إليه الذهول) فنحن نتكلم عن الأوامر الشرعية ولابد أن تكون صادرة عن الله تعالى وصادرة عن النبي × مبلغ عن ربه
    وحينئذ (لايمكن أن يسند إلى المشرع الذهول) ؛ ثم أننا نفهم أوامر الله ونواهيه من حيث دلالتها اللغوية والأمر يستلزم النهي عن ضده من جهة اللغة ونحن(نتعامل بمقتضى اللغة) أما أن يقال إن الأمر ليس نهي عن ضده لاحتمال أن يكون الأمر ذاهلاً عن ذلك الضد وغافلاً عنه، فنعم لو كان هذا في كلام البشر(فالبشر مكلفين (
    ؛ لكن نتكلم عن أوامر ونواهي صادرة عن الله سبحانه وتعالى وهذا لايمكن أن يكون في حق الله تعالى ذهولا ً أو غفلة... فإذا جاء أمر من الله تعالى فلاشك أنه يعلم ضد هذا الأمر حينما أمرنا بهذا الأمر وحينئذ ينتفي إيراد هذا القول في هذه المسألة .

     والذي يترجح في هذه المسألة:
    هو القول الأول قول الجمهورأئمة السلف، وهو (أن الأمر بالشئ المعين نهي عن ضده بطريق الاستلزام(.
    أو نقول (أن الأمر بالشئ المعين يستلزم النهي عن ضده) وهذا مقتضى كلام السلف وما يفهم من كلام السلف رحمهم الله .

    إذا أتينا إلى الخلاف في هذه المسألة :
    بالنسبة للخلاف بين أصحاب القول الأول وأصحاب القول الثاني قد يكون الخلاف لفظياً بينهما (لأنهما يتفقان على أن الأمر بالشئ نهي عن ضده (.
    فأصحاب القول الأول يقولون من جهة الاستلزام أي (اللوازم) وأصحاب القول الثاني يقولون من جهة المعنى
    أو أن (الأمر بالشئ هو عين النهي عن ضده) بأي عبارة عبروا .
    فإن أصحاب القولين الأول والثاني يتفقون على (أن الأمر بالشئ نهي ُ عن ضده) وإن اختلفوا في طريقة الاستفادة (هذا النهي عن الضد) وحينئذ ينحصر الخلاف بين أصحاب القول الأول والثاني من جهة وبين أصحاب القول الثالث من جهة أخرى؛لأن أصحاب القولين الأول والثاني يقولون(الأمر بالشئ نهيُ عن ضده (. وأصحاب القول الثالث يقولون (الأمر بالشئ ليس نهيُ عن ضده لا من جهة اللفظ ولامن جهة المعنى ولامن جهة مايقتضيه اللفظ ولا مايستلزمه) فينحصر الخلاف بينهم وحينئذ يكون من ناحية معنوية . أي {يكون الخلاف معنوياً } وله أثار فقهية

     ثمـــرات الخـــــلاف :
    أولاً : لو قال الرجل لزوجته : (إن خالفتي نهيي فأنتي طالق) قال لها هذا الكلام ثم جاء في موضوع آخر
    و قال لها (قومي) فقعدت ؛ فإن العلماء يختلفون هنا وخلافهم ينبني على الخلاف في هذه القاعدة .

    فبعضهم يقول (أنها تطُلق) لأن الأمر بالشئ نهيُ عن ضده ؛ فهو قال لها (قومي) فيستلزم ذلك ألا تقُعد
    وقد قال في عبارته (إن خالفتي نهيي فأنتي طالق) ؛ فإذا قعدت بعد أن أمرها بالقيام فقد خالفت نهيهُ
    لأنه أمرها بأمر فأتت بضده والأمر بالشئ نهيُ عن ضده فقد خالفت النهي هنا وحينئذ نقول بقول بعض
    العلماء (أنها تطلُق) لأن الأمر بالشئ نهيُ عن ضده ؛ وقد خالفت هذه المرأة النهي هنا وطبعاً ليس نهيُ
    مباشر وإنما جاء النهي هنا من قبيل الأمر بالشئ (والأمر بالشئ المعين نهيُ عن ضده)

    وفي المقابل يقول آخرون : أنها (لا تطلُق) إذا قال الرجل لزوجته (إن خالفتي نهيي فأنتي طالق(
    وقال لها (قومي) فقعدت لماذا؟
    لأنهم يقولون (الأمر بالشئ ليس نهياً عن ضده) فهو أمرها بأمر فهي لم تخالف هذا الأمر وإنما جاءت بأمر
    آخر لم يتطرق هذا الرجل إلي النهي عنه (والأمر بالشئ ليس نهيُ عن ضده) ولذلك تكون فاعلة لأمر مباح
    لها وحينئذ لاتطلُق .

    ثانياً : لو سجد مٌصلي على مكان نجس فما حكم صلاته؟ في هذه الحال اختلف العلماء في هذه الحالة
    وذهب أكثرهم إلى أن صلاة هذا الشخص باطلة فيجب عليه أن يعيدها كلها ؛ لماذا؟
    لأن المصلي مأمور بالسجود على مكان طاهر (والأمر بالشئ نهيُ عن ضده) فإذا أمر الله تعالى
    بالسجود على مكان طاهر فمعنى هذا بطريق الاستلزام أنه نهانا عن السجود على مكان نجس فالشخص إذا
    صلى على مكان نجس يكون مرتكباً لأمر منهيٌ عنه وإذا ارتكب الشخص أمر منهيٌ عنه فأن هذا يؤثر في
    بطلان صلاته فيجب أن تبطل صلاته لفعله أمراً منهيٌ عنه .
    في المقابل ذهب بعض العلماء إلى أنه يؤمر بإعادة السجود على مكان طاهر ويجزؤه ذلك ؛ قالوا :
    لأن المأمور به هو السجود على مكان طاهر وقد أتى به وأما السجود على مكان نجس فليس بمنهيٌ
    عنه من حيث السجود (لأن الأمر بالشئ ليس نهيُ عن ضده(.

    وعلى كل حال هذه ثمرات قد تبتنى على هذه المسألة وقد يكون هناك أيضاً مسائل أخرى وقواعد أصولية أخرى تؤثر فيها وننبه هنا إلى بعض ثمرات الخلاف قد يتنازعها أكثر من أصل وقد يتنازعها أكثر من قاعدة أصولية
    فينبغي أيضاً لدراس هذا العلم أن يتنبه إلى هذا الأمر فليس معنى أن نقول أن الثمرة هذه الفقهيه تنبني على هذا الأصل أن هذا الأصل هو المؤثر فيها وحده بل قد يكون هذا الأصل مؤثر وقد يؤثر أيضاً فيه أصلٌ آخر وقد تتعارض الأصول في التأثير في فرع واحد فيكون هذا أيضاً محل للتنازع كما يعرف (بتنازع الأصول(
    فيكون هذا الفرع فيتنازعه أكثر من أصل وقد يكون الكلام فيه في محل نظر .


     المسألة الثالثة : مسألة وصف الأحكام الشرعية بالقطعية أو بالظنية .

    فهل توصف الأحكام الشرعية بالقطعية أو بالظنية ؟ وهل كلها قطعية أو كلها ظنية ؟
    أو أحكام الشرع فيها ماهو قطعي وفيها ماهو ظني .
    والمقصود بالأحكام الشرعية (الأحكام العملية) (أحكام الفقه) وليست أحكام الاعتقاد
    * فجرى بعض العلماء على وصف الأحكام الشرعية بأنها قطعية مطلقاً ، ولذلك يقول (ابن بَرهان) : أن الحكم عندنا قطعياً في الأحوال كلها سواء أضيف إلى الدليل القطعي أو الظني .

    ونقل عن(الحنفية) أنهم يخالفون في هذا ويقولون: بأن الحكم ظنياً في جميع الأحوال وليس بقطعي .

    والحقيقة إن إطلاق وصف الظنية أو القطعية على الحكم منفرداً دون تفصيل هذا يعد أمرا بعيداً ومحل نظر
    فلابد من خلال حقيقة الواقع نجد إن الحكم يمكن أن يتنوع إلى نوعين فيكون منه ماهو ظني ومنه ماهو قطعي وذلك بحسب الدليل الذي نتج عنه هذا الحكم وبحسب دلالة الخطاب على المراد منه.

    ولذلك فالمحققون من العلماء (يتفقون على أن الحكم ينقسم إلى ماهو قطعي وإلى ماهو ظني (
    وفي هذا يقول (الزركشي) في(البحر المحيط) : لكن الحق انقسام الحكم إلى قطعي وظني ؛ ثم قال : ومن صرح بذلك من الأقدمين(الشيخ أبو إسحاق الشيرازي) في (كتاب الحدود(ومن المتأخرين (ابن السمعاني) في (القواطع) وإنما قالوا الفقه العلم بأحكام الشريعة مع أن فيه ظنيات كثيرة لأن ماكان فيه من الظنيات فهي مستندة إلى العمليات .
    وقال (ابن التلمساني) : أنه الحق .ثم نقل (الزركشي) عن) الأصفهاني) قوله : من الأحكام مايثبت بأدلة حصل العلم بمقتضاها ؛ وذلك في الأحكام الثابنة بنصوص إحتفت بقرائن تدفع الإحتمالات المتعارضة عنها بإنحصار تعيين المدلول في واحد ومنها ماثبت بأخبار آحاد أو نصوص لم تعضد بما يدفع الإحتمال فتلك الأحكام مظنونة لا معلومة ثم قال وهذا هو الحق الذي لايأتيه الباطل من بين يديه .
    والحقيقة (أن تقسيم الأحكام الشرعية إلى ظنية وقطعية هو الصحيح بحسب النظر إلى الدليل المثبت لها(.

    وقد مر معنا مثلاً :
    أن الأحكام قد مايكون منها في الواجبات والفروض يكون منها ماهو قطعي وماهو ظني مع الخلاف بيننا وبين
    ) الحنفية) في قضية تقسيم الحكم إلى فرض وإلى واجب وهذا خلاف في التسمية .
    أيضاً بالنظر إلى أن هناك محرم مكروه تحريماً والنظر فيه إلى دليل مثبت هل هو دليل قطعي أو دليل ظني والخلاف في التسمية .

    لكن (العلماء) في الغالب ينظرون إلى الدليل المثبت هل هو قطعي أو ظني ويبنون عليه جملة من الأحكام وهذا يتقرر منه أن الأحكام منها ماهو قطعي ومنها ماهو ظني .
    وقد بينا في خلال بحثنا للفرض والواجب والمحرم والمكروه تحريماً مايترتب على عد هذا الحكم قطعي أو عده ظني بغض النظر عن تسميته باسم معين هذا في ما يتعلق بمسألة وصف الأحكام الشرعية بالقطعية أو الظنية .

    وبختام الكلام عن هذه المسألة نختم الكلام على مسائل الحكم التكليفي .
    والباقي تكرار لما في الحلقات السابقة وماهو في الحلقة القادمة.


    وابتداء من هذه الحلقة سينتقل موضوع كلامنا إلى جزئية أخرى من جزئيات هذا المقرر وهو ما يتعلق بموضوع

     التكليف حقيقته و شروطه 

    موضوع التكليف يذكره جمهور الأصوليين من خلال مؤلفاتهم في غالب أمره بعد كلامهم على الأحكام التكليفية التي سبق الكلام عنها في ما مضى من حلقات .

     مناسبة إيراد مباحث التكليف بعد مباحث الحكم التكليفي :
    هو أن وصف التكليف هو المميز لنوع الحكم الذي سبق بحثه أي (الحكم التكليفي) فلما كان الأمر كذلك كان لابد لنا من التعرض لوصف هذا الأمر وما يتعلق به من أبحاث لكونه يتعلق بوصف الحكم التكليفي لأن التكليف وصف للحكم الذي سبق بحثه فلابد من أن نبحث حقيقة هذا التكليف الذي يتعلق بالحكم السابق

    فنحن قسمنا الأحكام إلى قسمين (أحكام شرعية تكليفية) و (أحكام شرعية وضعية)

     فالقسم الأول/ الأحكام الشرعية التكليفية ::
    (أي أنها منسوبة إلى التكليف) وذكرنا هذه الأقسام الخمسة عند الجمهور والسبعة عند الحنفية فهي منسوبة إلى التكليف .
    فكان لابد أن نبحث حقيقة هذا التكليف وشروطه ليتبين لنا حقيقة هذه النسبة التي ذكرنها وهذا ما يتعلق بمنهج الجمهور أما منهج الحنفية في مؤلفاتهم فالغالب أنهم يوردون الكلام على موضوع التكليف من خلال كلامهم على موضوع (الأهلية) وهي (لفظ يؤدي الغرض الذي يؤديه التكليف) فيتكلمون عن موضوع الأهلية وأقسامها وعوارض هذه الأهلية .
    في غالب أمر مؤلفات الحنفية أن هذا الموضوع يرد في خواتيم تلك المؤلفات بخلاف الجمهور فإنهم يوردون الكلام عن التكليف بعد ذكرهم للأحكام التكليفية وفي الجملة فإن مباحث الحنفية فيما يتعلق بهذا الموضوع وهو موضوع (الأهلية) الذي هو (يرادف موضوع التكليف) يعد حقيقة بحثا فائقا في الدقة وبحثا جيدا ودقيقا ومتميزا في هذا الجانب .

    وفي الغالب أن الحنفية ربطوا موضوع التكليف والأهلية بموضوع فتاوى علمائهم وأئمتهم ولذلك جاء بحثهم لموضوع التكليف والأهلية مرتبطا بالواقع الفقهي أكثر من ارتباط بحث (جمهور الأصوليين) لمباحث التكليف
    وقد بيننا فيما تقدم منهج الحنفية ينبني على ربط الفروع بأصولها أو بناء الأصول على ما ورد من علمائهم من فتاوى وفروع فقهية فلذلك كان في هذا الجانب أكثر مساسا بالفقه من منهج الجمهور سيرد الكلام عن جملة من العناصر .

    حقيقة التكليف
    أركان التكليف
    تسمية الأوامر والنواهي تكليفا
    أقسام التكليف
    شروط التكليف


    فأما ما يتعلق (بالتكليف) في اللغة : هو مصدر مأخوذ من الكلفة وهي المشقة يقال كلفه تكليفا يعني (أمره بما يشق عليه ويقال تكلف الشيء أي تجشمه ) .

    وأما (التكليف) في الاصطلاح : فقد اختلفت عبارات العلماء في تعريفه وينبني على هذا الاختلاف في العبارات اختلاف في المعنى والثمرة وسنبين هذا وسبق معنا عندما تكلمنا عن مباحث المكروه ومباحث المندوب .

    الاختلاف في تعريف التكليف أثر في بعض مسائل المندوب وبعض مسائل المكروه.
    فهناك من عرف (التكليف) في الاصطلاح : بأنه الأمر بما فيه كلفة أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة .
    وبعضهم عرف (التكليف) : بأنه إرادة المكِلف من المكًلف فعل ما يشق عليه .
    وهناك من عرف (التكليف) : بأنه إلزام ما فيه كلفة.

    وهذا التعريف الأخير يقرب كثيراً من المعنى اللغوي للتكليف ؛
    ولذلك فإن(ابن قدامة) رحمه الله قد اعتبر
    (هذا التعريف الذي هو قولنا : إلزام ما فيه كلفة) اعتبره أقرب إلى أن يكون تعريفاً لغوياً .
    ولذلك ذهب (ابن قدامة) إلى تعريف (التكليف) في الاصطلاح :(بأنه الخطاب بأمر أو نهي).
    وهذه جملة من تعريفات التكليف في الاصطلاح مختلفة العبارة.

     ويبني على اختلاف هذه الألفاظ بعض الثمرات منها :
     أن هذه التعريفات منها ما يخرج من (التكليف) المندوب والمكروه ؛ والذي يخرجه هو من عبر في تعريفه بقوله (الإلزام) عندما قال :(إلزام ما فيه كلفة). مثلاً ؛ فالذي يعبر باللفظ (الإلزام) يخرج المندوب والمكروه من حقيقة التكليف لأن المندوب والمكروه لا إلزام فيهما كما سبق معنا .
     ومن هذه التعريفات ما يشمل جميع أقسام (الحكم التكليفي) مثلاً من عبر بقوله (الأمر بما فيه كلفة أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة) أو من قال : (إرادة المكِلف من المكًلف فعل ما يشق عليه) أو من قال:(الخطاب بأمر أو نهي)؛ هذه التعريفات كلها تشمل جميع أقسام الحكم التكليفي .
    فعندنا مثلاً فالمندوب فيه أمر والمكروه فيه نهي فيدخل في التعريف كل منهما فيه نوع من المشقة وسبق بينا نوع المشقة الواردة في كل منهما ؛

    وأيضا من يقول بأن (التكليف) : الخطاب بأمر أو نهي لاشك أن المندوب خطاب بأمر والمكروه خطاب بنهي ومن خلال هذه التعريفات الثلاثة يدخل فيها المندوب والمكروه ومن عبر باللفظ (الإلزام) إلزام ما فيه كلفة يخرج المندوب والمكروه من حقيقة التكليف .
    هذا فيما يتعلق بسبب اختلاف هذه التعريفات وثمرة هذا الاختلاف؛ لكن هذه التعريفات جميعها تتفق (سواء من قال بإدخال المندوب والمكروه أو بإخراجهما) تتفق على إخراج الإباحة من التكليف
    (على أن المباح خارج عن التكليف) فلا تكليف بالمباح إذا ليس في الإباحة إلزام ولا طلب .

    وفي هذا يقول (الزركشي) عن التكليف أنه يتناول الحظر والوجوب قطعا ولا يتناول الإباحة قطعا إلا عند الأستاذ (أبي إسحاق الإسفراييني) كما سبق معنا قال وفي تناوله الندب والكراهة خلاف. (ا.هـ البحر المحيط)

    سبق أن أشرنا عند كلامنا على أنواع الحكم التكليفي أن شمول لفظ التكليف لجميع هذه الأحكام الخمسة أو السبعة عند الحنفية
    لأنه قد يرد سؤال إذا أنتم تقولون أن المباح لا يدخل في التكليف فلماذا نعده من قبيل أقسام الحكم التكليفي ؟
    وسبق الجواب عن هذا عندما تكلمنا عن المباح نشير إلي هذا مرة أخرى فالسبب أن جميع هذه الأحكام وبما فيها المباح عدها من الأحكام التكليفية إنما كان على سبيل التغليب أو على سبيل المجاز
    من باب (إطلاق الجزء وإرادة الكل) ؛ هذا إذن ما يتعلق بتعريف التكليف في اللغة والاصطلاح وما ينبني على اختلاف التعريف الاصطلاحي لمصطلح التكليف .


     أركان التكليف :
    للتكليف أربعة أركان ومنهم من يقصرها على ثلاثة أركان لكن الصحيح أن نقول أربعة أركان :

    1) المكلِّف (بتشديد اللام وكسرها) : وهو الأمر أو الناهي وهو الشارع سبحانه أو المبلغ عنه النبي عليه الصلاة والسلام .
    2) المكلَّف (بتشديد اللام وفتحها) : وهو الشخص البالغ العاقل .
    3) المكلَّف به : وهو الفعل أو القول المطلوب فعله أو المطلوب تركه .
    4) صيغة التكليف : الأمر أو النهي وما جرى مجراهما .

    وهنا يرد سؤال أو موضوع محل مناقشة عند بعض العلماء وهو: هل تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف ؟
    بعض العلماء كما نقل ذلك شيخ الإسلام (ابن تيمية) في مجموع الفتاوى ينكر أن تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف لماذا ؟ قال : لأن ليس فيها مشقة هذا هو التعليل الذي أورده من يقول بهذا القول .

    لكن الصحيح أنه يصح أن نطلق على أوامر الشرع ونواهيه أنها تكاليف إما من جهة أن الإطلاق جاء من قولهم: كلفتُ بالأمر إذا أحببته وتكاليف الشرع لاشك أنها محبوبة للمؤمن، وأما من جهة أن التكاليف الشرعية لا تخلو من مشقة ولكنها مشقة معتادة .
    ولذلك قال : النبي عليه الصلاة والسلام : (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) كما رواه الإمام مسلم في صحيحه.
    وتكون المشقة المنفية التي لا ترد في الشرع هي المشقة الخارجة عن المعتاد المؤدية إلى اختلال الحياة أو المعاش فهذه لاشك أنه لا يرد التكليف بها .
    مما يدل على صحة تسمية أوامر الشرع تكليفاً قوله تعالى : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"فهذه الآية تدل على امتناع التكليف بما خرج عن الوسع والطاقة وتدل على صحة التكليف بما يدخل تحت الوسع والقدرة
    بطريق مفهوم فدل هذا على أن أوامر الشرع ونواهيه تسمى تكاليف .


     أقســام التكليــف :
    هذه الأقسام من دقائق ما أورده الحنفية في هذا الباب وهو أيضاً موضوع مهم جدا له علاقته (بمسألة التأصيل والتقعيد) التي ينبني عليها تفريع فقهي انفرد به (الحنفية) أيضاً عن من سواهم من أصحاب المذاهب وقد يلتقي معهم بعض أصحاب المذاهب في بعض الأحكام لكن من جهة التأصيل يعتبر هذا المنهج عند (الحنفية) أضبط في موضوع ضبط مسائل التكليف ونحن ذكرنا أن (الحنفية) يعبرون عن موضوع أحكام التكليف بموضوع (الأهلية ) .
    فيما يتعلق بأقسام التكليف إنما أوردها (علماء الحنفية) فعلماء الحنفية (يعبرون عن التكليف بالأهلية) قسموا التكليف أو (الأهلية) إلى قسمين :
    • القسم الأول : أهلية الأداء أو يعبرون عنه بلفظ (وجوب الأداء)
    • القسم الثاني : أهلية الوجوب ويعبرون عنه بقولهم (الوجوب في الذمة)

    فإذن عندنا قسمان :(أهلية الأداء) و (أهلية الوجوب) كقسمين متقابلين
    أو نقول (الوجوب في الأداء) و(الوجوب في الذمة) كقسمين أيضاً متقابلين

    الحنفية عرفوا(أهلية الأداء) أو(الوجوب في الأداء) : (عرفوه بأنه /المطالبة بالفعل إيجادا وعدما) .
    ويقولون الحنفية أن النوع هذا من التكليف يستلزم وجود العقل والفهم بالخطاب لماذا ؟ لأنه لا يتصور
    طلب أداء فعل ما من شخص غير عاقل أو غير فاهم بما يخاطب به .

    أيضا عرفوا (أهلية الوجوب) أو (الوجوب في الذمة) : (بأنه اشتغال الذمة بالواجب) والمقصود بالواجب
    (يشمل المأمور به أو المنهي عنه) .

    فلو عبرنا بقولنا (اشتغال الذمة بالمطلوب) . يكفي هذا لأنه يشير إلى (المطلوب تركاً والمطلوب فعلاً) و الحنفية يقولون أن هذا القسم لا يستلزم العقل ولا الفهم .

    (بخلاف القسم الأول) لماذا ؟
    لأن الذمة صالحة لتعلق الوجوب بها في الصغير والمجنون والأداء يكون عندئذ على وليه أو عليه عندما يصلح أهلاً لوجوب الأداء .
    (الزركشي) في (البحر المحيط) فرق على لسان (الحنفية) بين القسمين السابقين حيث قال : قالوا أي (الحنفية) الأول والمقصود به (أهلية الأداء) متلقى من الخطاب _ يعني من ألفاظ الشارع _ وخطاباته بالأمر والنهي والثاني أي (أهلية الوجوب) متلقى من الأسباب ، وفرعوا (الحنفية) على ذلك فرعوا على هذا التفريق :

    مسألة مستغرق الوقت بالنوم أي من يستغرق الوقت بالنوم سواء (وقت الصلاة أو وقت الصيام)
    مستغرق الوقت بالنوم قالوا مثلا في الصلاة يقضي الصلاة مع ارتفاع قلم التكليف عن النائم لماذا ؟
    لوجود السبب وهو (الوقت) لأنه مر عليه الوقت وهو وقت التكليف ، قالوا وهو يكفي لتعلق الوجوب في الذمة .
    وكذلك قالوا يجب القضاء على المجنون إذا أفاق أثناء الشهر (شهر رمضان) لماذا ؟
    لوجود السبب في حقه وهو أنه قد شهد جزءا من الشهر .
    قال (الزركشي) وعند (الشافعية) لا يجب عليهم (النائم والمجنون)
    القضاء لعدم الخطاب في تلك الحالة ،
    وهذا يذكره (الزركشي) نقلاً على لسان (الحنفية) أنهم يقولون بذلك ، ثم إن (الزركشي) أنكر ثبوت هذا عن(الشافعية) ، وقال عندنا أي (الشافعية) لا وجوب إلا بالخطاب لا بالأسباب .
    هذا فيما يتعلق بتفريق (الحنفية) في هذا ؛ الذي نقله (الزركشي) عنهم مما يؤكد أن(أهلية الوجوب) أي (الوجوب في الذمة) نوعاً من أنواع التكليف كما يقول (الحنفية) أداء الولي والوصي عمن تحت ولايته أو وصياته فلولا تعلق الوجوب في ذمته لما صح الأداء عنهما { يعني } (أن الولي لو كان تحت ولايته شخص غير مكلف فإنه يلزمه أن يؤدي عنه الواجبات المالية) .
    مثل (الزكاة والديون) ونحو ذلك ، فيلزم أن يؤدي الوصي عن من تحت ولايته أو وصياته يقول(الحنفية) لو أن عندنا شئ اسمه(الوجوب في الذمة) لما وجب في ذمة الشخص غير البالغ أو غير العاقل الذي عليه ولاية .

    (يعني) كيف نقول تجب الزكاة في مال المجنون أو الصبي كيف نثبت ذلك ؟
    (إلا بطريق أن نثبت شيء اسمه (الوجوب بالذمة أو أهلية الوجوب)) فعند المجنون والصبي ليس عندهما (أهلية الأداء) أي (غير صالحين لأداء الواجبات بنفسيهما) لكن يمكن أن يصبح (الوجوب في الذمة) (بمعنى شيء في ذمتهما) ومن يؤدي عنهما يؤديه الولي .
    فقالوا هذا دليل يمكن أن نسميه (الوجوب في الذمة أو أهلية الوجوب) وهذا قسم ثاني من أقسام التكليف أو من أقسام الأهلية ، فاستدلوا به (الحنفية) على وجود مثل هذا القسم .
    لكن عندما ننظر في الفروع الفقهية الموجودة (عند الشافعية وكذلك الحنفية) يظهر لنا أن الخلاف في اعتبار تقسيم التكليف أو الأهلية إلى قسمين أو عدم تقسيمه أنما هو (خلاف لفظي) في الحقيقة ، لماذا ؟
    لأن الكل متفقين على أن ذمة الصغير وغيره قابلة لهذه الواجبات مثلا (الزكاة والديون) وغيرها ؛ وهذا ما صرح به (الزنجاني) في كتابه (تخريج الفروع على الأصول) بعد ما عقـد مقارنة بين(قول الحنفية) و (قول الشافعية) في تكليف الصبي و المجنون بالواجبات أو عدم تكليفهما . قال : وهذا على الحقيقة خلاف اللفظ فإنهم أي (الحنفية) يعنون بالوجوب استحقاق هذه الأفعال في ذمم المذكورين شرعاً أي (تبقى في ذمتهم شرعا) بمعنى وجوب القضاء عند زوال العذر المانع من التكليف وهو مسلم عندنا أي (الشافعية) لأن (الزنجاني) من الشافعية ، ونحن نعني بانتفاء الوجوب انتفاء تكليف الفعل حال قيام العذر وهو مسلم عندهم أي (الحنفية) فحصل بهذا أن الخلاف لفظي .

    وهذا يدعونا إلى أن ينبغي أن نحلل أقوال العلماء في هذه المسائل :
    (الشافعية) يقولون : لا يجب على المجنون والصبي شيء و يقصدون به وجوب معين أي (لا يجب عليهما حال قيام العذر) و (الحنفية) لا يخالفون في هذا .
    (الحنفية) يقولون : يجب على المجنون والصبي واجبات شرعية ويقصدون به وجوب معين أي (يجب عليهما القضاء في حال زوال العذر وتمكنهما من القضاء) و كذلك (الشافعية) لا يخالفون في هذا .

    وكلا القولين لا يناقض الآخر ، إذن المراد بالقولين ينفي الخلاف بينهما .
    (صدر الشريعة الحنفي) في كتابه (التوضيح) ذكر أن بعض العلماء لا يدركون الفرق بين نفس الوجوب أي (أهلية الوجوب) و وجوب الأداء أي (أهلية الأداء) ويقولون أن الوجوب لا ينصرف إلا إلى الفعل وهو الأداء فبالضرورة (يكون وجوب الأداء) فلا يبقى فرقاً بينهما ، ثم قال معقـباً على ذلك : ولله در من أبدع الفرق بينهما ، أي (الفرق بين أهلية الأداء وأهلية الوجوب) وما أدق نظره وما أمتن حكمته .

    وتحقيق ذلك إنه لما كان الوقت سبباً لوجوب الصلاة كان معناه أنه لما حضر وقت شريف كان لازما أن يوجد فيه هيئة مخصوصة وضعت لعبادة لله تعالى وهي (الصلاة) فلزوم وجود تلك الهيئة عقب السبب هو نفس الوجوب ، ثم الأداء هو إيقاع تلك الهيئة فوجوب الأداء هو لزوم إيقاع تلك الهيئة مبنيُ على الأول .
    (فصدر الشرعية الحنفي) يقرر وجود الفرق بين القسمين ، ويثني على من فرق (بين أهلية الوجوب وأهلية الأداء) وهذا حقيقة ثناء في محله ، لأن هذا يضبط لنا مسائل التكليف .
    لأن عندنا في التكليف شخص توافرت فيه الشروط وشخص لم تتوافر فيه شروط التكليف فمن توافرت فيه شروط التكليف فهو مكلف بمعنى (يجب عليه الأداء فإن لم يتمكن من الأداء وجب عليه في الذمة) لكن من لم تتوافر فيه شروط التكليف مثل المجنون والصبي (لا يجب عليهم الأداء حالاً) لكن لو زال العذر عنهم .

    ففي ذلك تفصيل :
    بعض العلماء يقولون : إذا زال العذر عنهم (المجنون والصبي) مثلاً في الصلاة فإنه يجب عليه أداء الصلاة في وقتها وإذا زال عنه العذر في الصيام فيجب عليه إتمام الصيام وقضاء ، وبعضهم لا يوجب ذلك إجمالاً .
    فإذا رجعنا إلى ضبط (أهلية الوجوب وأهلية الأداء) ونظرنا إلى هذين القسمين أمكننا أن نفرق بين الشخص الذي توجد فيه شروط التكليف والذي لا توجد فيه شروط التكليف وكذلك فاقد شروط التكليف مثل (المجنون والصبي) قد تجب عليه واجبات مثل (الزكاة) لو كان عليه مال العلماء يقولون يجب عليه الزكاة لو أنه اتلف شيئاً من حقوق الناس يجب عليه ضمانه من ماله فكيف نقول إنه غير مكلف ثم نوجب عليه أشياء ،
    فقال العلماء : نقول إنه غير مكلف أي (أنه غير مكلف بأهلية الأداء) ونقول إنه مكلف بمعنى أنه يجب عليه شيئاً في الذمة (في ذمته) ، فإذا أفاق من جنونه أو إذا بلغ الصبي وجب عليه أداء تلك الواجبات (إذا كان عليه أموال وجب عليه أو على وليه أداء ذلك) لأنه توافرت فيه أهلية الوجوب في الذمة.

    هذين القسمين يمكن أن يتضح لنا جملة من أحكام التكليف المرتبطة بمن توافرت فيه شروط التكليف وبمن لم تتوافر فيه شروط التكليف على وجه الخصوص .
    فعندما نأتي إلى شخص غير متوافر فيه شروط التكليف ونقول هو مكلف بأمر من الأمور ،فيأتينا شخص يقول أنتم تقولون شروط التكليف غير متوافرة فيه فكيف تقولون إنه مكلف ؟
    نقول نعم بهذا التقسيم نخرج من هذا الاعتراض نعم هو غير مكلف (بأهلية الأداء) لكنه مكلف (بأهلية الوجوب) أي (الوجوب في الذمة) فمتى زال عنه العذر القائم عنده (أي صار مكلفاَ) وجب عليه الأداء أو نوجب على وليه مباشرة الأداء إذا كان له ولي فبهذا التقسيم الذي أثنى عليه (صدر الشريعة الحنفي) ونحن أيدنا هذا الثناء ، نخرج به كثيراً من الإشكالات التي ترد علينا في موضوع التكليف وخاصة فيمن يفقد شروط التكليف

     شـــروط التكليــــف 
    شروط التكليف منها ما يتعلق بالشخص المكلف نفسه ومنها ما يتعلق بالفعل المكلف به , لأن منها شروط تشترط في الشخص المكلف حتى يصل إلى درجة التكليف , وهناك شروط تشترط في الفعل حتى يكون الشخص مكلفا به .
    فالعلماء أو الأصوليون يقسمون الشروط بهذا التقسيم في الغالب أمور متعلقة بالمكلف وأمور متعلقة بالفعل المكلف به .
    وبعض الأصوليين يعرض عن ذكر هذه الشروط تفصيلا لكنه يتكلم عن ما يتعلق بالمكلفين (أحوال التكليف)
    ثم يتكلم عن( أحوال الفعل المكلف به)

    فيتكلم عن أحوال التكليف من حيث مثلا .. تكليف الصبي , تكليف النائم , تكليف المجنون والساهي ... الخ, ويتكلم عن أيضاً ما يتعلق بتكليف الفعل بالمكلف به مثل: التكليف بالشاق والتكليف بالمحال ونحو ذلك. فنستفيد من تلك المباحث أننا نأخذ منها قضية شروط التكليف .


    لما كان المقصود من التكليف حصول الامتثال من المكلف وذلك بقدرته على إيقاع ما كلف به على جهة الطاعة , ولما كانت هناك أفعال لا تدخل تحت قدرة المكلف , وهناك مكلفون عاجزون عن القيام بما كلفوا به اقتضت إرادة الله تعالى أن يعلق التكليف بشروط معينة ترفع الحرج عن المكلفين وتمكنهم من الامتثال .

    هذه الشروط يمكن أن تقسم قسمين :
     شروط ترجع إلى المكلف.
     شروط ترجع إلى المكلف به .

    س---- ما الشروط التي ترجع إلى المكلف ؟
    ج----- الحياة
    كون المكلف من الثقلين
    البلوغ


    هذه الشروط عددها العلماء واختلفوا في تعدادها ومنهم من يذكر بعضها وأكثرها ومنهم من يقل في ذكرها لكونه يرى أن هذه الشروط شروط معلومة قطعا ولا يحتاج إلى التنبيه عليها لكن نحن أيضاً نحتاج إلى التنبيه على شيء منها .
    الشرط الأول/ الحيـــــاة
    فلا بد من أن يكون الشخص على قيد الحياة , إذ لا يمكن تكليف الميت أبدا , وإن جاز أن تبقى عليه آثار التكليف , وقد نقل القاضي أبو بكر الباقلاني الإجماع على عدم تكليف الميت , والزركشي ذكر فرعا على عدم تكليف الميت فروعا منها .. قال ( أنه لو وصل عظم الميت بنجس لم ينزع على الصحيح ) لأن الميت صار ليس أهلا للتكليف بعد موته ولذلك لا ينزع منه هذا الشيء النجس . وأيضا من الفروع التي ذكرها على عدم تكليف الميت أو فاقد الحياة ( لو ماتت المعتدة فإنه يجوز تطييبها على الصحيح نظرا لأن الخطاب سقط بالموت فلم تصير هذه المرأة مكلفه بعد الموت )

    وأما بقاء أثر حكم التكليف بعد الموت فله أمثله .. منها مثلا عدم جواز تكفين الرجل بكفن حرير , وتحريم تطييب الميت المحرم وإزالة شعره وظفره , وأيضا من آثار تعلق التكليف بعد الموت تعلق الثواب والعقاب به على ما قدم من عمل . هذه أمور متفق عليها .
    فالميت لا يكلف بما يكلف به الحي لكنه يبقى له آثار تكليفه في حال الحياة بعد الموت , وهذه الآثار ذكرنا جملة منها .
    الحقيقة أن هذه الأمور التي بقي أثرها بعد الموت ليست متوجهة إلى الميت التي ذكرنا من أمثلتها عدم جواز تكفين الرجل بكفن حرير وتحريم تطييب الميت المحرم وإزالة شعره وظفره وتعلق الثواب والعقاب وما قدم من عمل , جزء من هذه الآثار لا تتوجه إلى الميت وإنما هي خطابات متوجهة إلى المكلفين الأحياء الذين يقومون بغسله وتكفينه , فالحقيقة لا منافاة بين هذه وبين اشتراط الحياة لصحة التكليف , وجمهور الأصوليين لم يتعرضوا لهذا الشرط وهو شرط الحياة لأنهم أعدوه شرطا طبيعيا لا حاجة لذكره .

    الشرط الثاني/ ((كون المكلف من الثقلين))
    وهذا الشرط نص عليه الزركشي في البحر المحيط وفي وقت اعرض عن ذكره الكثير من العلماء , وإعراض كثير من العلماء عن ذكر هذا الشرط لأنه يوجد اتفاق على عدم تكليف الحيوان والجماد , لذلك لا داعي من أن يذكر مثل هذا الشرط .

    المراد بالثقلين هما / الإنس والجن كما هو معلوم
    ونقل عن القاضي البكر الباقلاني أنه حكى الإجماع على هذا الشرط أن هذا شرط متفق عليه ولابد أن يكون المكلف من الثقلين . على أن هناك من يقول بأن الحيوانات جميعها مكلفة كالإنسان , بل أن هناك أيضاً من يقول بتكليف الجمادات كالجبال والأشجار وغيرها .. إلا أن العلماء أعرضوا عن ذكر هذا الخلاف أو المخالفة لأن هذا خلاف مناقض ويصادف الإجماع لأن هناك إجماع على عدم تكليف الحيوانات والجمادات , وأيضا لمنافاة هذا الأمر للعقل السليم , لكن من يقول بعدم تكليف الجمادات والحيوانات يشكل عليه ما ورد في الحديث من اقتصاص الشاة الجماء من الشاة القرناء يوم القيامة فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : (لتؤدون الحقوق لأهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء) المقصود بالشاة الجلحاء / الشاة التي لا قرن لها ) من الشاة القرناء (المقصود بالقرناء / التي لها قرن ) ))

    لكن يقال في الجواب عن هذا الإشكال قد أجاب عنه الإمام النووي في شرحه للحديث في صحيح مسلم قال : ((هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها أيضاً يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين وكما يعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة . قال الله تعالى "وإذا الوحوش حشرت" وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجراءه على ظاهره عقل ولا شرع كما قال النووي وجب حمله على ظاهره .
    قال العلماء : وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب , وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس هو من قصاص التكليف إذ لا تكليف عليها بل هو قصاص مقابلة .

     وأما تكليف الجن فقد اتفق العلماء على تكليفهم في الجملة واختلفوا في تكليفهم بفروع الدين
    قال بعض المحققين: أنهم مكلفون بالفروع جملة لا على حد تكليف الإنس بها لأنهم يخالفون الإنس بالحد والحقيقة , فبالضرورة يخالفونهم في بعض التكاليف , وضربوا لذلك مثالا فقالوا : أن الجن قد أعطي بعضهم قوة الطيران في الهواء فهو مخاطب بقصد البيت الحرام للحج طائرا والإنسان لعدم تلك القوة لا يخاطب بذلك , فكل تكليف يتعلق بخصوص طبيعة الإنس ينتفي في حق الجن لعدم تلك الخصوصية فيهم .




    استدل الجمهور على تكليف الجن بفروع الدين ، وليس بأصول العقائد بما يأتي :
    أولا ً : الإجماع على أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل بالقرآن إلى الإنس والجن وجميع أوامره ونواهيه تتوجه إلى الجنسين.
    الثاني : استدلوا بقوله تعالى +يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين" وهذا وجه الدلالة منها واضح بمخاطبة الجن والإنس بخطابات الشرع وأوامره ونواهيه .
    الثالث : قوله تعالى"فيومئذ ٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان" ومعنى هذا أنهم قبل ذلك يسألون ومعنى سؤالهم أي لابد أن يكون هناك تكليف حتى يسألوا .
    الرابع : قوله تعالى : +وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" فالعبادة في هذه الآية تشمل جميع أنواع العبادة من أصوله وفروعه ولا دليل على تخصيصها بالإيمان وقد نقل جماعة من العلماء أحكام خاصة في فروع الدين في أحكام الفقه تتعلق بالجن يمكن أيضاً مراجعتها كما ذكر ذلك ابن جيم في كتابه " الأشباه والنظائر " وأيضا ً السيوطي في كتابه " الأشباه والنظائر " هذا فيما يتعلق بالشرط الثاني المتعلق بالمكلف وهو كونه من الثقلين .

    الشرط الثالث / البلوغ
    المراد به الوصول إلى الحد الذي إذا وصله الشخص فإنه تحسب له الحسنات وتحسب عليه السيئات والبلوغ يكون بعلامات معينه منها :
    أن يبلغ الشخص خمسة عشر سنة أو أن يحتلم وينزل المني أو بأن ينبت له شعر حول القبل هذا بالنسبة للذكر والمرأة معا ً وتزيد المرأة على هذه الثلاث بالحيض فإذا وجد لديها الحيض دل على بلوغها هذا فيما يتعلق بعلامات البلوغ .
    استغنى بعض العلماء عن هذا الشرط بشرط آخر وهو شرط العقل الذي سيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى وقالوا إن شرط العقل يمكن صاحبه من فهم الخطاب ويهيئه للطاعة والامتثال وقالوا إن البلوغ وضعه الشارع حدا ً للعقل الذي يتفاوت الناس فيه لكن الأولى حقيقة أن نفرد شرط العقل عن شرط البلوغ لوجود اختلاف لحكم الصبي والمجنون وغيرهما ولذلك لابد من أن نضع البلوغ شرطا ً خاصا ً نتكلم فيه عن أحكام تكليف الصبي والصغير وأن نضع للمجنون شرطا ً يتعلق به وهو العقل ونتكلم فيه عن أحكام تكليف المجنون .

    هنا إذا قلنا باشتراط البلوغ وهو بهذه العلامات فنفهم من هذا الكلام أن غير البالغ غير مكلف وغير البالغ هو الصبي الصغير هنا تكلم العلماء عن موضوع تكليف الصبي وتناولوه بالتفصيل وعلى كل حال فرق العلماء بين تكليف الصبي غير المميز وبين تكليف الصبي المميز .

    فالصبي غير المميز حدده العلماء بما كان دون السابعة وقالوا فيه هو الذي لا يميز ولا يفرق بين الأشياء فلا يميز بين الحق والباطل وبين الطيب والخبيث وبين الجيد والرديء .
    والسبب في هذا التحديد ما رواه بن عمر رضي الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهما في المضاجع) فقد أمر الشارع هنا الولي بأن يأمر الصبي الذي بلغ سبع سنوات بالصلاة للتمرين والتدريب ويفهم من أن الصبي الذي لم يبلغ سن سبع سنوات لا يأمر ولا ينهى لأنه لا يفرق بين هذه الأمور .

    لما جاء العلماء إلى الصبي غير المميز قالوا أنه غير مكلف وهذا تقريبا ً باتفاق ومعنى أن الصبي غير المميز غير مكلف أنه لا يؤمر بعبادة فلا يؤمر بفعلها ولا ينهى عن تركها إذا كانت من حقوق الله تعالى لكنه لو تعلق بأن أتلف شيئا ً يتعلق بحقوق الآدميين كمن أتلف مالا ً يتعلق بشخص آدمي أو قتل (ضرب شخصا ً فقتله كبيرا ً كان أو صغيرا) فمثل هذه الحالة ليس مكلفا ً من جهة انه لا يلحقه إثم لكنه مكلف من جهة أخرى
    فهو ليس مكلف بتكليف الأداء ولكنه مكلف بتكليف الوجوب بالذمة فيلزمه الضمان المالي من ماله أو من مال وليه .
    فلو أن الصبي غير المميز قتل شخصا ً فإنه في هذه الحالة لا نقول نقتص منه وإنما عليه الدية والدية من ماله أو من مال وليه فتكون هنا تأخذ حكم القتل خطأ فالصبي الصغير غير المميز متفق على عدم تكليفه .

    الصبي المميز وهو الذي بلغ سن السابعة فأكثر إلى سن البلوغ الذي يتحدد بعلامات معروفه وبعضهم حددوه بسن السادسة لكن الترجيح بأنه من سن السابعة فأعلى فهذا يدرك كما قال العلماء أنه يدرك حقائق الأمور ويميز بين الأفعال والأقوال الجيد والرديء والحق والباطل
    فمثل هذا ورد خلاف بين العلماء في قضية تكليفه  فجمهور العلماء على أن الصبي المميز وهو الذي بلغ السابعة إلى سن البلوغ هذا الصبي غير مكلف عند الجمهور واستدلوا على هذا بجملة من الأدلة :
    1) مثل قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المعروف (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم الصبي حتى يبلغ) فدل هذا على أن الصبي سواء كان مميز أو غير مميز غير مكلف لأن رفع القلم هنا يدل على عدم تكليفه .
    2) ومن الأدلة الدالة على عدم تكليف الصبي المميز أن فائدة التكليف هي الامتثال والطاعة من المكلف والصبي سواء كان مميزا ً أو غير مميز وأتكلم عن المميز خاصة لا يتحقق منه فائدة التكليف لأنه لا يمكن للمكلف الامتثال للتكليف إلا بوجود القصد والنية الخالصة وشرط هذا القصد أن يكون المكلف عالما ً بالشيء الذي يقصد فعله والذي يمتثل من خلاله ليكون فاهما ً لكيفية امتثال هذا التكليف والصبي ومنه الصبي المميز لا يفهم فهو هنا كالبهيمة فلا يتصور منه وجود القصد الصحيح للامتثال فلا يتحقق منه الطاعة والامتثال التي هي فائدة التكليف وكما قلنا يستوي في هذا الصبي المميز وغير المميز هذا ما يتعلق بالدليل الثاني على عدم تكليف الصبي المميز .
    3) دليل ثالث وهو أن الصبي وخاصة ً المميز يمكن أن يكون صالحا ً لأهلية الأداء لأنه يفهم ولكن عدم تكليفه هنا من باب التخفيف عنه والتيسير عليه لأن العقل الذي هو سبب أهلية الأداء يظهر على التدريج ولا يمكن الوقوف على اللحظة التي يقال فيها أن الصبي صار فاهما ً للتكليف حتى نقول أنه مكلف لذلك جعل الشارع علامة ظاهرة ً تدل على العقل وهي البلوغ فنربط التكليف بالبلوغ وما كان أقل من البلوغ فلا يرتبط به تكليف .

     أعترض على هذا القول القائل بأن الصبي سواء كان غير مميز أو مميز وهو قول الجمهور طبعا غير المميز متفق عليه لكن بالنسبة للمميز الجمهور هم القائلون بعدم تكليفه هناك من يقول بتكليفه كما سيأتي والقول بالتكليف هنا يتفاوت .
    ورد قول ثاني بالمسألة وهي في الصبي المميز وهو رواية عن الإمام أحمد أن الصبي المميز يكلف بالصلاة دون غيرها وإن لم يأثم بتركها ودليل هذه الرواية حديث الضرب على الصلاة عند سن العاشرة فهو خاص بالصلاة ولذلك قالوا معناه أنه يكلف
    لكن أجاب الجمهور عن هذا بأن المقصود بالضرب عند الصلاة ضرب التأديب لا ضرب التكليف .

    وهناك قول ثالث بالمسألة وهو قول المالكية وأيضا ً ذكر الزركشي أنه بمقتضى كلام أصحابهم من الشافعية وهو أن الصبي المميز مكلف بالمندوب والمكروه فقط .
    قالوا لأن كلا ً من المندوب والمكروه فيهما ثواب ولا عقاب عليهما ثواب في فعل المندوب وفي ترك المكروه وهذا يتفق مع ما ورد عن الرسول × في حديث رفع القلم .
    فالرفع هنا أي أنه لا عقاب عليه أما الثواب فهو غير منفي بدليل المرأة التي رفعت الصبي للنبي × وقالت ألهذا حج قال نعم ولك أجر أما الواجبات فهي بحق الصبي المميز مندوبة والمحرمات في حقه مكروهة
    وهذا القول حقيقة وهو الذي قلنا قول المالكية وبعض الشافعية وذكره الزركشي أنه قول أصحابه من الشافعية حقيقة قول متوجه يحصل به الجمع بين الأدلة .

    قول الجمهور القائلين بأن الصبي المميز غير مكلف هذا قول اعترض عليه اعتراض حاصله أيها الجمهور كيف تقولون أن الصبي المميز غير مكلف ثم توجبون في أمواله الزكاة والغرامات لو أنه أتلف شيئا ً سواء كانت دية أو قيمة شيء متلف أو فيما يتعلق بأروش الجنايات كيف توجبونها في ماله وأنتم تقولون بأنه غير مكلف فإيجاب هذه الأمور في مال الصبي المميز دليل على أنه مكلف .

     الجمهور أجابوا عن هذا الاعتراض بأن قالوا نحن نقول بعدم تكليف الصبي المميز كما نقول بتكليف الصبي غير المميز والتكليف بهذه الأمور التي هي وجوب الزكاة في المال و قيم المتلفات وهو يتضمن خطابين من الشارع :
    * أحدهما خطاب وضع وهو ربط للسبب بالمسبب ومعناه أنه متى وجد السبب أي وجد عند الصبي مال اجتمعت فيه شروط الزكاة أو أتلف مال غيره أو اعتدى على نفس أو عضو من أعضاء غيره فإنه يوجد المسبب وهو الضمان وهذا الخطاب ليس فيه تكليف على الصبي .
    * الخطاب الثاني خطاب تكليف موجه لولي الصبي بوجوب القيام بتنفيذ ما ترتب على الخطاب الأول فالحاصل إذن أن فائدة الخطاب الأول هي مجرد إثبات التزام في ذمة الصبي وهو ما نسميه بالوجوب في الذمة أو أهلية الوجوب .
    ينفذه الولي في الحال أو يبقى معلقا ًفي ذمة الصبي إلى ما بعد البلوغ ولا شك أن الصبي له أهلية وجوب ناقصة ثبتت له باكتسابه صفة الإنسانية فهو ليس كالبهيمة التي ليس لها أهلية فهم الخطاب لا بالقوة ولا بالفعل بل له أهليه يترتب عليها ثبوت الأحكام في ذمته وهذه الأهلية تجعله فاهما ً للخطاب بالقوة لا بالفعل بمعنى أن لديه الاستعداد لتحمل التكاليف وفهم الخطاب بعد زوال العارض عنه حيث إن مصير الصبي إلى العقل فيصلح بناء ً على هذا بأن تثبت الأحكام في ذمته أي يصلح لأهلية الوجوب وإن لم يصلح للتكليف في الحال أي إن لم يصلح لأهلية الأداء .

    إذاً استعان الجمهور بتفريق الحنفية بين أهلية الوجوب وأهلية الأداء أو كما سميناه بالأهلية في الوجوب والأهلية في الذمة ينفي لدينا هذا الإشكال الوارد هنا ونحن من خلال جوابنا من هذا الاعتراض لمسنا أن الجمهور عندما يجيبون يحاولون أن يستعينوا بما ورد عن الحنفية بتفريق بين أهلية الوجوب وأهلية الأداء .
    فالصبي نقول أنه مكلف بهذه الأمور من الزكاة و قيم المتلفات من باب أن لديه أهلية وجوب بالذمة متوافرة لديه لاكتسابه صفة الإنسانية فهو إنسان يختلف عن البهيمة لكن لم نقل أنه مكلف مثلا ً بالعبادات ونحو ذلك لأنه فاقد لأهلية الأداء لأن التكليف أو الأهلية لابد بها من توافر هذين القسمين أهلية الأداء وأهلية الوجوب والصبي يملك أهلية الوجوب لأنه اكتسب صفة الإنسانية لكنه لا يملك أهلية الأداء لأنه لم تتوافر فيه شرط البلوغ يتقرر مما سبق أن تفريق الحنفية بين الوجوب في الذمة والوجوب في الأداء .
    وهذا التفريق له فائدته فيحمل عليه هذا الشرط الذي أوردناه هنا ويحمل عليه الجواب عن الاعتراض الذي أورده الجمهور على المعترض عليهم في قضية قولهم بعدم تكليف الصبي المميز .
    وهنا لا نلاحظ خلافا ً بين العلماء في أن البلوغ شرط في أهلية الأداء أو في وجوب الأداء وهو عند الجميع لكنه في أهلية الوجوب صار محلا ً للنزاع والخلاف ولذلك أثر هذا في قضية إيراد اعتراض على مذهب الجمهور في هذه المسألة.

    وهذه الحلقة هي امتداد للحلقتين السابقتين وهي الكلام على موضوع التكليف وخاصة فيما يتعلق بشروط التكليف وذكرنا في الحلقة السابقة أن شروط التكليف تنقسم إلى قسمين شروط متعلقة بالمكلف وشروط متعلقة بالفعل المكلف به وشرعنا فيها في الكلام على شروط المكلف وتكلمنا عن ثلاثة شروط منها وهي :
    • الشرط الأول: الحياة
    • الشرط الثاني: كونه من الثقلين .
    • الشرط الثالث :شرط البلوغ .

    وسيكون محور كلامنا في هذه الحلقة الكلام على شرط العقل وسنتبين المراد بهذا الشرط وما يتعلق بتكليف فاقد العقل .
    وفقدان العقل على صور كثيرة سيأتي الإشارة عليها والكلام عنها.
    أما العقل فكما ذكر العلماء بيان المراد به فهو آلة التمييز والإدراك فمن لم يكن مميزا لا يوصف بالعقل ومن لم يكن مدركا لا يوصف بالعقل هذا إجمالا ً وقد اتفق العلماء على اشتراط العقل كشرط من شروط التكليف الراجعة إلى المكلف واستدلوا على هذا الشرط بدليل واضح جلي سبق الإشارة إليه وهو الحديث الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم المجنون حتى يفيق) إفاقة المجنون أو عقله دليل على أن فاقد العقل غير مكلف ويفهم منه أن من كان لديه عقل فهو مكلف ولذلك قال العلماء إن شرط العقل مستمد من هذا الحديث.

     شرط العقل عندما يكون الشخص عاقلا ً :
    فالعقل أمر خفي كما بينا في الحلقة السابقة وهو يظهر على التدريج بمعنى أن الشخص ينمو عقله شيئا ً فشيئا ً حتى يكتمل واكتمال العقل يتفاوت عند الناس فمنهم من يكتمل في مرحله مبكرة ومنهم من يتأخر اكتمال العقل لديه إلى آخره.
    فنحن لا نستطيع الوقوف على اللحظة التي يكتمل فيها عقل كل واحد ولو استطعنا الوقوف على هذه اللحظة لقلنا أن هذا الشخص يكلف عند هذه اللحظة فبعضهم قد يكلف مثلا ً عند العاشرة لأنه اكتمل عقله عند العاشرة وبعضهم قد يكلف عند الثامنة عشره لأنه اكتمل عقله عند الثامنة عشره وبعضهم قد لا يعقل حتى إلى الثامنة عشره ولا يعقل أبدا ً فهذا لا نقول بتكليفه إلا عند اكتمال عقله والشرع لم يرد بتعليق الأحكام الشرعية على الأمور الخفية بل عادة الشرع في أحكامه كلها أن يعلق أحكامه على أمور ظاهرة جلية ولذلك لما جاء العلماء إلى شرط العقل يربطونه بشرط البلوغ فيقولون أن يكون عاقلا ً بالغا لأن البلوغ هو الأمر الظاهر الجلي الذي ينبغي أن نربط به شرط العقل وعلى كل حال فهو شرط مركب لابد من توافر هذين الشرطين للقول بالتكليف .
    نحن قلنا إن العقل هذا محل اتفاق بين العلماء وذكرنا الدليل على هذا.
    ينبني على اشتراط العقل أن نقول إن غير العاقل فاقد العقل غير مكلف وفاقد العقل له صور كثيرة :
    فقد يكون فقدان العقل بطريق الجنون وقد يكون فقدان العقل بطريق العته والسفه وقد يكون بطريق السكر أن يشرب دواء فيزول عقله بذلك فهذا يدخل في هذا الشرط .

     فهل كل فاقد للعقل غير مكلف ؟
    حقيقة أن المسألة محل تفصيل في الجملة نقول نعم فاقد للعقل غير مكلف هذا إجمالا ً وهذا محل اتفاق لكن عندما ننظر لكل مسألة بعينها نجد أن للعلماء كلام حول جملة من مسائل فاقد العقل فنجد:
    أولا ً : المجنون فاقد للعقل فهل المجنون مكلف ؟ طبعا ً الجنون كما يذكر العلماء هو اختلال العقل بحيث يمنع من جريان الأفعال والأقوال على نهجها الصحيح إلا نادرا ً فهذا يسمى مجنون إن فعل فعلا ً لم يفعله على وجهه الصحيح المعتاد للبشر أو المعتاد للناس بشكل عام وإن كان قد يفعل بعض الأفعال التي تجري على النهج المعتاد لكنها أفعال قليلة فيحكم

    عليه بالجنون والجنون على قسمين :
     جنون أصلي , وجنون عارض

    الجنون الأصلي: معناه أن يولد الإنسان من وقت ولادته فاقد للعقل وهذا النوع في الغالب لايرجى معه الشفاء
    الجنون العارض:ومعناه أن يبلغ الإنسان وهو سليم العقل وكامل الفهم ثم يطرأ له الجنون بعد ذلك فهذا النوع في الغالب يرجى له الشفاء والإفاقة من هذا الجنون فهو كأي مرض يصيب الإنسان.
    وكل من الجنون الأصلي والجنون العارض قد يكون ممتد وقد يكون غير ممتد بمعنى أن يكون مطبق وقد يكون غير مطبق أي أن يكون ممتد معه طول حياته وقد يكون غير مطبق وغير ممتد فيزول في مرحلة من مراحل العمر وهذا فيما يتعلق بأقسام المجنون .

    س---- جاء العلماء إلى قضية تكليف المجنون هل هو مكلف ؟
    ج------- هناك خلاف ضعيف فهناك من يقول وهم الجمهور بأن المجنون غير مكلف مطلقا ً وطبعا ً هذا القول بنوه على قضية واستدلوا عليه بعدم فهم. للدليل السابق للنبي عليه الصلاة والسلام وأيضا ً بأن المجنون لا يفهم الخطابات الواردة من الشرع ولا يدرك ويعلم الفعل المكلف به وكيفية امتثاله ولا توجد منه غالبا ً نية وقصد صحيح ولذلك مثل هذه الأمور شروط للتكليف فلا بد منها وهي تنتهي بالمجنون ولذلك يكون غير مكلف .

    ** هناك قول في المسألة وهي أن المجنون مكلف مطلقا ً وهذا ذكره ابن تيمية وحكاه عن بعض الناس في كتابه ( المسودة في أصول الفقه ) حكاه عن بعض الناس ولم يحكيه لشخص معين والحقيقة أن الدليل هنا الذي استدل به من قال بتكليف المجنون بمضمون الاعتراض الذي أورده من قال بتكليف الصبي أو من يعترض على الجمهور بقولهم عدم تكليف الصبي المميز وهناك من يقول إن الصبي المميز مكلف بإخراج الزكاة من ماله ومكلف بقيم المتلفات فكيف تقول إنه غير مكلف هنا من يقول المجنون مكلف فيقولون بأن المجنون قد توجه إليه الخطاب بإخراج الزكاة والخطاب بدفع قيمة المتلفات ودفع عروش الجنايات ولو لم يكن مكلفا ً لما وجه إليه خطاب ولما أخذت منه تلك الحقوق من ماله ثم أن الزكاة وقيم المتلفات وعروش الجنايات تثبت في ذمة المجنون وهذا يفيد بأنه مكلف لأنه لو لم يكن مكلفا لما ثبتت في ذمته.

    الحقيقة أن الجواب عن هذا سبق معنا في الجواب عن مسألة قضية تكليف الصبي المميز والمجنون فنقول إن هذه الواجبات إنما وجبت لوجود خطابين في حق المجنون: (سبق شرحه في الموضوع السابق)

    الخطاب الأول خطاب تكليف وهو خطاب من باب خطاب الوضع حيث أنه من قبيل ربط الأحكام بأسبابها فالشرع وضع أسبابا تقتضي أحكاما ً ترتب عليها تحقيقا ً للعدل ومراعاة ً للمصالح فهذا لا تكليف فيه بمعنى أنه يقال للمجنون إذا بلغ مالك النصاب وجبت عليك الزكاة فهذا خطاب ربط وليس فيه تكليف على المجنون
    والخطاب الثاني خطاب بإخراج الزكاة من مال الصبي وإخراج قيم المتلفات من مال الصبي وهذا خطاب متوجه إلى ولي المجنون القائم على رعايته لإخراج هذه الأمور من ماله فليس هناك خطاب بالتكليف
    للمجنون
    ومعنى هذا أن المجنون تثبت له أهلية الوجوب بالذمة كما قلنا ولا تثبت أهلية الأداء وبهذا نعود مرة أخرى إلى تقسيم الحنفية وبهذا التقسيم نخرج من هذا الإشكال وهذا الخلاف .

     فالمجنون نعم مكلف ببعض الأمور وغير مكلف بأمور فتكليفه بأمور هو من باب خطاب الوضع والذي نحصره فيما يسمى بالوجوب بالذمة فالمجنون لديه ذمة هذه الذمة اكتسبها باكتساب صفة الإنسانية فيكون إذنً مطالبا ً وتثبت بذمته هذه الواجبات لكن هل هو مطالب بأدائها بنفسه ؟ لا .
    لماذا ؟ لأنه قد انتفت بحقه أهلية الأداء إذن من المطالب بأدائها ؟
    هو وليه وإذا لم يكن له ولي نقول حتى يفيق فإذا فاق صار مطالب بالأداء إذا لم يفق سقط عنه الواجب لأنه لا تكليف إلا مع القدرة والاستطاعة ولا يكلف الله نفسا ً إلا وسعها هذا إذن فيما يتعلق بالدليل الثاني والجواب عنه في تكليف المجنون هناك من يفرق بين الجنون المطبق والممتد سواء كان أصليا ً أو عارضا ً والجنون غير المطبق أو غير الممتد .

    فالجنون المطبق الممتد معه طول حياته قالوا هذا غير مكلف مطلقا ً أما الجنون غير المطبق فالمجنون يفيق أحيانا ً وممكن أن يفيق في حالة من الحالات ويعيد إليه عقله فقالوا هذا يمكن أن يكون مكلفا ً وحمل بعض العلماء ما على هذا رواية وردت عن الإمام أحمد بقوله "إن المجنون يقضي الصلاة والصوم" قالوا نحمل كلام الإمام أحمد على أنه يرى أن المجنون جنونا ً غير مطبق مكلف أما المجنون جنونا ً مطبقا ً فهو غير مكلف وحمل رواية الإمام على هذا
    ودليل هذه الرواية أن عدم تكليف المجنون المطبق هو الدليل للجمهور الذي سبق
    وذكرناه في المذهب الأول ودليل تكليف المجنون غير المطبق فهو قالوا أنه يمكن أن يعقل ويفهم الخطاب في حال إفاقته فحينئذ ٍ ينبغي أن يكون مكلفا ً ويجاب عن هذا بأن إفاقة ليست واضحة ً جلية حتى نكلفه أثناء تلك الإفاقة فلا يمكن الوقوف على أول وقت الإفاقة وأول وقت فهمه للخطاب ونظرا ً لعدم معرفتنا لذلك بالتحديد فإنه يستحيل أن نقول إن المجنون بهذه الحالة يمكن أن يكون مكلفا ً .

     إذا عدنا إلى تقسيم التكليف وتقسيم الأهلية الذي ذكرناه فيمكن أن ينتفي هذا الخلاف تماما ً .
     فمن يقول إن المجنون غير مكلف وهم الجمهور نحمل كلامهم على أنه ليس لديه أهلية الأداء فهو غير مكلف من هذه الناحية أي لا يلزمه الأداء لكنهم لا ينفون عنه أهلية الوجوب التي يقول أصحاب المذهب الثاني بأنه من خلاله يستحق أن يكون المكلف واجبا ً في ذمته هذا الأمر.
     وفي المقابل أصحاب القول الثاني الذين يقولون إن المجنون مكلف نحمل كلامهم على أنهم يقصدون بذلك أن لديه أهلية وجوب يعني لديه ذمة من خلالها يمكن أن نأمره ببعض الأمور مثل الزكاة ودفع قيم الأمور التي أتلفها وهذا الجمهور لا ينفونه أبدا بل يقولون نعم هذه تثبت بذمته ولذلك ينتفي حقيقة الخلاف في هذه المسألة إذا نظرنا إلى قضية تقسيم الأهلية إلى قسمين: أهلية أداء وأهلية وجوب في الذمة .

     هذا فيما يتعلق بتكليف المجنون وينبني على هذا حقيقة ً أن نقول إن الجنون يسقط العبادات كلها لأن المجنون فاقد للقدرة التي يتمكن بها من إنشاء العبادات على النهج الذي اعتبره الشارع وهو أداؤه بنية مع قوة العقل والبدن ولا يلزمه أيضاً قضاء العبادات التي مرت عليه في أثناء جنونه وقبل إفاقته إلا أن بعض العلماء يقولون إذا كان مجنونا ً جنونا ً غير ممتد وغير مطبق كما ورد عن الإمام أحمد في رواية عنه فإنه في هذه الحالة يمكن أن يكلف بالقضاء .


    الجنون أيضاً يسقط العقوبات فلا يلزم المجنون لو قتل أحدا ً قصاص ولا يلزمه أيضاً تقطع يده لو سرق مثلا ً ونحو ذلك فلا يلزمه شيء من هذا لكن لا يعني هذا أنه يسقط عنه التكليف مطلقا بل نقول مادام لديه أهلية وجوب في الذمة فمعنى هذا أنه تجب عليه بعض الأمور في ذمته ويلزم وليه بأدائها عنه فلو أنه قتل شخصا ً وجب عليه الدية ولو أنه أتلف مال غيره وجب عليه ضمان هذا المتلف ليس لأنه مكلف ولكن لأن لديه أهلية وجوب في الذمة وهذا الوجوب في الذمة نسميه أهليه ناقصة من خلالها يمكن أن نوجب على المجنون جملة من الواجبات هذا فيما يتعلق بتكليف المجنون.
     من المسائل التي يذكرها العلماء في قضية تكليف

    فقدان العقل مسألة تكليف المعتوه والمعتوه مأخوذ من العته وهي آفة ناشئة عن الذات توجب خللا ً في العقل فيصير صاحبه مختلط الكلام فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء وبعض كلامه يشبه كلام المجانين فهذا يقال بأنه معتوه

    والفرق بين الجنون والعته:
    1) أن المعتوه له عقل ولكنه ضعيف عن إدراك فهم الخطاب وأما المجنون فإنه لا عقل له .
    2) أن المعتوه قد يكون مميزا وقد يكون غير مميز بخلاف المجنون فلا يكون مميزا ً أبدا.
    3) أو أن العته لا يصاحبه تهيج واضطراب بخلاف الجنون فقد يصاحبه تهيج واضطراب.

     ثم نأتي إلى المعتوه فنقول هل هو مكلف؟
    أيضاً هنا خلاف في قضية تكليف المعتوه
    فهناك من يقول وهم الجمهور أن المعتوه غير مكلف مطلقا وهذا مذهب الجمهور كما قلنا وقالوا في تعليلهم لهذا المذهب إنه فاقد للعقل لا توجد لديه آلة التمييز وآلة فهم الخطاب التي يمكن من خلالها أوامر الشرع ونواهيه ولذلك فهو غير مكلف.
    وقيل وهو مذهب ضعيف في المسألة إلى أن المعتوه مكلف هنا واستدل من قال بهذا المذهب بالأدلة التي ذكرها من قال أن الصبي المميز مكلف أو إن المجنون مكلف قبل قليل ما يجاب عنها هناك يجاب عنه هنا .
    هناك مذهب في المعتوه يفرق بالعبادات وغيرها فيقول المعتوه تجب عليه العبادات ويكلف بها دون غيرها من الإحكام وهذا ذهب إليه أبو زيد الدبوسي وهو من علماء الحنفية واستدل على هذا بالاحتياط حيث إن العبادات يحتاط لها أكثر من غيرها
    والجواب عن هذا المذهب أن هذا لا يصح لأن العبادات لازمة في حق من يفهم الخطاب عند سماعه له وتوجيهه إليه والمعتوه لا يفهم الخطاب فاختل فيه شرط التكليف الذي ذكرناه وهو فهم الخطاب الذي سيرد الكلام عنه وإذا اختل شرط من شروط التكليف فإنه ينتفي التكليف تماما ً وبناء ً عيه لا تجب عليه العبادات ولا يجب عليه غيرها من الأحكام .
    وكما قلنا نوفق بين المذهبين الأول والثاني بأن المقصود بتكليف المعتوه بأنه لديه أهلية الوجوب في الذمة فلو أنه أتلف مال غيره أو لديه مال في زكاة فتجب فيها الزكاة ومن يقول إنه غير مكلف فهم الجمهور فنحمل كلامهم بأنه ليس لديه أهلية الأداء التي نأمره بها ليؤدي عبادة من العبادات هذا فيما يتعلق بتكليف المعتوه وهي مسألة من مسائل فقدان العقل.
     عندنا مسألة متعلقة بتكليف السكران هذه المسألة والمقصود بالسكران فاقد للعقل
    فموضوع السكر حقيقة محل كلام يجب أن نقف عنده وننبه إليه أن كلام العلماء في أصول الفقه غير واضح وغير منضبط عن أحكام السكران وعن ضوابطه التي تحكم أحكامه لذلك نجد نوعا ً من التناقض بينما يذكر في أصول الفقه وبين ما يذكر في الفقه وهنا أشار المرداوي إلى أن التنظير هنا يختلف في أصول الفقه عما هو في الفقه لكن ينبغي أن ننبه إلى بعض الأمور التي ينبغي الإشارة إليها في موضوع تكليف السكران وهو الذي يشرب ما يزيل عقله سواء كان شاربا له بطريق محرم أو بطريق مباح .

     أولا ً : في تحرير محل النزاع في مسألة تكليف السكران
    1) اتفق العلماء على أن السكران المعذور في سكره أي الذي سكر بطريق مباح وزال عقله كمن تناول دواء ً للمعالجة أو أعطي البنج مثلا ً فإن هذا غير مكلف في حال سكره وكما قلنا هو الذي لا يعلم ما يقول .
    2) اتفق العلماء أن السكران غير المعذور في سكره إذا كان عقله ما يزال حاضرا ً ويعقل فإنه مكلف إذا شرب ولم يسكر بعد فإنه في هذه الحالة يعقل ويكون مكلفا ً .
     لكنهم اختلفوا في السكران غير المعذور في سكره الذي سكر وزال عقله بالسكر فهل هو مكلف وهو من شرب بطريق محرم وزال عقله بسبب هذا السكر فهل هو مكلف في هذه الحال؟

    ورد خلاف للعلماء في هذه المسألة :
     هناك من يقول إن السكران في هذه الحالة غير مكلف وهم الجمهور لماذا ؟
     وعللوا لهذا بأن السكران في حال سكره لا يفهم الخطاب فكيف يوجه إليه خطاب لا يفهمه ويقال افهم فهو زائل العقل كالمجنون والصبي غير المميز فلو طلب منه امتثال ما يقتضيه الخطاب وهو في حالته تلك لكان ذلك تكليفا ً بما لا يطاق حيث وجه إليه خطاب ولا يفهم المقصود منه وطلب امتثال وهذا محال .

     هناك من يقول بأن السكران في هذه الحالة مكلف مطلقا ً وهذا ذهب إليه بعض الحنفية وبعض الشافعية واستدلوا على تكليفه بما سبق الاستدلال به على تكليف المجنون وتكليف الصبي المميز وتكليف المعتوه وهو أن السكران تجب في ماله الزكاة وتجب عليه وأروش الجنايات وقيم المتلفات ولو لم يكن مكلفا ً لما أمر بهذه الأمور وقد سبق الجواب عن ذلك وبيان وجه الإشكال في هذه المسألة .

     القائلون بتكليف السكران في هذه الحالة وهو السكران غير المعذور الذي سكر وزال عقله اعترضوا على مذهب الجمهور وقالوا : كيف تقولون أن السكران الذي لا يعقل غير مكلف ثم توجبون الغرامات عليه في حال اعتداءه أو إتلافه مال غيره وكيف تقولون بأنه غير مكلف ثم تقولون بوقوع طلاقه فيما لو تلفظ بالطلاق حال سكره؟
    ويجاب عن هذا فيما سبق وقلناه بأن هذا ليس تكليفا ً بل إن الشارع وضع أسبابا ً معينة تثبت عندها أحكام معينة وهذه الأسباب لا تكليف فيها على السكران بل مجرد وقوعها منه كاف لترتب الأحكام عليه مباشرة فثبوت هذه الأحكام لا يعني أنه مكلف وهذا كما قلنا إنه من باب ثبوت أهلية الوجوب في حق السكران أما أهلية الأداء فغير متوافرة في حقه بمعنى لا يصح ولا يأمر بالأداء في حال سكره لكنه في أهلية الوجوب في الذمة متوافرة لديه فلذلك هو مأمور أو يتوجه إليه التكليف أو أهلية الوجوب في الذمة .
     هناك اعتراض آخر بالمسألة قالوا إن الله تعالى يقول"يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى نهى عن قربان الصلاة في حال السكر وهذا خطاب للسكارى

    فدل على جواز تكليف السكران ويجاب عن هذا بعدة أجوبة وهي تجيب على أن السكران غير مكلف وننبه على أن هذين الوجهين الذين سنذكرهما في المسألة تقرير على أن الآية نزلت في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر تحريما ً نهائيا .
    الوجه الأول : مبني على المنع ومعناه أننا نمنع أن الآية خطاب للسكارى في حال السكر بل الآية خطاب للسكارى في حال الصحو ومعناها لا تسكروا ثم تقربوا الصلاة وهذا مثل قوله تعالى "ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" أي استمروا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وليس خطاب لهم في حال الموت وقولنا مثلا ً لا تقرب التهجد وأنت شبعان أي استمر على خفة البدن حتى تقوم للتهجد فكذلك هذه الآية التي معنا معناها استمروا على الصحو حتى تدخلوا في الصلاة والخطاب لهم حينئذ ٍ كان في حال صحوهم والمراد من هذا النهي منعهم من الشرب من طريق تضييق وقت السكر عليهم لأنه بناء ً على هذه الآية سيكون وقت الشرب عندهم هو ما بعد وقت العشاء وما بعد وقت صلاة الفجر غالبا ً ووقت العشاء وقت نوم وبعد الفجر وقت عمل وبهذا انشغلوا عن السكر ومنعوا عن الإفراط فيه تهيئة ً لنفوسهم من قبيل تحريمه مطلقاً.
    والوجه الثاني في الجواب مبني ٌ على التسليم بأن الخطاب بهذه الآية هو للسكارى وعلى هذا الوجه نقول إننا لو سلمنا أن الخطاب هنا هو للسكارى فالمراد بالسكارى هنا هم من وجدت منهم مبادئ للنشاط والطلب ولم تزل عقولهم تماما ً فلاشك أن من كان هكذا فهو مكلف .
    ابن قدامة عندما ذكر هذين الوجهين ذكر أن الغرض من هذين الوجهين الجمع بين الأدلة وذلك أن هذه الآية تشعر أن السكران مكلف وقد تقرر لدينا بالأدلة أن السكران لا يفهم الخطاب فهو غير مكلف والسكران لا يفهم فكأن هذا فيه نوع من التناقض فلجأ ابن قدامة إلى الجمع بين الآية وبين الأدلة بهذا .
     هناك مذهب بعض الحنفية والشافعية من يقول بأن السكران مكلف ويستدلون بهذه الآية +يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" وقد بين وجه الاستدلال بها وقالوا أيضاً أن السكران قد أذهب عقله بنفسه فهو متعد ٍ فنعامله بنقيض قصده وقالوا أيضاً في الاستدلال أننا لو قلنا إنه غير مكلف لأُتخذ السكر وسيلة ً لإسقاط التكاليف عن المكلف ثم أن السكران مأزور فلا يسوى بينه وبين المجنون الذي هو مبتلى ً مأجور فنخفف عنه التكليف لسكره لكن ننبه على أن هناك اتفاق على جل أحكام السكران في الفقه وأحكامه تختلف من جزئية لأخرى فالواجب بحث كل مسألة من مسائل السكران على حده وأما التنظير الأصولي فهو ما ذكرناه في هذا المقام .
     هنا قد يرد إشكال من قال إن السكران اعتبر طلاقه لكن نقول إن هذا ربط الأسباب بمسبباتها وقد قلنا بتكليف السكران مثلا ً فيما إذا أتلف مال غيره أو إذا كان له مال فتجب الزكاة فيه أو تلفظ بطلاقه فإنه أيضاً يقع طلاقه من باب ربط الأسباب بمسبباتها فيكون بهذا تكليف السكران تعليقا ً وليس تنجيزاً .


    لا يزال الحديث موصولا في هذه الحلقات عن شروط التكليف وخاصة شروط المكلف تحدثنا فيما تقدم من حلقات عن شروط التكليف المتعلقة بالمكلف عن جملة منها وذكرنا (الحياة وكونه من الثقلين- والبلوغ –والعقل ) وهذه الحلقة موضوع الكلام عنها هو
    الشرط الخامس من شروط التكليف المتعلقة بالمكلف وهو شرط (الفـهــم) .
    وسنتكلم عن المراد بهذا الشرط وما ينبني على اشتراطه بمعنى الأمور التي تخرج باشتراط هذا الشرط.

    س---- ماذا يقصد بالفهم؟
    ج---- الفهم/ يقصد به جودة الذهن من جهة تهيئته لاقتناص ما يرد عليه من المطالب.

    س---- وقد جرى كثير من العلماء على التفريق بين الشرطين العقل والفهم وقد مر بنا الكلام فيما سبق عن شرط العقل:
    ج----- 1 منهم من يقول العقل وفهم الخطاب يعد شرطا واحدا.
    2) ومنهم من يفرق بين هذين الشرطين فيجعل العقل شرطا مستقلا ويجعل فهم الخطاب شرطا مستقلا أخر.

    وحينها الذين يفرقون بين شرطي العقل وفهم الخطاب يريدون شرط العقل ما يتعلق بمباحث العقل وما يخالف مباحث العقل فيما يتعلق بالجنون ونحوه.
    ويريدون بالفهم ما يتعلق بمباحث فهم الخطاب ويكون بناء على ذلك ما يخالف الفهم من النوم مثلا حال النوم والغفلة والسهو والنسيان.
    فإذن نحن نقول من شروط التكليف أن يكون المكلف فاهماً للخطاب وأن يكون لديه الآلة التي تهيئه لفهم الخطاب وهذا الشرط مستلزم للشرط السابق وهو شرط العقل.

    ينبني على هذا الشرط الذي ليس لديه آلة الفهم أو غير متمكن من الفهم غير مكلف
    ويندرج تحت هذا الكلام على الناسي والساهي والغافل والنائم ونحوهم كالمغمى عليه ونحو ذلك.

    س---- عرف الناسي لغة واصطلاحا؟
    ج---- الناسي لغة/ هو من النسيان وهو ضد التذكر والحفظ.
    اصطلاحا / هو عاهة تنشأ عن اضطراب في المخ أو عن اضطراب في الحياة العقلية يسببه القلق والصراع النفسي وهو (النسيان) بمعنى أنه يرد على الإنسان بدون اختياره وقيل في معناه هو عدم استحضار الشيء في وقت الحاجة إليه.

    س----- ما هو الساهي؟
    ج---- الساهي / فهو من السهو وهو أخف من النسيان لأن النسيان هو زوال الصورة المدركة عن الحافظة نهائيا فيحتاج إلى سلم جديد ليوجد لديه العلم بخلاف الساهي وهو زوال الصورة المدركة مع بقائها في الحافظة.

    س---- ويذكر العلماء فرقا بين الساهي والناسي فيقولون:
    ج-----  أن الساهي إذا نبهته تنبه بخلاف الناسي فانه لا يتنبه بالتنبيه.
    الغفلة/ أمر قريب من السهو وهو في معناه.
    النوم / فترة طبيعية تحدث للإنسان بلا اختيار منه تمنع الحواس الظاهرة والباطنة عن العمل مع سلامتها وتمنع استعمال العقل مع قيامه.

    يلحق العلماء بمباحث السهو والنوم مبحث الإغماء وبعضهم يلحق الإغماء بالجنون لكن لا يلام الفقهاء في مسألة الفهم لأن الإغماء ليس كالجنون تماما إنما يقرب من حكم الجنون من حيث امتداده إذا امتد ويكون زوال العقل بصورة ممتدة.


    س---- عرف الإغماء اصطلاحا؟
    ج-----  فيقال الإغماء اصطلاحا/ هو فتور يزيل العقل ويعجز صاحبه عن استعمال عقله فترة معينة مع قيام عقله.
    هؤلاء لا يوجد لديهم آلة الفهم فالذهن ليس موجودا لديهم بحيث يتمكن هؤلاء من إدراك الأحكام الشرعية على وجهها فالنائم لا يمكن توجيه حكم شرعي له يفهمه حال نومه.
    والجامع بين هؤلاء أن زوال العقل لديهم ليس زوالا تاما حقيقيا كما يزول عن المجنون إنما الزوال لفترة محددة أو الإدراك لديهم مرتفعاً لفترة محدودة ويعود لديهم في الغالب بالتنبيه.

    فالمغمى عليه أو النائم إذا أيقظته استيقظ والساهي إذا ذكرته تذكر والناسي إذا عرضت عليه الأمر يعيد ذهنه للأمر وتذكره بخلاف المغمى عليه الأصل أنه إذا أجرى له ما يوقظه ويزيل عنه الإغماء فإنه يتحقق له ذلك فالغالب أن العلماء يلحقونه بالجنون ولا يجعلون له حكم الإغماء، والعلماء يقولون عن هؤلاء إنهم فاقدو شرط التكليف فالأصل إنهم غير مكلفين لكننا لا حظنا في المسالة خلاف ونحن كما ذكرنا سابقا في النهاية سيكون الخلاف خلافا لفظيا نوفق فيه بين هذه الأقوال ومن يقول بأنهم مكلفون يتجه اتجاها محددا غير اتجاه من يقول إنهم غير مكلفين فالعلماء في هذه الحال اختلفوا هل الشخص مكلف أو غير مكلف.

    والحقيقة أن الخلاف ظاهري والجمهور يقولون أن هؤلاء غير مكلفين
    (الغافل والناسي والساهي والنائم والمغمى عليه) في هذه الأحوال (أي في حال تلبسهم في تلك الأمور ) ذلك لأنهم في هذه الحالة فقدوا شرط التكليف وهو الفهم.

    فهؤلاء لا يدركون معنى الخطاب ولا يفهمون المراد منه فكيف يخاطبون بهذه الأمور وكيف يقال مثلا له افهم مع أن الفهم منعدم لديه في هذه الحال فلو إنهم كلفوا بالامتثال فهم لا يفهمون الخطاب فحينئذ كيف يكلفون بأمر ولا يفهمونه، فيكون تكليفهم بالمحال.
    وقال بعض العلماء إن هؤلاء مكلفون مطلقا ونسب هذا إلى بعض الحنفية واستدلوا بدليل في الغالب أنه يسير معناه فيما يتعلق بالصبي والمجنون ونحوهم
    ومن قال بتكليفهم أيضاً يقولون أن هؤلاء في أحوالهم هذه لو اتلفوا شيئا فإنه يجب عليهم ضمانه فالنائم لو اتلف مالا (كان يكون نائما بجوار شخص فقتله ففي هذه الحالة يجب عليه الضمان بالدية) والناسي لو اتلف مالا لغيره ناسيا وجب عليه الضمان وكذلك الساهي ولو دون قصد يلزمه ضمانه.

    فوجوب الضمان على هذه الحالة على هؤلاء دليل على وجوب تكليفهم في تلك الأحوال إذ لو لم يكن هؤلاء مكلفون لما وجب عليهم شيء وما لزمتهم تلك الحقوق وقد سبق أن أجبنا عن هذا باستدلال سابق ونعيد الجواب عنه بنحو ما ذكرناه سابقا ونقول( أن إلزام هؤلاء بدفع قيم المتلفات ليس من باب الحكم التكليفي وإنما هو من باب الحكم الوضعي) أي من باب ربط الأحكام بأسبابها بمعنى انه قد وجد سبب الإتلاف فيوجد الحكم وهو الضمان والضمان هنا بدفع قيمة المتلف بقطع النظر عن كونه غافلا أو ناسيا أو ساهيا أو مغمى عليه أو نائما أو غير ذلك وهذا لا تعلق له بالتكليف وإنما هو من باب ربط الأحكام بأسبابها أي من قبيل الحكم الوضعي وهذا لا يشترط فيه الفهم وقد يضاف الجواب إلى هذا الأمر (أن الخطاب قد تعلق بهؤلاء عند الاستيقاظ لا قبله يعني الخطاب متوجه إلى هؤلاء عند الاستيقاظ لا قبل الاستيقاظ فالخطاب منتفي عنهم في حال كونهم بتلك الأحوال وإنما يجب عليهم القضاء بأمر جديد).

     الخلاصة/ أن الخلاف في اشتراط هذا الشرط يرجع إلى ما مر معنا في الشرط السابق شرط العقل فكما نقول إن المجنون مأمور بشرط الإفاقة والصبي مأمور بشرط البلوغ كذلك يمكن أن نقول الغافل والناسي والساهي والنائم والمغمى عليه مأمورون بشرط ( الفهم ) الذي يكون بعد الاستيقاظ والانتباه ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ورفع الإثم عن الناسي هنا يشير إلى وضع الأمر عنهم إذ لا رفع إلا بعد وضع والذي يقول بتكليف هؤلاء بتوجيه الخطاب إليهم إنما يريد في ذلك ثبوت الفعل في ذمتهم والذين نفوا تكليفهم مطلقا وهم الجمهور نفوا إن كان تكليفهم بتلك الأحوال بالأداء، وهذا متفق عليه إذ لا يقول بهذا أحد لما سبق أن ذكرنا.
    الخلاصة/ أن من يقول بتكليف هؤلاء قصده الواجبات تبقى في ذمتهم إلى ما بعد الاستيقاظ والذي يقول بعدم تكليفهم إنهم غير مأمورين بشيء من التكاليف في حال تلبسهم بتلك الأحوال السابقة.
    كما أن الأمر الأول متفق عليه وهو أن هذه الواجبات تبقى في ذمتهم إلى ما بعد الاستيقاظ فهذا أمر أيضاً متفق عليه وبتحليل هذا الكلام ينتفي الإشكال الوارد هنا (من يقول بأنهم مكلفون أو غير مكلفين) عندما نأتي إلى النسيان والنوم والإغماء .

     عندنا بعض التنبيهات في هذه الأمور التي يزول فيها التكليف:
    بالنسبة للنسيان يقول العلماء إنه يؤثر في جعل الموجود معدوما ولا يؤثر في جعل المعدوم موجودا أي: العلماء عندما تكلموا في أثر النسيان جاؤوا إلى المأمورات والمنهيات الأصل أنها لا يفعلها الإنسان إلا إذا أوجدها نسيانا فإذا أوجدها صارت موجودة فإذا أوجدها ناسيا فإن النسيان يؤثر في جعلها كالمعدومة باعتبار
    أن النسيان يؤثر في عدم التكليف في هذه الحالة فقالوا النسيان يؤثر في جعل الموجود معدوما والموجود هنا المنهيات أو المحظورات ولا يؤثر في جعل المعدوم موجودا بمعنى لو أن شخصا نسي مأمورا من المأمورات فإن النسيان لا يؤثر في جعله موجودا بل على المكلف إذا تذكر بعد النسيان فإنه يلزمه فعل المأمور فهذا معنى قولهم النسيان يجعل الموجود معدوما ولا يجعل المعدوم موجودا .

     سؤال/ هل كل منهي عنه يكون كالمعدوم؟
    هناك من العلماء من أطلق تأثير النسيان في كل منهي عنه فقال : إن كل أمر مفعول نسيانا يكون كالمعدوم وعللوا ذلك بعدة أوجه :
    الوجه الأول/ قالوا : إن النهي يقتضي الكف عن المنهي عنه ويكون المنهي عنه مفعول نسيانا من دون قصد وحينها يكون معدوما من إعدام قصده .
    الوجه الثاني/ قالوا إن المكلف إذا ارتكب منهيا عنه نسيانا فإنه لا يمكن تداركه وتلافيه فإنه ليس بقدرة المكلف نفي الفعل الحاصل في الوجود وذلك عذر فيه وكان كالمعدوم في حقه.
    الوجه الثالث/ أن القصد من النهي خوف العقاب وأن فيه هتكا للحرمة وفعل الناس للمحظور لا يقتضي في هذه الحالة هتكا للحرمة فلا يخشى عليه العقاب لأن حكمه كالمعدوم.

     هناك في المقابل من العلماء من قال أن النسيان يؤثر في جعل الموجود من المنهيات كالمعدوم ولكن قيده بقيود معينة ومنها
    1- أن يكون الوقوع في فعل ما نهى عنه مما يمكن تلافيه بالالتفاف عنه بحيث لا يكون إتلافا أو متضمنا معنى الإتلاف
    2-أن يكون هيئة الفعل مذكرة للفاعل حيث يبعد معها التلبس بالنسيان
    3- أن يكون الشيء المنهي عنه المفعول نسيانا متعلقا بإتلاف شيء من حقوق العباد وذلك لأن النسيان لا يعد عذرا في هذه الحالة كما لو أتلف مالا محترما لإنسان فإنه يلزمه ضمانه

    1) أن يكون الوقوع في فعل ما نهى عنه مما يمكن تلافيه بالالتفاف عنه بحيث لا يكون إتلافا أو متضمنا معنى الإتلاف وبذلك فإن المجامع أهله في الحج ناسيا يبطل حجه كالعامد ومثله من جامع في الصيام الواجب نسيانا يجب عليه القضاء والكفارة وكذا من قتل صيدا أو حلق شعره أو قلم أظافره في الحج ناسيا تجب عليه الفدية غالبا يكون في ذلك كالعامد لأن هذه الأفعال منهي عنها إذا وقع فيها الحاج لم يمكنه تلافيها بالالتفاف عنها لكونها إتلافا أو في معنى الإتلاف فإن الجماع بعد حصوله لا يمكن تلافيه والصيد إذا قتلته ذهب ولا يمكن رده ومثله الشعر وتقليم الأظافر وهذا بخلاف تغطية الرأس نسيانا فهذا أمر منهي عنه لكن يمكن تلافيه بالالتفاف عنه فإذا ذكر فإنه يبعده عن رأسه ومن لبس خفاً في الحج ناسيا ينزعه ولاشي عليه.
    (خلاصة) : قالوا إذن نفرق بين المنهيات التي يمكن الالتفاف عنها بعد الوقوع فيها فإن هذا يجعل الموجود فيها كالموجود نسيانا فيسقط الحرج في هذه الحالة ولا يلزم الناسي شيء ولكن إذا كان لا يمكن تلافيها بالالتفاف عنها فانه في هذه الحالة لا يؤثر النسيان في جعل الموجود معدوما بمعنى أنه يلزم الناسي في هذه الحالة ولا يسقط عنه التكليف في هذه الحالة.

    2) أن يكون هيئة الفعل مذكرة للفاعل حيث يبعد معها التلبس بالنسيان وأنه إن كان كذلك فإن الناسي ينسب له التقصير حيث لم يباشر سبب التذكر مع قدرته عليه فلا يكون النسيان عذرا حتى يغلب وجوده على الشخص مثلاً قالوا الذي يأكل ويشرب في الصلاة ناسيا تبطل صلاته ولا يكون النسيان هنا مؤثرا في إسقاط التكليف عن هذا الشخص ولا يكون مؤثرا كما عبروا عنه جعل المنهي عنه معدوما لأن هيئة الصلاة مذكرة له في هذه الحالة مانعة من النسيان وهذه بخلاف النسيان الذي يقع من الإنسان من غير أن يكون معه شيء من أسباب التذكر فإنه يكون عذرا في هذه الحالة لغلبة وجوده حينئذ مثل الأكل والشرب في حال الصيام فإنه في هذه الحالة هيئة الفعل لا تذكر بترك الفعل والالتفاف عنه ولذلك يسقط أو يكون النسيان مسقطا عن التكليف ويكون عذرا بخلاف ما لم تكن هيئة الفعل مذكرة للفاعل فإنه في هذه الحالة يكون غير مسقط للتكليف كالأكل والشرب في الصلاة .
    3) أن يكون الشيء المنهي عنه المفعول نسيانا متعلقا بإتلاف شيء من حقوق العباد وذلك لأن النسيان لا يعد عذرا في هذه الحالة كما لو أتلف مالا محترما لإنسان فإنه يلزمه ضمانه وهذا حقيقة هو الموقف الثاني من النسيان هو الذي يترجح في هذا المقام والذي ينبغي أن نقول إن النسيان لا يؤثر في جعل الموجود معدوما بمعنى أنه لا يؤثر في جعل المنهيات عنها كأنها لم تكن في حق الشخص بل نقول تقيد بهذه القيود ومتى تحققت هذه الثلاثة فإن النسيان يكون عذرا مسقطا للتكليف وإلا فلا يكون عذرا وأما في المأمورات فإن النسيان يكون عذرا لإسقاط الإثم بمعنى لو نسي شخص مأمورا من المأمورات ولم يفعله في وقته فإن النسيان يسقط الإثم ولا يسقط الفعل ولكن يلزمه القضاء كما ورد في الحديث (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فالصلاة مأمور بها ولا تسقط بالنسيان لكنه يرتفع الإثم في حال النسيان هذا فيما يتعلق بالنسيان.

     أما بالنسبة للنوم يوجب تأخير الأداء إلى ما بعد الاستيقاظ
    والنوم عذر مثله مثل النسيان بشرط أنه لا يكون هناك تفريط في النوم بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة له إلا ذلك) النائم غير مكلف في حالة نومه مثله مثل الناسي في حال نسيانه ولكن بعد الاستيقاظ إن كان متعلقا بترك مأمور ألزم بقضائه ولا إثم عليه إذا لم يكن مفرطا في النوم وإذا كان مرتكبا منهيا بمعنى أن النائم أتلف مالا لغيره في حال نومه أو قتل شخصا خطاء فإنه في هذه الحالة تلزمه الدية فالنوم لا يعد مسقطا للضمان وإنما هو مسقط للاثم لأن النوم منافي لاختياره والإرادة والقصد في هذه الحالة وكذلك العبارات التي تصدر أثناء النوم كالطلاق ونحو ذلك غير مؤثره فيه هذه الحالة وإذا تأكد من أن الشخص نائم لا يعتد بالعبارات التي يقولها وفي هذه الحالة لا يؤاخذ النائم في حال النوم ولكن كما قلنا مثله مثل النسيان لا يؤثر في إسقاط المأمورات لكنه يرفع الإثم في حال التلبس به إما المنهيات كما ذكرنا بالقيود الثلاثة التي ذكرناها في حال النسيان .

     أيضاً تأتي في حال النوم فمثلا لو كان شخص نائم وهو حاج وقلم أظافره أو نتف شعره ففي هذه الحالة مثله مثل الناسي فإنه تلزمه الفدية لكن لو أنه غطى رأسه وهو نائم أو نحو ذلك فإنه في هذه الحالة يسقط عنه الفدية لكونه فعل أمرا يمكن الالتفاف عنه بمجرد استيقاظه هذا ما يتعلق في مباحث النوم.


     مباحث الإغماء :
    من العلماء من يلحقه بالجنون فيقول المغمى عليه كالمجنون فيسقط عنه التكليف مطلقا كما أنه في المجنون كذلك ومنهم من لم يفرق بين المجنون جنونا مطبقا أي جنون ممتد معه طوال حياته فيقول بعدم التكليف ومنهم من يقول بجنونه جنون غير مطبق فيلزمه التكليف بعد الإفاقة من الجنون كذلك المغمى عليه منهم من قال بعدم تكليفه مطلقا ومن العلماء من قال بأنه مثله مثل المجنون إن كان طويلاً ممتد الإغماء فإنه في هذه الحالة يسقط عنه التكليف التي فاتته في حال الإغماء كأن يفوته صوم أو صلاة أو نحو ذلك .


     وهناك من قال وإن كان غير ممتد يعني قصير فإنه يلزمه القضاء لما فاته من العبادات في حال إغماءه ثم جاؤوا إلى تحديد الإغماء الطويل والإغماء القصير وللعلماء اجتهادات في تحديد الإغماءات الطويلة والقصيرة تعرض في مقامها

     وعلماء الحنفية لهم اجتهادات خاصة في هذا المقام وجعلوا الإغماء الذي يعفى عنه في هذه الحالة الذي يتجاوز مقدار ستة فروض فإنه في هذه الحالة يكون إغماء طويلاً ويلحق بالجنون ولكن إذا كان أقل من ذلك بمعنى لو كان هناك شخص أغمي عليه يوم وليلة ولم يتجاوز ستة فروض فإنه في هذه الحالة يلزمه القضاء وهذا اجتهاد على كل حال ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المقام تحديداً وبذلك كان محل اجتهاد بين العلماء يرجع في هذا الحقيقة إلى كل مسألة بحسبها فنقول المغمى عليه إذا زال عنه الإغماء إن أمكنه قضاء ما فاته من العبادات بلا مشقة ظاهرة عليه في ما اعتاد الناس وعرفهم فإنه يلزمه قضاء ما فاته وإن كان هناك مشقة عليه فإن كانت كثيرة تخرج عن حد الحصر فإنه يسقط عنه التكليف في هذه الحالة وإنما نقول بالقضاء في هذه بالقضاء احتياطا وأنه لم يرد بالقضاء في هذه الحالة نص وإنما قلنا به احتياطا والمجال مجال اجتهاد ومنهم من يقول إنه إذا زال العقل في هذه الحالة فلا قضاء وإلحاقا له بالمجنون وهذا قول له اعتباره.
    هذا ما يتعلق بالشرط الخامس من شروط التكليف المتعلقة بالمكلف وهو شرط الفهم أو فهم الخطاب والمسائل التي تندرج تحته فيما يتعلق بالناسي والنائم والمغمى عليه وبهذا نختم.










    لا يزال الحديث موصلا لما سبق من شروط التكليف المتعلقة بالمكلف وهو الشرط السادس :
    (القصــــد والاختيــــار)

    وهذا الشرط مركب من جزئيتين:
     الجزئية الأولى شرط القصد : ويقصد به أن يكون الشخص قاصدا للفعل فمتى كان قاصدا للفعل فهو مكلف وإذا لم يكن قاصدا للفعل كأن يكون أخطأ في قصده فإنه يكون غير مكلف في هذه الحالة.
    والمقصود بغير القاصد (المخطئ) .
    فالخطأ يرفع التكليف ومعنى رفع التكليف بالنسبة للخطأ رفع الإثم في حال الخطأ وبقاء استحقاق الواجبات في ذمة المكلف وهو في هذه الحالة مثل النائم والناسي، فيرتفع التكليف والإثم ، فنقول إن الشخص يلزمه قضاء الواجبات إذا كانت متعلقة بحقوق الله و ضمان الأمور المتلفة إذا كانت لحقوق الآدميين.

    مثال1/ من صلى قبل دخول الوقت فهو مخطئ فإذا تبين ذلك (أي أنه مخطئ) فلا إثم عليه في صلاته قبل وقتها ولكن يلزمه فعل الصلاة بعد تبين خطئه.
    مثال 2/ لو أن شخصا قتل شخصا خطأ (لم يتعمد قتله) فإنه تلزمه الدية والكفارة ولا قصاص عليه ولا إثم.
    إذن فالخطأ يرفع الإثم ولكنه لا يسقط الواجبات لكونه غير متعمد بل يلزمه قضاءها بعد التنبه لوقوع الخطأ. وأما في حقوق العباد فيلزم ضمانها بالقيمة أو المثل،ولا إثم عليه .

    والجزئية الثانية/ الاختيار: وهو وجود الحرية في التصرف للمكلف بالفعل أو عدمه.
    فالعلماء يذكرون شرط الاختيار ليخرجوا من التكليف المكره حيث إنه لا يتصرف بإرادته واختياره بل يتصرف بإملاء غيره عليه.
    والإكراه: هو حمل الغير على أمر لا يرضاه ولا يريد مباشرته لولا الحمل عليه بالوعيد.
    والعلماء يختلفون في تحديد الإكراه الذي يرفع التكليف عن المكلف ، فالحنفية لهم تقسيم وكذلك الشافعية لهم تقسيم آخر وينبغي أن نحرر كلامهم في هذا الباب ومن تبعهم في هذا المقام حتى يتحرر لنا الحكم.

    فالحنفية : يقسمون الإكراه إلى قسمين:
    • إكراه ملجئ. والإلجاء الإكراه على الشيء
    • إكراه غير ملجئ.


    الشافعية والجمهور يقسمونه كذلك إلى قسمين:
    • إكراه ملجئ.
    • إكراه غير ملجئ.

    لكن تعريف الحنفية للإلجاء غير تعريف الجمهور فالإكراه الملجئ عند الشافعية والجمهور:
    هو الذي لا يكون للمُكرَه قدرة على الامتناع أو الاختيار ويكون كالآلة في يد المُكرِه.

    مثال1/ لو ألقى شخص شخصا من مكان مرتفع على شخص آخر فقتله.فهذا إكراه ملجئ عند الجمهور.
    مثال2/ لو أن شخص ربط شخصا آخر وأدخله في دار حلف أن لا يدخلها.
    فهنا ليس له قدرة أو اختيار في التصرف.

    أما الإكراه الغير ملجئ هو ماعدا هذا فيما إذا كان هناك تهديد على فعل أو على ترك.

    مثال / تهديد بقطع عضو من أعضائه أو أخذ ماله أو نحو ذلك.
    فالإكراه الملجئ لا قدرة ولا اختيار للمكلف في الفعل أو الترك أما الإكراه غير الملجئ للمكلف قدرة واختيار ولكنه مهدد بأمر قد يكون شديدا وقد يكون خفيفا.

     أما الإكراه عند الحنفية (الإكراه الملجئ(
    هو ما كان فيه التهديد بقطع طرف من أطرافه أو جرح أو قتل أو ضرب مبرح أو حبس مدة طويلة ممن يستطع أن يفعل ذلك، فحددوا نوع الإكراه الملجئ من خلال النظر إلى نوع التهديد فإن كان غير محتمل سمي ملجئاً .
     أما الإكراه غير الملجئ
    أن يكون التهديد بأمر أقل من ذلك كأن يكون التهديد مثلا بأخذ ماله أو ضرب يسير أو بحبس مدة قصيرة. فهذا إكراه غير ملجئ .

    فهم نظروا إلى وضع التهديد فإن كان بأمر شديد فهو إكراه ملجئ وإن كان أمرا يسيرا فهو إكراه غير ملجئ وكلا الأمرين عندهم للمكلف قدرة واختيار ولكن تتفاوت نسبة القدرة والاختيار بتهديد شديد أو اقل شدة.

    س------ هل المكره مكلف في هذه الأحوال كلها ؟
    ج----- لا بد أن نحرر محل النزاع بين الجمهور والحنفية بالنظر لهذين التقسيمين:
    1/ نبدأ بالإكراه الملجئ عند الجمهور والشافعية ومن تبعهم : المُكرَه كالآلة عند يد المُكرِه وليس للمكره قدرة ولا اختيار فهذا لا شك أن المكره فيه غير مكلف لأن المكلف في هذه الحالة لا ينسب إليه شيء من العمل بل هو كالآلة في يد المُكرِه (غير مكلف باتفاق).
    أمَّــا الحنفية : فلا يسمون هذا إكراها بل يقولوا إن الفعل هنا غير منسوب إلى الإنسان أصلا فلا يقال إن هذا الشخص مكره.
    فلو قلنا في المثال السابق الملقى من مكان عالي فالقاتل ليس هو الملقى به بل القاتل هو الملقي فكأن الشخص الملقى كالسيف في يد القاتل فلا يكون مكلفا ولا يكون إكراها فليس عندنا هنا فعل ينسب إلى الشخص الملقى.

    2/ الإكراه غير الملجئ عند الحنفية :
    وهو الذي يكون فيه التهديد بأمر أقل من القتل أو قطع عضو من أعضاءه أو طرف من جسم الإنسان لا يمنع التكليف بالاتفاق بل المكره في هذه الحالة مكلف.
    مثال1/ لو هدد شخص بأخذ ماله أو حبس ولده أو حبسه هو مدة قصيرة فإنه في هذه الحالة يكون مكرها لكنه لا يرفع التكليف بل يبقى المكره مكلفاً.
    مثال2/ لو قيل له اترك الصلاة وإلا سنأخذ مالك فإنه لا يجوز له ترك الصلاة على أن يؤخذ ماله بل يبقى مكلفا وعليه أن يؤدي الصلاة لأن الإكراه هنا غير ملجئ ولأنه يبقى له القدرة والاختيار والضرر عليه يسير فإقبال المكره هنا على الفعل يكون باختياره لأنه متمكن من الصبر على الأذى الذي هدد به.

     يبقى عندنا الإكراه غير الملجئ عند الجمهور والإكراه الملجئ عند الحنفية:
    الإكراه غير الملجئ عند الجمهور الذي يكون فيه التهديد بقتل أو غيره وكذلك هو عند الحنفية ( لكن الجمهور يسمونه غير ملجئ والحنفية يسمونه ملجئ وينبغي أن ننتبه للاصطلاح.
    فالجمهور يسمونه غير ملجئ لأنه أقل درجات الإكراه عندهم.
    والحنفية يسمونه ملجئا لأنه أعلى درجات الإكراه عندهم.

    فهنا من هدد بقتل أو قطع طرف من أطرافه أو بحبسه مدة طويلة أو ضربه ضربا شديدا على أن يفعل محرما أو يترك مأمورا به فهل يكون الإكراه هنا عذرا بحيث يكون المكره فيه غير مكلف أو نقول هو مكلف ولو أنه ترك مأمورا به فانه يستحق العقاب أو فعل محرما فإنه يستحق العقاب هذا حقيقة محل الخلاف في المسالة الإكراه غير الملجئ عند الجمهور والإكراه الملجئ عند الحنفية هل يعد إكراها عذرا رافعا للتكليف أو مسقطا للتكليف أو لا يكون كذلك.


    القول الأول/
    أن الإكراه لا يمنع التكليف ولا يعد مسقطا للتكليف ولا يعد عذرا في رفع التكليف.
    المقصود بالإكراه هنا (غير الملجئ عند الجمهور والملجئ عند الحنفية).
    وهذا هو مذهب الشافعية والحنفية وجمهور الأصوليين ولكن الحنفية يعبرون بعبارة أخرى وهي قولهم (إن الإكراه لا يؤثر في أهلية الوجوب ولا في أهلية الأداء) فالحنفية يعبرون عن التكليف بالأهلية.

    القول الثاني /
    أن الإكراه في هذه الحالة يمنع التكليف فيكون عذرا مسقطا للتكليف في هذه الحالة وهذا مذهب أكثر المعتزلة.
    ومعناه عندهم أن من أكره على فعل مراد للشارع ففعله لأجل الإكراه لا يعد مكلفا فلا يثاب على هذا الفعل وإن امتنع يعد مكلفا معاقبا على الترك وإن أكره على فعل مخالف لمراد الشارع كالزنا وسب الرسول صلى الله عليه وسلم فإن امتنع فهو مكلف ومثاب وإن فعل فليس بمكلف فلا يعاقب.
     والسبب في هذا القول عند المعتزلة ينبغي التنبه له هو: أنهم يربطون بين التكليف والثواب والعقاب ، فيقولون حيث وجد التكليف فلا بد من الثواب والعقاب وحيث عدم التكليف فلا ثواب ولا عقاب.
    والجمهور مع قولهم إن الإكراه لا يمنع التكليف ولا يرفع التكليف ولا يكون عذرا مسقطا للتكليف لا يقولون إن المكره يؤاخذ على كل ما يقوله ويفعله ؛ لأن التكليف عندهم الخطاب بأمر أو نهي والمكره مخاطب وكونه مخاطب لا يلزم منه حصول الثواب أو العقاب ولا يلزم منه صحة جميع تصرفاته لكن الجمهور عندهم تفصيل فقهي في حكم المكره في هذه الحالة على النحو التالي:

    1) الإكراه بحق على بيع ماله لسداد مال الغرماء أو غير الغرماء أو على عتق عبده أو نحو ذلك وهذا ينفذ ويصح.
    2) الإكراه بغير حق وهذا يختلف حكمه باختلاف الفعل المكره عليه.

    فالفعل المكره عليه إما أن يكون قولاً أو فعلاً. إن كان قولاً/ فلا يخلو من عدة أحوال:-
     الحالة الأولى: العقود المالية كالبيع والإجارة ونحو ذلك إذا أكره على شيء من ذلك فهذه لا تصح ولا تنعقد عند الجمهور ومذهب الحنفية إلا إنها فاسدة وليست باطلة ويمكن تصحيحها برضا العاقدين بعد ارتفاع التهديد والإكراه.
     الحالة الثانية: العتق والنكاح والطلاق وهي عقود لا تقبل الفسخ وهذه لا تقع مع الإكراه عند الجهور وعند الحنفية تقع لأنها تقع مع الهزل ومع عدم الرضا كذلك ولكن يرجع على من أكرهه لضمان ما لحقه من الخسارة.
    الحالة الثالثة: الأقوال المحرمة كالنطق بكلمة الكفر وسب الرسول عليه الصلاة والسلام يعد الإكراه فيها عذرا مسقطا لعقوبتها إن نطق بها وقلبه مطمئن بالإيمان والدليل قوله تعالى:+إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا" والنطق بها يعد رخصة فإن صبر على الأداء وامتنع أثيب على ذلك وأما القذف ونحو ذلك من الألفاظ فالإكراه يسقط العقوبة والإثم المترتب عليه هذا ما يتعلق إذا كان الإكراه على الأقوال.

    إذا كان الإكراه على الأفعال فهذا أيضاً له أحوال:
     الحالة الأولى: إذا اكره على أفعال الكفر مثل تمزيق المصحف وإهانته والذبح للصنم ونحو ذلك فهذا النطق بالكفر يعد رخصة للمكره إذا فعلها وقلبه مطمئن بالإيمان على الصحيح لدلالة الآية السابقة الذكر وذهب بعض العلماء إلى أنه يؤاخذ على ذلك لحديث (الرجلين الذين مرا على صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب قربانا فامتنع أحدهما فقتلوه فدخل الجنة وقال الآخر لا أجد ما أقربه له فقالوا قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا فدخل النار) . والراجح في هذا عدم مؤاخذة المكره هنا في هذه الحالة بل التكليف مرتفع عنه أما الحديث الذي ذكر في هذا المقام فلا دليل فيه على مسألتنا لأن الرجل الذي قرب قربانا قربه مختارا طائعا بدليل أنه علل عدم التقريب للصنم عدم وجود ما يقربه ولم يعلله بالتحريم والخوف من غضب الله عز وجل.

    ويمكن يجاب بجواب آخر فيقال: هذا في شرع من قبلنا وقد جاء في شرع من قبلنا ما يخالف هذا ومعلوم أنه إذا جاء في شرعنا ما يخالف ما جاء في شرع من قبلنا فإن شرع من قبلنا لا يعد حجة فإن الله تعالى قد أباح لنا النطق بكلمة الكفر مع طمأنينة القلب في الدليل السابق.
    وأيضا دلالته صلى الله عليه وسلم (إن الله تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
    ولا فرق بين الأقوال والأفعال الكفرية في هذا المقام.

     الحالة الثانية: قتل المعصوم أو جرحه أو قطع طرف من أطرافه إذا أكره فالإكراه هنا لا يعد عذرا ولا يبيح له ذلك باتفاق العلماء فالفاعل يأثم بالاتفاق(أي المكرَه) في هذه الحالة يكون مكلفا ولا يرتفع التكليف عنه بل يجب عليه الصبر على الإكراه ولا يقدم على قتل أو جرح أو قطع أي طرف من أطراف المعصوم.

    س / لكن هل يقتص من المكرَه لو قتل معصوما مكرها؟
    ج---- هناك خلاف فمنهم من يقول يقتص من المكره وقيل يقتص من المكرَه والمكرِه معا وقيل يقتص من المكرِه فقط وقيل يسقط القصاص والصواب يقتص من المكرَه.
    فلا يجوز على المكرَه أن يقتل معصوم الدم أو أن يقطع يده بل يجب عليه الصبر ولو فعل كان آثما ولكن هل يقتص منه ؟؟؟ محل خلاف.


     الحالة الثالثة: ومن الأفعال التي يكره عليها الزنا والإكراه على الزنا لا يبيحه بالاتفاق ووقع الخلاف في إقامة الحد على المكرَه والراجح أنه لا حد عليه لأن الحدود تدرأ بالشبهات والإكراه هنا يعد شبهة دارئة للحد والمُكرِه لا حد عليه بالاتفاق لكنه يأثم على الإكراه.

     هناك من العلماء من فرق بين المرأة والرجل:
    وقال إن المرأة المكرهة على الزنا لا حد ولا إثم عليها وأما الرجل المكره على الزنا عليه الإثم لأنه لا يكون الزنا في الغالب لا يكون إلا بنوع من اختياره فيكون مطاوعا مختارا.
    ويتبين مما تقدم أن قول الجمهور إن المكره مكلف وأن الإكراه لا يمنع التكليف لا يقصدون بأنه يؤاخذ على كل ما أكره به وقد يكون مؤاخذا من جهة وغير مؤاخذ من جهة أخرى لذلك فإن بعض العلماء لما رأى أن الله تعالى قد عفا عن المكره إلا في الحالات التي تقدم فيها صيانة النفس على صيانة الغير من المسلمين فقال إن المكره غير مكلف وهذا القول وإن كان مخالفا للجمهور في اللفظ لكنه موافق في المعنى غير أنه نظر إلى آثار التكليف وأهمها المؤاخذة الأخروية فوجدها منتفية فرفع التكليف عنه.

    هذا فيما يتعلق بالخلاف في تكليف المكره، والأليق لمنهج السلف فيما يتعلق بالمكره وهو الأقرب لظاهر أدلة القرآن والسنة هو القول بعدم تكليف المكره لأن الله تعالى لم يؤاخذ من نطق بكلمة الكفر مكرها كما قال تعالى +إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا" وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ولا شك أن التكليف مع الإكراه فيه حرج شديد ومشقة عظيمة والله تعالى يقول +لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" ويقول +ماجعل لكم في الدين من حرج" وأما الإجماع الذي ذكره العلماء في أن الإكراه لا يبيح قتل المعصوم ولا يبيح الزنا مجمل على أنه لا يسقط الإثم لأنه في القتل قدم مصلحة نفسه على مصلحة أخيه المعصوم والرسول × يقول( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وفي مسألة الزنا لأن القرينة تدل على أن من أقدم على الزنا أقدم بشهوة وإلا لما استطاع أن يجامع أما المرأة المغتصبة غير مطاوعة فهي غير مكلفة على الصحيح كما تقدم ومسألة تكليف المكره لها صلة بمسألة التكليف بما لا يطاق التي سيأتي الكلام عنها وأكثر الأشاعرة على صحة التكليف بما لا يطاق .
    لذلك ناسبهم أن يقولوا بتكليف المكره وعلى قول الصحيح أن التكليف بما لا يطاق لا يجوز وغير واقع لذلك ينبغي أن نقول إن المكره غير مكلف من حيث الأليق للسلف.

    وينبغي أن نلاحظ في الإكراه عدة شروط لا بد من توفرها في الإكراه حتى نقول بأنه قد تحقق فيه شروط الإكراه:
    1. أن يكون المُكرِِه قادرا على تنفيذ ما هدد به.
    2. أن يكون المكرَه عاجزا من الخلاص من هذا الإكراه بأي طريق من الطرق المباحة.
    3. أن يكون الفعل المكره عليه فعلا محرما.
    فينبغي مراعاة هذه الشروط في الإكراه الذي يكون مانعا للتكليف عن الشخص المكره.
    والأصل في المكرَه الذي تحققت فيه الشروط الثلاثة أنه غير مكلف فيرتفع عنه الإثم ولكن إذا زال عنه الإكراه فإنه يلزمه قضاء ما فاته من الأوامر الشرعية كمن أكره على ترك الصلاة ولكن لو أكره على فعل محرم فيرجع إلى ما قلناه سابقا.
    هذا فيما يتعلق بتكليف المكره وهو يندرج تحت شرط الاختيار الذي ذكرناه سابقا.
    والله اعلم.

    شروط التكليف وخاصة شروط المكلف
    الشرط السابع : شرط الإسلام

    س---- هل يشترط في المكلف أن يكون مسلما ؟ أم لا يشترط فيه ذلك ؟

    ج----- أن قلنا أنه يشترط في المكلف أن يكون مسلما فمعنى ذلك أن غير المسلم غير مكلف وإن قلنا إن الإسلام ليس شرطا ً في التكليف فمعنى هذا أن غير المسلم مكلف بالتكاليف الشرعية وهنا سنحتاج إلى تحرير محل الخلاف بين العلماء وتحرير المراد بتكليف الكافر عند من يقول به
    لأن هناك من قال بتكليف الكافر فنحتاج إلى تحرير مراد من يقول بهذا القول فأما شرط الإسلام وهل يعد شرطا في التكليف فهذا محل خلاف ولكن قبل أن نذكر الخلاف ننبه إلى مواطن اتفاق اتفق العلماء فيها في هذا المقام
    أولا ً : أتفق العلماء على أن الكفار مكلفون بأصول الشرائع والمقصود بها أصول الاعتقاد كالأيمان بالله تعالى والإيمان برسله وتصديقهم ونحو ذلك فهذه متفق عليها بدليل قوله تعالى " إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية "
    فتركهم لهذه الأصول يوجب تخليدهم في النار بدلالة هذه الآية
    ثانيا ً : لا خلاف بين العلماء في أن الكفار مكلفون بالعقوبات كالحدود والقصاص ونحو ذلك وبعض العلماء يعبر عن هذا بعبارة أعم من هذا فيقول : أجمع العلماء على أن الكفار مخاطبون بخطاب الوضع أي ليس بخطاب التكليف مثل اعتبار جناياتهم سببا ً في وجوب العقوبات عليهم ولذلك تقام الحدود عند تقرر أسبابها منهم كما يعتبر وقوع عقودهم على الأوضاع الشرعية سببا ً لترتيب أثارها عليها مثل : البيع والنكاح منهم ونحو ذلك كما أن الإتلاف يعد سببا ً لوجوب الضمان عليه وذكروا لتكليف الكفار في المعاملات سببا ً وهو أن المعاملات قصد بها الحياة الدنيا والكفار أنسب لتكليفهم بالمعاملات من أهل الإسلام لأنهم أثروا الحياة الدنيا على الآخرة وذكروا السبب في القول بتكليفهم بالعقوبات كالحدود والقصاص ونحو ذلك قالوا أن العقوبات قصد بها الزجر عن ارتكاب أسبابها والكفار أحق بالزجر وأولى به من المؤمنين هذه أمور تقريبا ً ثلاثة لا خلاف بين العلماء في تكليف الكفار بها

    الأمر الرابع اختلف العلماء في تكليف الكفار في ماعدا ما سبق يعني في ماعدا( أصول الشرائع) وبما عدا المعاملات وبما عدا العقوبات فهل هم مكلفون مثلا ً بالصلاة والزكاة والصوم والحج وموضوع الطلاق والظهار مثلا والكفارات والأيمان لو الحلف صدر من كافر ونحو ذلك فهل هم مكلفون بهذا أم غير مكلفين ويعبر العلماء عن هذا

    القسم الرابع بقولهم( فروع الشريعة )
    س----- هل الكفار مكلفون بفروع الشريعة ويجعل هذا مقابل لما ذكرنا في القسم الأول وهو أصول الشريعة متفق على أنهم مكلفون بها ويقولون إن الخلاف إذن بفروع الشريعة هل هم مكلفون بها فيذكر خلافا في هذا
    ج----- هناك من نقل اتفاق على أن الكفار مكلفون بالنواهي دون الأوامر بمعنى أنهم مطالبون بالانكفاف عن المنهيات دون المأمورات فهم غير مأمورين بفعلها لعدم صحتها منهم في حال الكفر

    وهذا القول ذكره الزركشي في( البحر المحيط) وأستحسنه ولكن هذا الاتفاق يقدح فيه أنه سيأتي من يخالف في هذا من خلال الأقوال التي سنذكرها الآن ويقول : لا بل هم مكلفون أيضاً ً بالأوامر بما أنهم مكلفون بالنواهي وعلى كل حال هذه النقطة ذكر فيها بعض العلماء اتفاق وهو ليس على وجهه الصحيح

    خلاف العلماء في تكليف الكفار على عدة أقوال وسنختصر المسألة على أهم هذه الأقوال

    القول الأول :
    أن الكفار مكلفون بفروع الشريعة مطلقا الأوامر والنواهي بشرط تقدم الإسلام بمعنى أنه مكلفون بهذه الفروع بشرط أن يقدم عليها الإيمان وجعلوا هذا نظير مسألة تكليف المسلم بالصلاة بشرط الطهارة وقالوا المسلم مكلف بالصلاة بشرط أن يقدم عليها الطهارة فنظير هذا أن الكافر مكلف بالواجبات الشرعية من صلاة وصوم وزكاة إلى أخره بشرط أن يقدم عليها الإيمان \
    ومعنى هذا أن الكافر مطالب بفعل هذه الأمور وهي الصلاة والصوم والحج كما أنه مطالب بالإيمان ومعاقب على تركها إن كانت أوامر أو على فعلها إن كانت نواهي كما أنه معاقب على ترك الإيمان هذا معنى هذا القول وذهب عليه جمهور الأصوليين فهو عليه أكثر الشافعية وهو ظاهر مذهب الإمام مالك وأيضا نقل عن الإمام أحمد في أصح الروايتين عنه ونقل عن بعض الحنفية كالكرخي والخصاف منهم وقال الدبوسي أنه مذهب عامة مشايخ العراق من الحنفية ومن أدلة هذا القول قوله تعالى " ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين " ووجه الدلالة من هذا أنها دلت صراحة على أن الكفار مؤاخذون على ترك الصلاة وعلى ترك أطعام المسكين وأن تركهم لذلك موجب لتخليدهم في النار ولولا تكليفهم بهذه الأمور لما عوقبوا عليها وأيضا ً من أدلتهم في هذا المقام أن الله تعالى ذم قوم شعيب على الكفر ونقص المكيال وذم قوم لوط على الكفر وإتيان الذكور وذم قوم عاد على الكفر وشدة البطش فقال مثلا في قوم هود " وإذا بطشتم بطشتم جبارين " دل هذا الذم على أن هؤلاء الكفار مكلفون بهذه الأمور مكلفون مثلا ً بترك نقص المكيال كما أنهم مكلفون بترك الكفر مكلفون بترك إتيان الذكور كما أنهم مكلفون بترك الكفر ومكلفون بترك شدة البطش كما أنهم مكلفون بترك الكفر فدل هذا على أن الكفار مكلفون بالفروع كما أنهم مكلفون بالأصول واستدلوا أيضاً ً بأدلة أخرى منها قوله تعالى " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون فقالوا إن هذا أيضاً صريح ٌ بأن الكفار معذبون عذابا ً زائدا ً على عذاب الكفر ومادام أنهم معذبون عذابا زائدا ً فمعنى هذا أنهم مكلفون بتلك الأمور منها الصد عن سبيل الله ونحو ذلك كما ورد بدلالة هذه الآية وأيضا ً قوله تعالى " لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن " في شأن نكاح المشركات المسلمات للكفار وحتى الزركشي يقول عن هذه الآية و الآية السابقة وليس فيه أصلح منهما وأيضا ً من الأدلة على تكليف الكفار بفروع الشريعة قوله تعالى " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ثم قال وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة "
    هذا صريح بأن الكفار مكلفون بعبادة الله تعالى ومكلفون بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هذه طبعا ًجملة أدله منها أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين الذين زنيا ولولا تكليفهم بهذا لما رجمهم وهذا طبعا ً في باب العقوبات وهو خارج عن محل النزاع
    استدلوا أيضاً بدليل القياس فقالوا إن المؤمن يثاب عند الله تعالى ويستحق الثواب عند الله تعالى على امتثاله الأوامر واجتنابه النواهي زيادة ٍ على ثواب إيمانه قالوا فكذلك الكافر من باب أولى ينبغي أن يستحق العقاب على ارتكاب النواهي والعقاب على ترك الأوامر زيادة ً على عقاب ترك الإيمان من باب أولى وهذا استدلال كما قلنا بالقياس
    استدلوا أيضاً بدليل في هذا المقام قالوا أن الكفر لا يصلح مخففا ً وإذا قلنا بعدم تكليف الكفار بفروع الشريعة كان كفرهم سببا ً في التخفيف عنهم وهذا دليل لأصحاب هذا القول

    وهذه أدله متضافرة على القول أن الكفار مكلفون بفروع الشريعة مثل تكليفهم أيضاً بأصول الشريعة من الإيمان ونحو ذلك

    القول الثاني في هذه المسألة:
    أن الكفار غير مكلفين أو غير مخاطبين بفروع الشريعة من الأوامر والنواهي وهذا قول جمهور الحنفية قال عنه صدر الشريعة الحنفي : هو قول مشايخ ديارنا وأراد بذلك مشايخ ما وراء النهر ونسبه التفازاني إلى أبو زيد الدبوسي والسرخسي والبزدوي وقال هو المختار عند المتأخرين يعني من الحنفية وأبو زيد الدبوسي والسرخسي صرحا
    بان هذا القول ليس منقولاً عن الحنفية المتقدمين في هذه المسألة نصا ً وإنما أخذ من فروع الحنفية من فتاوى علماء الحنفية وذكروا عن الإمام محمد بن الحسن أن من نذر الصوم ثم أرتد ثم أسلم فإنه لا يلزمه قضاء ذلك النذر لأن الشرك أبطل كل عبادة فاستنبطوا من هذا القول أن محمد بن الحسن يرى أن الكفار غير مكلفين بفروع الشريعة ومن هذا مسألة عدم تكليفهم بالنذر هنا وهذا يدلنا على ما سبق و قررناه في أول حلقات هذا المنهج قلنا في منهج الحنفية وما تميز به المنهج أنهم يبنون قواعدهم الأصولية من خلال النظر في فتاوى علمائهم وأئمتهم فهم أخذوا من هذه الفتوى لمحمد بن الحسن وغيرها من الفتاوى
    أخذوا منها أن الكفار غير مكلفين وغير مخاطبين بفروع الشريعة
    والسرخسي من علماء الحنفية يقول : لا خلاف في أن الكفار مخاطبون بالأيمان والعقوبات والمعاملات في الدنيا والآخرة وأما في العبادات فبالنسبة للآخرة كذلك يعني مكلفين أما بحق وجوب الأداء بالدنيا فهي موضع خلاف ويشير بهذا إلى الخلاف الواقع بين الجمهور والحنفية في هذا المقام

    الحنفية ومن تبعهم في هذا المقام الذين رأوا عدم تكليف الكفار بفروع الشريعة استدلوا على هذا بجمله من الأدلة منها
    أولا ً : قالوا إن الأمر بالعبادة يقصد منه تحصيل الثواب والكافر ليس أهلا للثواب فلا يأمر بها وأيضا ً استدلوا بالحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله" أدعهم إلى شهادة لا إله إلا الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد أفترض عليهم خمس صلوات ...إلى أخر الحديث"
    قالوا هذا دليل على أن الأمر بالصلوات والزكاة وغير ذلك فيما أتى في أخر الحديث لا يكون إلا بعد طاعتهم بأن يؤدوا الشهادتين على وجههما فحينئذ ٍ يؤمرون بالصلاة وما تبعها فهذا دليل على أن الكافر لا يكلف بفروع الشريعة إلا بعد الإيمان استدلوا بدليل ثالث قالوا لو صح تكليف الكفار بفروع الشريعة لصح منهم فعلها لأنهم إذا أدوها كانوا موافقين للأمر فطبعا ًهذا دليلهم في هذا المقام وسيأتي إجابة عن أدلة الحنفية في هذا المقام بعد ذلك


    القول الثالث في المسألة :
    أن الكفار مكلفون بالنواهي دون الأوامر وسبق أن ذكرنا أن الزركشي نقل الاتفاق على هذا القول واستحسن هذا القول وقلنا أن فيه نظر لأن هناك من يخالف في هذا
    دليلهم في هذا قالوا أن الانتهاء أو الكف عن الشيء في حالة الكفر ممكن فإنه لا يشترط في الانتهاء قصد التقرب فيجوز التكليف في المنهيات والنواهي في حق الكفار بخلاف الأوامر فأنه يشترط فيها قصد التقرب إلى الله تعالى وهذا لا يتحقق من الكافر فحينئذ ٍ لا تصح منه وإذا كانت لا تصح منه فلا نقول بتكليفه هنا هذا بما يتعلق بالقول الثالث

    القول الرابع على عكس القول الثالث
    أن الكفار مكلفون بالأوامر فقط دون النواهي وهذا القول ذكره الزركشي ونقله عن ابن المرحل في كتابه ( الأشباه والنظائر ) وابن المرحل هو ابن الوكيل في كتابه الأشباه والنظائر ولعله أنقلب ممن قبله يعني عكس القول السابق قال ويرده الإجماع السابق على تكليف الكفار بالنواهي

    القول الخامس
    هو التفريق بين الكافر الأصلي والكافر المرتد قالوا الكافر المرتد مكلف بفروع الشريعة أما الكافر الأصلي فهو غير مكلف بفروع الشريعة وعللوا لهذا بأن الكافر المرتد ملتزم ٌ بأحكام الإسلام في الأصل بخلاف الكافر الأصلي فأنه غير ملتزم بأحكام الإسلام من الأصل وهذا القول لا يعرف له قائل والزركشي رد على هذا القول وقال لا معنى لهذا التفصيل لأن مأخذا النفي فيهما- يعني نفي التكليف للكافر الأصلي فيه- سواء وهو جهله بالله تعالى لأن الكافر الأصلي والكافر المرتد كلاهما جاهل بالله تعالى

    القول السادس :
    أن الكفار مكلفون بفروع الشريعة جميعها ماعدا الجهاد وعللوا استثناء الجهاد بأن الجهاد يمتنع عقلا ً أن يجاهد الكافر نفسه وهذا القول صرح به أمام الحرمين في كتابه نهاية المطلب في الفقه والحقيقة انه لا فائدة من هذا الاستثناء لأنه لا يتصور شرعا من الكافر أن يجاهد نفسه ولو حصل منه الجهاد بعد الإيمان يخرج عن موضوع المسألة التي نتكلم عنها

    القول السابع :
    التوقف في المسألة يقولون لا نقول بتكليفهم بفروع الشريعة ولا نقول بعدم تكليفهم لتساوي الأدلة في هذا المقام وعدم وضوح الترجيح في هذا المقام وهذا القول حكاه أبو إسحاق الأسفراييني عن أبي الحسن الأشعري وهو أيضاً مروي ٌ عن الأشاعرة في هذا المقام

    القول الثامن :
    هو التفريق بين الكافر الحربي والكافر غير الحربي
    فالكافر الحربي غير مكلف بفروع الشريعة وأما الكافر غير الحربي فهو مكلف بفروع الشريعة وهذا القول خرجه الزركشي من فروع الشافعية في الفقه فهم يقولون في القصاص والسرقة والشرب للخمر لا يجب حدها على الكافر الحربي لعدم التزامه بأحكام الإسلام بخلاف الكافر الذمي فإنه يجب عليه القصاص ويجب عليه حد السرقة وحد شرب الخمر لأنه ملتزم بأحكام الإسلام فخرج الزركشي من ذلك أن هذا يحتمل أن يكون قولا ً للشافعية في هذا المقام بأنه يقولون بتكليف الكافر غير الحربي والغير حربي لا يقولون بتكليفه

    والذي يترجح في هذا المقام هو القول الأول القائل بتكليف الكفار بفروع الشريعة مطلقا ً دون أن نفرق بين المأمورات والمنهيات أو بين الأوامر والنواهي إلا أن الأداء لا يصح من الكفار في هذه الحالة لأن صحة الأداء متوقفة ٌ على الإيمان والإسلام ولهذا نستطيع أن نقول إن اشتراط الإسلام في التكليف محمول على اشتراطه في نوع من التكليف وهو الأداء دون الوجوب فيكون الكافر حينئذ ٍ مكلف بفروع الشريعة ومكلفا ً بشرطها وهو الإيمان ومعاقب على تركها إن كانت أوامر وعلى فعلها إن كانت نواهي كما أنه معاقب على ترك الإيمان فهذا هو معنى القول الذي رجحناه في هذا المقام

    معنى تكليف الكفار بفروع الشريعة أنهم مطالبون بها في الدنيا كما أنهم مطالبون بالإيمان ومعاقبون عليها في الآخرة إما على تركها إن كانت أوامر وإما على فعلها إن كانت نواهي كما أنهم معاقبون على ترك الإيمان
    ولا يعني قولنا أنهم مكلفون بفروع الشريعة لا يعني ذلك أنهم لو فعلوها في الدنيا صحت منهم مع الكفر لأن صحة العبادة وفعلها مشروط بشرط تحقق الإيمان والإسلام لذلك نقول بناء على هذا لا يكون الإسلام شرطا في التكليف بل يكون الكافر مكلفا ً ولو لم يحقق فيه شرط الإسلام ومن يقول باشتراط الإسلام في هذه الحالة فيحمل على اشتراطه في نوع من أنواع الأهلية في الأداء أما الوجوب في الذمة فالإسلام ليس شرطا ً فيه فبهذا ربما يزول الخلاف الذي دائما يتكرر معنا في كل مسألة من مسائل التكاليف الشرعية فنقول : من يقول بأن الإسلام شرط في التكليف نحمله على انه شرط ٌ في الأداء بمعنى مادام أن الإسلام ليس متوافرا في الكافر فمعنى هذا أنه غير مكلف في جانب أهلية الأداء ومن يقول بأن الإسلام ليس شرطا ً والكافر مكلف
    فنقول : مقصود بذلك أنه مكلف في جانب أهلية الوجوب أو الوجوب في الذمة فتبقى هذه الأمور في ذمته حتى يسلم فإذا أسلم لازمه فعلها لكن تسقط عنه عقابها في الآخرة

    ويشهد في ترجيح هذا القول الذي قلنا أنه مكلف بفروع الشريعة ولا يعني أنها تصح منه إذا فعلها بل لا تصح منه إلا بتقدم شرط الإسلام يشهد لهذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حق الرجل الذي أراد أن يقاتل مع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو على الشرك قال له النبي صلى الله عليه وسلم أسلم ثم قاتل ولو صح منه القتال مع الكفر لما منع منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الذين قالوا أن الكفار مكلفون بفروع الشريعة مطلقا ً واستدلوا على هذا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ادعهم إلى شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد أوجب عليهم خمس صلوات فأن هم أطاعوا على ذلك فأعلمهم أن الله أوجب عليهم الزكاة فيما معنى الحديث
    وقد استدل به من قال أنه لابد من تقدم الإسلام حتى تجب الصلاة والزكاة فنقول هذا الحديث تمامه ينقض وجه الاستدلال الذي ذكروه فإن في وسطه وآخره بعد قوله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد أوجب عليهم خمس صلوات قال فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله فرض في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم ولم يقل أحد بأن التكليف بالزكاة موقوف على الاستجابة للصلاة فلابد من أن يخرج هذا الترتيب غير مقصود في هذا الحديث فيخرج هذا الترتيب عن ظاهره وأشار إليه أبن أمير الحاج من علماء الحنفية فنقول بهذا إن الترتيب في هذا الحديث إنما هو ترتيب الأهم فالأهم في الدعوة ولا ينافي هذا تكليفهم بجميعها

    والحقيقة إذا أتينا إلى ثمرة الخلاف في تكليف الكفار بفروع الشريعة هناك
    من يقول مع قولنا بوجود خلاف في المسألة إلا أن الخلاف هنا في الحقيقة خلاف لفظي فيحمل أقوال مختلفة كل منهما على غير ما يحمل عليه القول الأخر فنحمل قول المنكرين بتكليف الكفار بفروع الشريعة على أنهم لا يجبرون على أدائها في الدنيا و لا يعاقبون عليها في الدنيا وإن كانوا يعاقبون عليها في الآخرة ونحمل قول من قال بأنهم مكلفون بها على أنهم معاقبون عليها في الآخرة وإن لم يطالبوا بها في الدنيا وبهذا يحصل الاتفاق بين القولين

    والحقيقة أن العلماء متفقون على أن الكفار لا يجبرون على أداء العبادات في الدنيا ولا يعاقبون عليها فيها وإنما يعاقبون على جحودها وتركها في الآخرة وهذا باتفاق وهذا التأويل لكلام المختلفين في هذه المسألة أجاب عليه الشيخ بخيت المطيعي رحمه الله وأكد ضرورة ذلك وقال هذا أقرب إلى الصواب بل هو عين الصواب لأنه لا خلاف بمخاطبة الكفار بخطاب الوضع كما بينا ذلك ومن باب ربط الأسباب بمسبباتها على انه هناك من قال أن الخلاف في هذه المسألة خلاف معنوي وله ثمرة في الفروع الفقهية فقالوا أثرها في الآخرة هو كثرة عقاب الكفار في الآخرة فإنهم يعذبون على ترك الصلاة والزكاة والحج وعلى الزنا والسرقة وغيرها من الفروع كما أنهم يعاقبون زيادة على ترك الإيمان وأيضا على الشرك والكفر وأما الخلاف في الدنيا فقالوا وردت بعض المسائل التي يمكن أن ينبني عليها الخلاف في المسألة منها

    س---- الكافر إذا زنى هل يجب عليه الحد؟
    ج------ اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم بوجوب إقامة الحد عليه لأن الكفار مكلفون بفروع الشريعة ومنهم بعدم وجوب إقامة الحد عليه لأن الكفار غير مكلفون بفروع الشريعة وهذا الفرع يخرج محل خلاف لأننا قلنا باتفاق أن الكفار مكلفون بالعقوبات

    الفرع الثاني إذا نذر الكافر عبادة ً فهل يصح نذره وهل يلزمه الوفاء بها إذا أسلم اختلف العلماء بذلك منهم من قال يصح نذره ويلزمه الوفاء بها لأنه مكلف بفروع الشريعة ومنهم من قال لا يصح نذره ولا يلزمه الوفاء بها لأنه غير مكلف بفروع الشريعة

    مسألة ثالثه
    تنبني على الخلاف يذكرها من قال أن الخلاف معنوي يقول هل يجوز للكافر لبس الحرير اختلفوا في ذلك منهم من يقول لا يجوز له لبس ذلك بناء ً على أن الكفار مكلفون بفروع الشريعة ومنهم من يقول يجوز له ذلك لأن الكفار غير مكلفين بفروع الشريعة وعلى كل حال في هذا المقام في الخلاف فيها سعه في قضية ثمرة الخلاف فيها والأقرب والله تعالى اعلم أن الخلاف فيها يؤول إلى اللفظ وما ذكر من خلاف معنوي ربما ينسب إلى قضايا أخرى من الأمور التي بينا أنها خارجه عن محل النزاع


    من مادة اصول الفقه

    وموضوع هذه الحلقة يستمر الكلام فيه على موضوع حلقات سابقة وهومايتعلق بشروط التكليف وبخاصة شروط المكلف وسيكون الكلام عن شرطين هما الثامن والتاسع من شروط المكلف :

    الشرط الثامن: وهوالقدرة على الإمتثال
    الشرط التاسع: العلم بالتكليف

    أما الشرط الثامن من شروط التكليف المتعلقة بالمكلف وهو شرط القدرة على الإمتثال:
    فهذ الشرط محل إتفاق بين العلماء أنه لابد أن يكون المكلف قادرا على الإمتثال حتى يكون مكلف فينبني على هذا أن العاجز غير مكلف والمقصود بالقدرة على الإمتثال: القدرة على إمتثال المأمور به لأن المأمور به يطلب فيه فعل وهذا الفعل لابد أن تتحرك الجوارح للقيام به فيتعلق به القدرة وحينئذ يأتي موضوع العجز هل يمكن أن يتم هذا الأمر على وجهه الصحيح أو لايمكن اما النواهي فالواقع أنه لاتتعلق بها القدرة على الإمتثال لأن النهي يحصل إمتثاله بمجرد الإنكفاف عنه ويحصل هذا بمجرد ترك الفعل وهذا أمر مقدور في الجملة لجميع المكلفين وحينئد هذا الشرط ( الذي هو القدرة على الإمتثال ) يحمل على جانب المأمورات خاصة اما المنهيات فلا يتصور أن يرد هذا الشرط عليها.
    إذا تصورنا ذلك فإننا نقول أن العاجز غير مكلف ودل على ذلك أدلة كثيره منها :
    قوله تعالى : ( لايكلف الله نفسا إلا وسعها) وقوله تعالى: ( لايكلف الله نفسا إلا ماأتاها ) وقوله تعالى : (وماجعل عليكم في الدين من حرج )
    ويدل على التفريق بن المأمورات والمنهيات في هذا الجانب قوله صلى الله علية وسلم : (إذا أ مرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فانتهوا ) فهذالحديث يدل على أن الأوامر وفعل الأوامر بالشرع معلق بالإستطاعة

    ولذلك علق النبي فعل الأوامر على الإستطاعة ولم يعلق الإنتهاء عن النواهي بالإستطاعة وإنما قال و إذا نهيتكم عن شئ فانتهوا لأن في الغالب الإنتهاء عن المنهيات كما قلنا لايرتبط بالقدرة على الإمتثال ولايرتبط بالإستطاعة لأن المنهيات يحصل الإنكفاف عنها بمجرد تركها والترك لاصلة له بالقدرة على الإمتثال ولا بالإستطاعة فهذا الحديث دليل على تخصيص هذا الشرط بحانب المأمورات دون جانب المنهيات ويأتي هنا أمر وهو أن نقول أن العاجز غير مكلف والعجز مانع من التكليف لكن ينبغي أن نقول أن العجز يختلف من شخص إلى آخر ومن حال إلى اخرى فليس له ضابط محدد فيرجع في تقديره إلى المكلف نفسه الذي ينسب إليه العجز أو إلى أهل الخبره كالأطباء ونحوهم هذا مايتعلق بتقدير العجز فلانقول هذا شخص عاجز إذا حصل عنده كذا وكذا لانسطيع أن نضبط هذا الأمر فيترك الأمر إلى كل مكلف بحسبه
    فيتفاوت مثلا :بالنسبة للعجز عن الصلاه يتفاوت من شخص إلى آخر فإذا جاء شخص يقول هل يجوزلي أن أترك القيام في الصلاة لأني عاجز ثم جاء شخص آخر وقال هل يجوز أن أترك القيام لأني عاجر لايصلح أن نطلق العبارة ونقول نعم يجوز

    ينبغي أن نحقق بالعجزهنا مالمقصود بالعجز هنا لأن هذا الشخص قد يكون عجزه مبيح له ترك القيام والشخص الآخر قد لايكون كذلك فينبغي أن ننظر إلى تحديد العجز هنا بحسب قدرة الشخص على تحمل التكاليف الشرعية فيما بينه ويبن الله تعالى ديانة وأيضا إلى تقدير أهل الخبره بهذا لوأخبرنا طبيب ثقة أن هذا الشخص هذا يترتب على صلاته قائما أن يزداد مرضه أونحو ذلك ففي هذه الحالة نقول نعم يباح لك ترك القيام في الصلاة لكن ينبغي أن ننبه إلى أن العجز في الأصل يسقط العبادات: قد يسقطها بالكلية

    وقد يغييرهيئتها يعني قد يكون :
    1 - تخفيفا بطريق الإسقاط
    2 - أو تخفيفا بطريق التنقيص
    3 - أو تخفيفا بطريق التغيير
    لأن التخفيفات الشرعيه على أنوع منها مايكون تخفيفا بطريق الإسقاط مثال : لوكان عندنا شخص مسافر وسفره قبل صلاة الجمعه ولايصل إلى البلد الآخر إلا بعد صلاة الجمعه في الطائرة مثلا في هذه الحالة تسقط عنه صلاة الجمعة ويصلي صلاة الظهر فهذا تخفيفا بالإسقاط .
    وقد يكون الإسقاط تخفيفا بالتنقيص مثال: مسافر بهذه الحالة بدل أن يصلي أربع ركعات يصلي ركعتين

    التخفيف بالتغيير مثال: صلاة الخوف تغيير هيئة الصلاة لأن هناك فيه حالة عجز عن أداء الصلاة على وجهها الكامل المأمور به شرعا على كل حال لاينبغي أن نقول أن العجز يسقط العبادة دائما بالكلية وهذا في مثل حال المرض كشخص يستطيع الصلاة قائما ويستطيع القراءة قائما ففي هذه الحالة لانقول له صلي قاعدا حتى ولوكان مريضا لأنه يستطيع القيام ، وأيضا لو شخص مثلا يستطيع أن يصلي قاعدا ويقرأ ولو أنه صلى قائما لايستطيع القراءة فنقول في هذه الحالة صلي قاعدا لأجل تحصيل القراءة فهذا يكون بحسب تخفيف بالتغيير والتنقيص فعلى كل حال كل عجز بحسبه ولايعني أن العجز يسقط العبادة بالكليه بل قد يخففها بتغيير هيئتها أو يخففها بتنقيص مقدارها فينبغي أن نتنبه لهذا الشرط ولايعني أننا نقول القدرة على الإمتثال أن كل شخص لايستطيع أن يفعل فعلا أنه يسقط عنه الواجب بالكلية لأن الرسول صلى الله علية وسلم يقول: (إذا امرتكم بأمر فأتو منه ما استطعتم) هذا فيما يتعلق بشرط القدرة على الإمتثال

    أما فيما يتعلق بالشرط التاسع من شروط المكلف وهو العلم بالتكليف:
    وتمهيدا لهذا الشرط نقول أن هذا الشرط يعني أن من لم يعلم بالتكليف لايعد مكلفا بمعنى أن من لم يعلم أنه مكلف لايعد مكلفا مثلا من لم يعلم أن الصلاة واجبة لانقول أن الصلاة واجبةعليه ويعاقب على تركها أو مثلا من لا يعلم بأن الصوم أو الزكاة واجب عليه كما هو حال حديث العهد بالإسلام فهذا لايعد مكلفا فمن لم يعلم بالتكليف لايعد مكلفا بمفهوم المخالفة للشرط التاسع وهو العلم بالتكليف

    والدليل على اشتراط هذا الشرط قوله تعالى : (وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا) فقد نفى الله تعالى وقوع العذاب هنا على الامم الا بعد بعثة الرسل اليهم وتبليغهم احكام الشرائع ومعنى هذا ان من لم تبلغه دعوة الرسل لايستحق العذاب وهذا مثلا ممن هم في فترة ما بين بعثات الرسل وهذا فيه اختلاف بالحكم عليهم بين العلماء وهناك من يقول أنه في يوم القيامه يبعث إليهم من ينبئهم بأحكام الشريعه فإن هم أطاعوا دخلوا الجنه وإن هم عصوا دخلو النار فيكون لهم محل اختبار أيضاً ونفهم من الآية في قوله حتى نبعث رسولا أنه بعد بعثة الرسل يمكن مآخذة المكلفين على تفريطهم وتقصيرهم

    هل كل تكليف لايعلمه المكلف يسقط عنه ؟
    الكلام هنا محل تفصيل وهنا ياتي موضوع التكليف بحال الجهل فهل الجاهل مكلف ؟ الحقيقه ان موضوع الجهل محل تفصيل فعندنا التكاليف التي يحصل الجهل بها على اربعة انواع :
    اولها : الجهل بالله عزوجل وإنكار وجوده أوقدرته أو صفاته الثابتة بالنصوص القطعية وما يجب له من العبادة فهذا لايعذر به الإنسان بعد علمه بإرسال الرسل إلى الخلق وإنما قبله يعذر لدليل وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله تعالى ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا )
    وايضا قوله تعالى (فذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ) فهذه الآيات تدل على أن ظنهم السيء لن يعفهم من العقوبة وأن الله قد أرسل الرسل إلى الخلق قل تعالى: ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)
    وقد غرس الله الايمان بوجود الخالق في فطرة الانسان والدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (كل مولود يولد على الفطرة ) وبدلالة قوله تعالى ( فطرة الله التي فطر الناس عليها )

    وقد اعطى الله لكل إنسان عقل يتفكر فيه في خلق الله فيستدل به عليه فإذا سمع عن الإسلام ومايأمر به وماينهى عنه وجب علية أن ينظر فيه فإذا نظر في دين الإسلام بعقل متجرد عن الهوى اهتدى إلى أنه الدين الحق وقد قال عليه صلاة والسلام والذي نفس محمد بيده لايسمع بي احد من هذه الأمة ولايهوديا ولانصرانيا ثم لايؤمن بي الا أدخله الله النار ) فإذا تفكر عرف أنه الحق وإن أعرض كان مقصرا ملوما مستحقا للعقاب على تقصيره فلا نقول هنا أن الجهل عذر .

    النوع الثاني :الجهل بماهو معلوم من الدين بالضروره مثل الجهل بوجوب الصلاة والزكاة وحرمة الربا والزنا فهذا لايعذر به أحدا ممن عاش بين المسلمين لأن إما جهله يكون ناشئا عن تقصير وتفريط أو أن يكون ناشئا عن دعوى كاذبه فيدعي الجهل وهويعلم فلا يكون الجهل عذرا لشخص نشأ بين المسلمين ، أما حديث العهد بالإسلام فسيأتي الكلام عنه في القسم الرابع .
    النوع الثالث :الجهل في مواضع الإجتهاد والإشتباه مثل حرمة بعض أنواع البيوع وبعض الأحوال العارضه للإنسان في صلاته أو حجه فهذا النوع يسٍقط عن الجاهل اللوم والذم والعقاب ولكنه يلزمه إستدراك مافعله على غير الصفة الصحيحه إذا امكن ذلك من غير مشقة خارجه عن المعتاد .

    النوع الرابع :الجهل بالحديث العهد في الاسلام اومن عاش حياته في بلاد غير الاسلام فهذا جهله يعد عذرا مسقط له عن المآخده الاخرويه ولكنه يلزمه في هذه الحالة استدراك مافاته إذا امكن استدراكه كالجاهل بالغسل من الجنابة وحرمة الاخت من الرضاعة فهذا يعد الجهل به عذر مسقط له عن التكليف ولكنه بعد علمه يلزمه الاستدراك وماهوعليه من الجهل هذه احوال الجهل بالتكاليف الشرعية فهذا النوع الذي قلنا انه عاش في بلاد غير الاسلام أو عاش في الاسلام ولكنه عنده مسائل في الاسلام دقيقه لم تتضح له فمثل هذا يعذر بجهله ولايلحقه اثم ولكن يجب عليه استدراك مافاته إذا علم بحكم الله عز وجل ومن العلماء من يرى ان الجاهل إذا فاته شي لايلزمه استدراك مافاته الااذا كان ذلك في حقوق الادميين لأنه لايسقط حق الغير كما ذكر العلماء قاعدة في هذا المقام ( أن الإضطرار لا يبطل حق الغير )مثلا من وجد حطبا مجموع في برية فاحرقة ثم تبين له ان له مالك وطالبه به فيلزمه ضمان قيمته
    اذاَ الجهل يسقط الأمور التي سبق أن قام بها بحال الجهل به ويجب أن يستدرك ماقام به في حال الجهل من المأمورات وهذا الذي نرجح في هذا المقام إلا إذا كان الإستدراك يترتب عليه مشقة مثلا شخص صلى اكثر عمره وهويمسح على خف لا يلبسه على طهاره وهوجاهل فهل يعيد بهذه الحال ؟ هذه مشقه عظيمه عليه فتسقط عنه المطالبة في الدنيا وأمره إلى الله تعالى في الآخرة .

    هل إذا كان الشخص جاهلا بهذا الأمر يكون الجهل عذرا مانع للتكليف عنه ؟
    نقول الجهل فيه تفصيل في هذا المقام ولذلك فإن حقيقة الذي يترجح في جانب النسيان أيضاً يترجح في جانب الجهل فنحن قلنا في جانب النسيان أن النسيان يعد عذرا مسقطا للمنهيات إذا إرتكب الشخص شئ منهيا عنه نسيانا فإنه يكون معذور لأن النسيان يجعل الموجود معدوما ولكنه لايجعل المعدوم موجود وكذلك الجهل يجعل الموجود معدوما بمعنى لو إرتكب شخص منهيا عنه كان موجودا ولكن الجهل جعلة معدوما ويلزم
    عليه الاستدراك إلا إذا ترتب عليه مشقه عظيمة

    الجهل لايخلو من حالتين :
    الحالة الاولى :
    جهل بالاعيان التي يرتبط بها الأمر الشرعي: فهذه لوجهلها المكلف وفعلها فإنه يجعله بحكم المعدو م لأن
    الله تعالى إذا أمرنا بأمر كان ذلك الأمر مشروط بالقدرة عليها لدليل قوله صلى الله علي وسلم ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مااستطعتم ) فما عجزنا عن معرفته وجهلناه فإنه يسقط عنا ويكون بحكم المعدوم ومثال ذلك:
    أن الملتقط إذا جهل صاحب اللقطه فإنه يجوز له أن يتملكها بعد تعريفها حولا كاملا أي سنة كاملة وما لا يتملك منها يتصدق به
    وصاحب اللقطه هنا وإن كان موجودا إلا أننا نعده معدوما لأننا نجهله فإذا قلنا أننا نبحث عنه ففي ذلك مشقه عظيمه وكذلك من الأمثلة لو مات شخص وجهل وارثه فإن مال هذا الشخص يصرف في مصالح المسلمين لأن وارثه معدوما والجهل يجعل الشئ الموجود معدوما بهذا الجانب.
    الحاله الثانية :
    الجهل بالتصرف المنهي عنه والوقوع فيه بناءا على هذا الجهل: فإن في هذه الحالة يأتي
    الكلام السابق إذا كان منهي عنه فإن الجهل يجعل الموجود كالمعدوم وإن كان مأمور به فإن الجهل لايجعله معدوما بل إننا نطالب هذا الشخص بإيجاد هذا المأمور به وإستدراكه إلا إذا ترتب على ذلك مشقه عظيمه ،

    وماترجح لدينا في النسيان في جانب المنهيات يترجح لدينا في الجهل بجانب المنهيات بأن نقيد الجهل بأن يكون الوقوع في فعل المنهي عنه
    مما يمكن تلافيه بالإلتفاف عنه بحيث لايكون هذالفعل إتلافا أو متضمنا معنى الإتلاف وأن لا يكون الجهل بالشئ حاصلا مع التمكن من العلم به أي مع إمكان دفع الجهل وأن لايكون المنهي عنه جهلا متعلقا بإتلاف حق من حقوق العباد فإن الجهل حينئذغير مؤثر في هذا المقام بل يجب على الشخص ضمان ما حصل من إتلاف فحصل من ذلك أن الجهل مؤثر مثل النسيان تماما في جانب التصرفات يؤثر في جعل الشئ الموجودالمقصود من المنهيات كالمعدوم أي كأن لم يكن والشخص في هذه الحالة غير مكلف بهذا المنهي عنه وغير مستحق للإثم
    وأما المأمورات فلايؤثر الجهل بجعل المعدوم موجود فنقول أن الجهل هنا لايؤثر وعلى الشخص الجاهل أن يأتي بالمأمور به و يستدركه غير آثم بهذا الحالة ولا يستحق الإثم بجهله ولكن عليه أن يستدركه إلا إذا ترتب عليه مشقة عظيمه فلا يلزم استدراكه .
    هذا مايتعلق بالشرط التاسع والأخير وبه نختم شروط المكلف وهو العلم بالتكليف والكلام سيأتي في الحلقة القادمه عن شروط الفعل المكلف به

    وبهذه الحلقة نختم الكلام على موضوع التكليف وقد تكلمنا في حلقات سابقة عن شروط التكليف المتعلقة بالمكلف وفي هذه الحلقة سيكون كلامنا عن شروط التكليف المتعلقة بالفعل المكلف به

    وعندنا في الفعل المكلف به أربعة شروط :
    الأول: أن يكون الفعل معلوما
    الثاني : أن يكون الفعل معدوما
    الثالث : أن يكون الفعل حاصلا بكسب المكلف
    الرابع : أن يكون الفعل ممكنا أو مقدورا للمكلف

    أما الشرط الأول
    أن يكون الفعل معلوما: فالمراد بهذا أن تكون حقيقة الفعل المأمور به معلومة غير مجهولة
    أيضا يكون الأمر به معلوما لدى أهل العلم من المكلفين بان تكون الأدلة عليه منصوبة ظاهرة

    ووجه التعليل لاشتراط هذا الشرط :
    أن الأمر بغير المعلوم عبث ينزه الله تعالى عنه وليس المراد بهذا الشرط أن يعلمه كل مكلف بل يكفي أن تكون الدلائل منصوبة على التكليف بحيث يعرفها من طلبها.
    قد يسأل سائل فيقول : ما الفرق بين هذا الشرط والشرط السابق الذي ذكرنا انه من شروط المكلف وهو العلم بالتكليف ؟
    والحقيقة أن هذا الشرط يختلف عن ذلك الشرط لأن ذلك الشرط يشمل كل مكلف وبذلك وقع الخلاف في جزئياته أما هذا الشرط الذي معنا وهو أن يكون الفعل معلوما للمكلف به فهو شرط للفعل نفسه بغض النظر عن آحاد المكلفين بخلاف الشرط السابق فينظر فيه إلى المكلفين .

    فإذا كان الفعل معلوم المقدار وعلم الأمر به من بعض المكلفين صح التكليف به ويجب على من جهل مقداره أن يطلب العلم به من أهله
    وأما مؤاخذة كل مكلف بتقصير ه فعلى حسب تقصيره : فان كان مقصرا يلحقه الإثم على تقصيره وإلا فلا
    والحقيقة أن هذا يختلف باختلاف اشتهار التكليف لذلك الفعل وعدم اشتهاره فكما سبق انه إذا كان من المأمور معلوم بالدين من الضرورة فلا يعذر بجهل بعض تلك الأفعال , وان كان من غير الأمور المعلوم بالدين من ضرورة من الأوامر التي تشتبه فهذه يعذر بجهلها كحديث عهد بالإسلام أو من عاش بعيد ليس قريب من أماكن العلم فهذا يمكن أن يعذر

    الشرط الثاني
    أن يكون الفعل معدوما :ومعناه أن يكون الفعل غير حاصل حال الأمر به وان كان مأمورا به وذلك لأن الحاصل
    لا يمكن تحصيله كماه هي القاعدة العقلية بهذا المقام كمن صلى الفجر لا يؤمر بالصلاة بعد فعله لها إذا جاء بها على وجهها الصحيح وهذا لشرط لا ينطبق إلا على جانب المأمورات أما المنهيات فيمكن أن يكون الفعل معدوما كما ينهى المسلم عن الزنا وهو لم يرتكبه وعن الكذب وهو لم يكذب ويمكن أن يكون موجودا كما ينهى الكاذب عن كذبه حالة كذبه وهو مباشر لهذه الأفعال

    ومورد هذا الشرط وهو أنه يرد على المأمورات دون المنهيات : يعني قل من أشار إليه وقد أشار إليه شيخنا عياضة السلمي في كتابة أصول الفقه الذي لا يعذر الفقيه بجهله أشار إلى هذا الفرق و مورد الشرط ونبه إلى انه لن يختلف على اختصا ص هذا الشرط لجانب المأمورات دون المنهيات على أن هذا الشرط وهو اختصاصه بالمأمورات كما قلنا إن يكون الفعل معدوما بحيث لا يكلف بشيء موجودا قد أوجده المكلف أي
    لا يكلف به مرة ثانيه لكن ينبغي أن نبنه إلا إن المقصود إذا كان موجودا وجودا شرعيا موافقا للشرع موجودا موجودا شرعيا بحيث أن يكون الفعل المكلف به المكلف صحيحا وأما إن كان فيه خلل بمعنى أن يكون فاسد فهذا لا يعتبر بوجوده بل قد يكون بحكم المعدوم ويؤمر بفعله مرة ثانية مثل من اوجد صلاة دون طهارة فهذا وجدها فهل نقول انه لا يؤمر بها مرة ثانية ؟ في هذه الحالة الصلاة التي أتى بها المكلف وان كانت موجودة حقيقة ولكنها بحكمها الشرعي معدومة لأنها فقد ت شرط من شروطها فينبغي أن نقول إن هذا الشرط وان كان منصبا على جانب المأمورات دون جانب المنهيات فانه أيضاً بجانب المأمورات ليس على إطلاقه بل نقول نعم يشترط أن يكون الفعل معدوما فان كان موجودا وجودا شرعيا فلا يؤمر به المكلف مرة أخرى أما إذا كان وجوده وجودا حكميا فانه ينبغي أن لا يقال انه موجود بل يأخذ حكم المعدوم ويمكن أن يؤمر بفعلة مرة ثانيه هذا ما يتعلق بهذا الشرط .

    الشرط الثالث
    أن يكون الفعل حاصلا بكسب المكلف : وهذا الشرط يقصد به أن يكون هذا الفعل الذي حصل من المكلف حاصلا بفعله لا بفعل غير أو بكسبه لا بكسب غيره مثلا لا يمكن أن يؤمر شخصا بفعل قد كلف به شخصا آخر وهذا الشرط كما ذكر بعضهم شرط عقلي ولكن له ما يسنده شرعا كقوله تعلى ( ولاتزر وازرة وزر أخرى ) فالإنسان لا يحاسب بفعل غيره وإنما يحاسب بفعله هو .
    استشكل بعض العلماء على هذا الشرط كيف نقول انه لا نشترط بفعل المكلف به أن يكون حاصلا بكسب المكلف ثم نأتي إلى بعض الأحكام الفقهية فنجد أن الشخص قد يكون مكلف بنتيجة فعل غيره فمثلا العاقلة تجب عليها الدية في حالة القتل الخطأ مع أن القتل صدر من القاتل وليس من العاقلة ؟
    العلماء أجابوا أن هذا ليس من باب الحكم التكليفي وإنما هو من باب الحكم الوضعي الذي يتعلق بربط الأسباب بمسبباتها فجناية الشخص سبب في دية العاقلة وهذا قالوا معنى معقول وموجود مثله بأحكام الشريعة هذا
    ما يتعلق بالشرط الثالث

    الشرط الرابع
    وهو أن يكون الفعل ممكنا :بمعنى كما قالوا أن يكون مقدورا للمكلف ومعناه أنه إذا كان الفعل غير ممكن بمعنى غير مقدور للمكلف فانه لا يكلف به هذا من حيث الأصل بمعنى لا يصح التكليف بغير الممكن أو بغير مقدور هذا هو مفهوم هذا الشرط لكن ما كان ممكنا ومقدورا للمكلف ولكن في فعله مشقة فهذا وقع التكليف به ولكنه هل هذه المشقة تخفف الحكم الشرعي أو لا تخففه هذه محل نظر ومحل تفصيل يأتي إن شاء الله في باب الرخصة لكن مسألتنا هذه أن يكون الفعل غير ممكن تماما للمكلف بمعنى أن يكون مستحيلا في هذه الحالة ففي هذه الحالة يكون على هذا الشرط غير مكلف المرء بهذا الشيء المستحيل
    .
    قولنا أن يكون الفعل ممكنا أو مقدورا :معناه أن لا يكون ممتنع الوقوع عقلا أما إذا كان ممكن الوقوع عقلا فانه لا يكلف به .
    الأشاعرة خالفوا في هذا الشرط فأجازوا التكليف بالمحال ولكن بنوع منه كما يأتي وقد لا يسمى هذا النوع مستحيلا وسوف يأتي الكلام بهذا
    وإجازتهم له من الناحية العقلية ولكن اختلفوا في وقوعه بالشرع وأكثر الأشاعرة لا يرى وقوعه شرعا وهذه المسالة تسمى اختصار بالتكليف المحال أو التكليف بما لا يطاق وعندما نأتي إلى محل الخلاف نجد فيها اختلاف لكن ينبغي أن نعرف أن هناك نقاط ليس بها اختلاف منها المستحيل عقلا هذا يتفق الجميع على أن المرء غير مكلف به مثال : أن يجمع بين القيام والجلوس بوقت واحد هذا لا يمكن عقلا فلا يكلف به المرء وأيضا المستحيل عادة مثلا الصعود إلى السطح بلا سلم هذا غير ممكن في العادة . لكنه في العقل ممكن فيتصور أن يحصل منه هذا مثلا أن يقفز الشخص إلى السطح وهذا ممكن أن يحصل ولكن بالغالب لا يمكن أن يصعد الشخص إلى السطح بلا سلم وهو مستحيل عادة فهذا وقع الاتفاق انه لا يقع التكليف به ولكن يبقى الكلام في مسالة المستحيل الذي تعلق علم الله تعالى الأزلي بعدم وقوعه وأيضا نقل بعضهم أن هذا لاخلاف في جوزا التكليف به ووقوعه ولكن الصواب أن هذا لا يسمى مستحيل


    فإذن عندنا نوع اتفقوا على عدم وقوعه وهو المستحيل عادة والمستحيل عقلا
    ونوع اتفقوا أو نقل عدم الخلاف في جواز التكليف به ووقوعه شرعا وهو المستحيل أو غير الممكن الذي تعلق علم الله الأزلي بعدم وقوعه
    لكن بعضهم يقول هذا ليس من المستحيل بل هو من الممكن بمقتضى العقل والعادة لأن علم الله بعدم وقوع هذا الشيء أمر مغيب عنا ولم نكلف بمعرفته ولا ببناء الأحكام عليه
    ومثل هذا :التكليف بالإيمان بمن علم الله تعالى انه يموت على الكفر وكذا التكليف بالصلاة لمن علم الله تعالى انه لا يدرك الصلاة

    فالمثال الأول لا خلاف في جوازه ووقوعه في الشرع والمثال الثاني وقع فيه الخلاف والخلاف لفظي لأنهم اتفقوا على أن هذا الشخص معذور إذا مات وهو عازم على الصلاة في آخر وقتها أو كان ساهيا عنها فهذا معذور, أما إذا كان ذاكرا عازما على الترك وتركها فانه يأثم وعلم الله تعالى بهذا انه يتركها فيأثم على ذلك القصد السيئ على الصحيح وقد قيل لا يلزمه العزم بل يكون معذورا إذا مات قبل مضي الوقت والمسالة فيها تفصيل لكن نشير أن هناك من يقول إن هذا المسالة محل اتفاق لأنهم يتفقون على انه معذور إذا مات وهو عازم على الصلاة فيخرج اختلافنا إلى أن يكون اختلافا لفظيا .

    الأدلة الدالة على عدم وقوع التكليف شرعا بما لا يطاق سواء كان مستحيل عقلا أو عادة:
    فالمسالة تأتي إلى جواز التكليف بالمستحيل بغيره كما يعبر عنه أو بالمستحيل الذي تعلق علم الله الأزلي بعد م وقوعه مثل هذا يمكن أن يكلف به المرء ؟
    هذا الكلام فيه وتسمى المستحيل لغيره وبعضهم يقول هذا ليس من باب المستحيل

    أما الأدلة على عدم امتناع التكليف شرعا بما لا يطاق أو بالمستحيل عادة وعقلا فمنها:
    الدليل الأول : قوله تعالى ( لا يكلف الله نفسا وسعها )
    ووجه الاستدلال: أن الله تعالى اخبر ولا شك أن خبر ه صدق انه لا يكلف الإنسان بما لا يطيق ولا شك أن المستحيل عادة أو عقلا غير داخل تحت الوسع والطاقة
    والدليل الثاني : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج )
    ووجه الاستدلال من هذه الآية : أن الله تعالى اخبر ولا شك أن خبره صدق انه لم يجعل في ديننا حرج ولاشك أن التكليف بالمستحيل عادة أو عقلا في التكليف به فيه حرج عظيم ومن دلالة الآية لا يمكن
    وأيضا من الأدلة قوله تعالى : (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )
    ووجه الاستدلال من هذه الآية:أن التكليف بالمستحيل فيه عسر ومشقه والله اخبر انه لا يريد بنا العسر ومعنى هذا انه لن يكلفنا بما لا نستطيعه
    ومن الأدلة قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم )
    ووجه الاستدلال منه :انه يدل على عدم وجوب القيام بالعمل الشاق الذي لا يستطيعه الإنسان وان كان ممكنا فمن باب أولى أيضاً التكليف بالمستحيل الذي لا يستطيعه الإنسان أصلا كالمستحيل عادة أو عقلا .
    ومن الأدلة أيضاً استقراء أحكام الشريعة وفروعها وما ورد فيها: فإننا عندما نتتبع أحكام الشريعة نجد انه لا يوجد فيها تكليف بمستحيل عادة أو عقلا
    ودليلا آخر أن المستحيل عادة أو عقلا لا يتصور وقوعه وما لا يتصور وقوعه فانه لا يعد شيئا والذي ليس بشي لا يمكن أن نؤمر به.
    هذا ما يتعلق بالمستحيل عادة وعقلا ونقل عن الأشاعرة أنهم ذهبوا إلى جواز التكليف بما لا يطاق أو المستحيل وزعموا ا انه مذهب أهل السنة والجماعة واختلفوا في وقوعه فذهب بعضهم إلى انه جائز وممكن وقوعه
    وذهب بعضهم إلى عدم وقوعه رحمه ورأفة من الله عز وجل بعباده وقد ذكر الرازي وهو احدهم في كتابه المحصول أدلة كثيرة تدل على وقوع التكليف بالمستحيل أو بما لا يطاق في شريعة الإسلام ومن قال بجواز التكليف بما لا يطاق نناقشه فنقول :
    إن كان مرادك الجواز العقلي فإننا لا ندعي أن العقل هو المانع منه لا نقصد أن العقل هو الذي منع عن التكليف بما لا يطاق أو المستحيل ولكن الدليل الذي دل على امتناعه التكليف بالمستحيل عقلا أو عادة هو دليل الشرع وقد مر بنا جمله من الأدلة الدالة على امتناع التكليف بالمستحيل عادة وعقلا في الشرع .

    وأما الذي قال منهم انه واقعا شرعا فقد استدلوا على ذلك بادله منها قوله تعالى( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به )
    ووجه الاستدلال من ذلك أنهم قالوا إن هؤلاء قد دعوا الله تعالى أن لا يحملهم مالا يطيقون فدل ذلك على أن هذا ممكن الحصول لأن الشيء الذي لا يمكن حصوله لا فائدة من دعاء الله بعدم إيقاعه علينا فدل على أنهم لما دعوا الله تعالى في عدم إيقاع هذا الأمر عليهم دل على انه ممكن وقوعه فانه لو لم يمكن هذا حصوله ما سألوا الله تعالى إلا يحملهم مالا طاقة لهم به لأنه في هذه الحالة سيكون ممتنعا والممتنع لا يشرع أن يسال الله تعالى رفعه أو منعه فحينئذ أو كما يقال انه لا يجوز مثلا أن يقول الشخص اللهم لا تظلمني لأن الظلم لا يمكن أن يقع من الله تعالى للعبد فمادام انه لا يمكن وقوعه فلا يشرع دعاء رفعه أو منعه.

    فبدعائهم دل على انه يمكن أن يقع عليهم التكليف بما لا يطيقون فدعوا الله تعالى أن لا يوقعه عليهم ويجاب على ذلك عن وجهين :
    الوجه الأول : أن المراد بما لا طاقة لهم به في هذه الآية الشيء الشاق وليس المستحيل عقلا أو عادة.
    والوجه الثاني :أن الله تعالى قد استجاب دعاءهم كما ثبت في صحيح مسلم بان الله قال : قد فعلت بعد دعائه بهذه الآية واستجابته تدل على عدم وقوعه .
    واستدلوا بدليل ثاني قالوا فيه أن أبا لهب مكلف بالإيمان مع علم الله عز وجل بأنه لا يؤمن وقوع خلاف علم الله تعالى محال أو مستحيل فيكون قد كلف بالإيمان وهو محال وقوعه منه وقد ساق الآمدي هذا الدليل بعبارة أخرى قال إن الله تعالى اخبر ا ن أبا لهب من أهل النار بقوله( سيصلى نارا ذات لهب ) ومع ذلك أمره بالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ومما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية التي تدل على عدم إيمان أبي لهب وانه سيدخل النار فيكون أبو لهب قد أمر بان يصدق بأنه لن يؤمن وهذا مستحيل ويجاب عن هذا من وجهين :
    الوجه الأول :أن هذا ليس بالمستحيل لأن إيمان أبي لهب لم يكن مستحيلا في حياته فلم يكن بينه وبين الإيمان حائل وإنما منعه من الإيمان كبره وعناده
    والاختلاف بيننا وبين الأشاعرة في هذا المقام في المستحيل عقلا وعادة والمثال الذي ذكر دليله هنا هو المستحيل المتعلق علم الله الأزلي بعدم وقوعه
    والوجه الثاني : أن الآية ليس فيها نص على انه لن يؤمن بل فيها انه سيصلى النار وقد يدخل النار المؤمن وتمحص ذنوبه ثم يخرج منها كما قال تعالى ( وان منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) وهذا القول قد نسب إلى أبي حسن الأشعري القول بان التكاليف الشرعية كلها مما لا يطاق تشريعا على قوله بان أفعال العباد مخلوقة لله وان الله هو خالقها وقوله إن القدرة على الفعل لا تتقدم على الفعل والصحيح انه لا يلزم القول بان أفعال العباد مخلوقة لله أن تكون التكاليف الشرعية مما لا يطاق لأن القول بخلق الأفعال لا يناقض القول بان العبد هو الفاعل لفعله حقيقة فإذا أثيب أو عوقب فإنما يثاب ويعاقب على فعله وأما قوله بعدم تقدم القدرة على الفعل غير مسلم
    وختام هذه المسالة ننبه إلى أمر مهم وهو قول الجمهور القائلين بعدم التكليف بما لا يطاق أو المستحيل شرعا هو الراجح في هذا المقام لما عرفنا من تتبع أحكام الشريعة واستقراءها وان كل ما مثل به القائلون بوقوع ذلك من الأشاعرة إنما هي من الأمثلة المستحيلة أو للمحال الذي تعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه لا من حيث إمكان وقوعه وتصريف هذه الأشياء مستحيلات لذاتها هذا غير مقبول ولذلك لا تدخل في موضوعنا هنا بل هي من قبيل الأمر الممكن وهو المستحيل الذي تعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه هذا ما نسميه مستحيلا فما ذكروه من أمثله في هذا المقام لا تدل بالتكليف المستحيل بطرق عامه إنما تقصر على موضوع المستحيل بغيره أو المستحيل الذي تعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه وهذا نحن نقول بعدم وقوعه وربما هم أيضاً يوافقون على قول عدم الوقوع
    وبهذا نختم الكلام عما يتعلق بشروط التكليف المتعلقة بالفعل المكلف به وهي أربعة شروط كما ذكرنا و أيضاً نختم كلامنا عن مسائل التكليف وابتدءا من الحلقة القادمة سيكون كلامنا عن القسم الثاني من أقسام الحكم الشرعي وهو الحكم الوضعي


    الحكم الوضعي : الوضعي منسوب إلى الوضع والوضع في اللغة يأتي بمعنى الإسقاط ويأتي بمعنى الترك ويأتي بمعنى الافتراء ويأتي بمعنى الولادة يقال وضع عنه دينه إذا أسقطه ويقال وضعت الشيء هناك إذا تركته هناك ويقال وضع الرجل الحديث إذا افتراه ويقال وضعت المرأة حملها إذا ولدته .
    في الاصطلاح:خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بجعل الشيء سببا لشيء آخر أو شرطا له أو مانعا منه أو بجعله صحيحا أو فاسدا أو بجعل الشيء عزيمة أو رخصة أو بجعله أداء أو قضاء أو إعادة .
    معنى خطاب الله تعالى : أي وارد من الله تعالى أي أن الحكم الوضعي موضوع من الله تعالى لأنه قد يرد على بعضهم أنه وضعي من وضع البشر وهذا ليس هو المقصود .

    هل الحكم التكليفي موضوع من الله تعالى ؟ نعم لكن الفرق بين الحكم التكليفي وبين الحكم الوضعي أن الحكم التكليفي ومقصود لذاته لمعنى في نفسه أما الحكم الوضعي وضعه الله سبحانه ليس مقصودا لذاته وإنما مقصوداً لغيره بمعنى أن الله وضعه ليكون خادماً للحكم ألتكليفي ولولا وجود لما استطعنا القيام بالأحكام التكليفية.

    فالأحكام الوضعية عبارة عن أمور كلية وضعت كمعرفات للشرع كما ذكر العلماء وهي وصف متعلق بحكم تكليفي وهذا الوصف إما أن يكون شرطاً أو مانعاً أو سبباً أو صحة أو فساد أو عزيمة أو رخصة أو أداء أو إعادة مثلا: وقت الصلاة وضع ليعرفنا متى نقيم الصلاة فهو سبب يعرفنا متى نقيم الصلاة والطهارة مثلاً شرط لصحة الصلاة فهي تعرفنا متى تكون الصلاة بهذه الصورة صحيحة ومثلا الرجم في الزنا بشرط وجود الإحصان فهذه الأحكام التي لا نعرف وجود الحكم التكليفي إلا بوجودها أو لا نعرف انتفاء الحكم التكليفي إلا بانتفائها تسمى أحكاماً وضعية.

    أقسام الحكم الوضعي
    السبب والشرط والمانع والصحة والفساد والرخصة والعزيمة والأداء والقضاء والإعادة
    وهي ليست محل اتفاق أنها داخلة تحت الحكم الوضعي بل أن هناك من يخرج بعضها فقد وقع خلاف بالصحة والفساد هل هي أحكام وضعية أو عقلية والرخصة والعزيمة هل هي أحكام وضعية أم هي أحكام تكليفية

    أضاف بعضهم للأحكام الوضعية أقساما أخرى وهي التقديرات الشرعية وهي: إعطاء الشيء شرعاً حكماً بخلاف واقعه التفاتاً إلى وجه شرعي معتبر كأن يعطى الشيء الموجود حكم المعدوم أو أن يعطى الشيء المعدوم حكم الموجود أن يعطي الشرع الشيء حكما بخلاف واقعه سواء كان موجوداً أو عدمه لوجود وجه شرعي يقتضي هذا الإعطاء
    مثلا الماء إذا كان موجوداً ويحتاجه شخص لشربه فيعطى حكم المعدوم ونقول لهذا الشخص تيمم وإعطاء المعدوم حكم الموجود مثل المقتول خطأ تورث عنه ديته وهي إنما تجب بموته لأنه قبل موته مالك لنفسه فلا يجمع له بين العوض والمعوض والدية لا تورث عنه إلا إذا دخلت في ملكه وبعد الموت يستحيل التمليك فيقدرون دخولها في ملكه قبل موته حتى تنتقل إلى ورثته فالدية تورث عن الميت ولا يستحقها الشخص إلا بعد موته وبعد الموت هو لا يمكن أن يملك فيقدرون أنه ملكها قبل موته فيقدر الملك المعدوم بعد الموت يقدر موجوداً قبل الموت لأن الورثة سيرثون عنه ولا يمكن أن نجد له وجه شرعي إلا بهذه الصورة والتخريج . وأدخل بعضهم الحجاج وهي التي يستند إليها القضاة في الإحكام كالشهود والإقرار و اليمين مع النكول أو مع الشاهد الواحد وإدخالها في أقسام الحكم الوضعي محل نظر عند الأصوليين لأن المشهور عندهم ما ذكرنا .
    - تسميات الحكم الوضعي يسمى بخطاب الوضع لأن الله تعالى وضعه ليكون علامة لوجود الحكم التكليفي أو انتفاء الحكم التكليفي

    - ويسمى خطاب الإخبار لأنه يفيدنا فقط مجرد الإخبار إما بوجود الأحكام التكليفية أو بانتفائها فالطهارة مثلاً تفيدنا بأن الصلاة يمكن أداؤها أو لا يمكن أداؤها وإحصان الزاني مثلاُ يدل وجوده على وجوب الرجم .


    السبب لغة: ما يتوصل به إلى الغرض المقصود ومنه الطريق ومنه الحبل ومنه الباب قال تعالى((فأتبع سببا)) أي طريقا وقوله تعالى (لعلي أبلغ الأسباب)) أي أبواب السماء.
    الاصطلاح_عند الجمهور_ : وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي
    وقولنا وصف : يعني معنى وقولنا :ظاهر يعني غير خفي ومعنى ظهوره أن يكون معلوماً يمكن إدراكه بأحد الحواس المعلومة وقولنا :منضبط يعني محددا لا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ونحو ذلك وقولنا : دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي: لابد من دليل من الكتاب والسنة على أن هذا الوصف الظاهر المنضبط يعتبر سبباً لحكم شرعي ومعنى هذا أن العقل لا ينشئ الأحكام الوضعية وإنما الذي ينشئها الشرع ومعنى قولنا: أن يكون معرفاَ لحكم شرعي أن يكون ذلك الوصف علامة على وجود الحكم الشرعي بحيث يوجد الحكم بوجوده وينتفي بانتفائه .
    وهناك تعريف مشهور عند الأصوليين وذكره القرافي :هو ما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته ومعنى هذا : أن السبب أمر جعل الشارع وجوده علامة على وجود الحكم وعدمه علامة على عدم الحكم فالزنا مثلا سبب في وجود الحد فإذا وجد الزنا وجد الحد وإذا انتفى الزنا انتفى الحد.
    فقولنا: ما يلزم من وجوده الوجود يخرج الشرط لأنه لا يلزم من وجوده الوجود مثل الطهارة فإنها لا يلزم من وجودها صحة الصلاة فقد لا تصح لسبب آخر.
    وقولنا: لا يلزم من عدمه العدم أي يلزم من عدم السبب عدم وجود المسبب وهوالحكم مثل الحد في الزنا وهذا القيد يخرج المانع لأن المانع لا يلزم من عدمه العدم بل المانع يلزم من وجوده العدم مثلا الدين مانع من الزكاة فلا يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة بل قد تجب الزكاة وقد لا تجب
    وقولنا : لذاته أي لخاصة نفسه ويحترز بهذا القيد عن ما لو اقترن مع السبب فقدان الشرط أو وجود للمانع فإنه إذا اقترن به فقدان الشرط انعدم الحكم ليس لذات السبب بل لفقدان الشرط وقد يقترن به وجود مانع فينعدم الحكم ولكن ليس لوجود السبب لكن لوجود المانع.

    والجمهور لم ينظروا إلى مناسبة الحكم مناسبة ظاهرة سواء كان مناسبا أو غير مناسب إلا أنه إذا كان مناسبا للحكم مناسبة ظاهرة يسمى علةً وسبباً وإن لم يكن مناسبا له مناسبة ظاهرة فإنه يسمى سببا فقط ولا يسمى علة فمثلا زوال الشمس سبباً لصلاة الظهر ونحن لا ندرك المناسبة-الحكمة- من زوال الشمس سبب لصلاة الظهر فيسمى سبباً فقط لأن الحكم غير مناسب مناسبة ظاهرة عند –الجمهور_.

    أما إذا كان مناسب مناسبة ظاهرة مثل الإسكار فإنه سبب لتحريم الخمر فالحكمة والمناسبة ظاهرة وهو أنه سبب في زوال العقل وإضاعته ولذلك يسمي هذا جمهور الأصوليين سبباًَ وعلة لأن الحكمة والمناسبة ظاهرة .وإذا لم تكن المناسبة ظاهرة يسمى سببا فقط

    o أما الحنفية فعرفوا الحكم الوضعي :بأنه ما يكون طريقا الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود ولا يعقل فيه معاني العلل.
    o فقولهم: ما يكون طريقاً للحكم يعني يفضي إليه فيدخل فيه السبب والعلة والشرط وغيرها مما يكون طريقاً إلى الحكم.
    o وقولهم من غير أن يضاف إليه وجوب : من غير أن يضاف إليه ثبوت و يخرج هذا العلة لأنها يضاف إليها وجوب الحكم.
    o وقولهم : ولا وجود يخرج الشرط فإن وجوب الحكم يضاف إلى وجود الشرط ثبوتاً عندهم.
    o وقولهم ولا يعقل فيه معاني العلل : أي لا تعقل فيه الملاءمة والتأثير فلا يوجد للسبب تأثير فالحكم في أي وجه من الوجوه ولذلك احترزوا بهذا عن العلة لأن لها تأثيرا في الحكم ولها ملاءمة للحكم .
    o (التفريق بين السبب والعلة عند الحنفية

    ولذلك السبب عند الحنفية يقصرونه على ما كانت في العلة غير ظاهرة بين الوصف وبين الحكم فمثلا زوال الشمس عندهم يسمى سببا وأما المناسبة بين زوال الشمس وصلاة الظهر فالحكمة فيه غير ظاهرة فهذا يسمى عندهم سبب وأما الإسكار فالمناسبة فيه ظاهرة والحنفية يسمونه علة فقط فيتبين أن الحنفية يفرقون بين السبب والعلة بأن السبب ما كانت المناسبة فيه غير ظاهرة والعلة ما كانت المناسبة فيها ظاهرة.

    إطلاقات السبب عند الفقهاء:
    لما كان علم الأصول مضافا إلى الفقه لأنه يفيده ويحقق الاجتهاد فيه فكان المتوقع أن يكون الفقهاء تابعين للأصوليين في اعتبار حقيقة السبب غير أننا نجدهم في كتب الفروع يطلقون لفظ السبب على عدة أمور قد تبدوا مخالفة لما اصطلح عليه الأصوليون في مفهوم السبب وذكر الغزالي وابن قدامة
    أن لفظ السبب في اصطلاح الفقهاء مشترك في عدة معاني :
    1- يطلقون السبب في مقابل المباشرة حيث قالوا: إن حافر البئر صاحب سبب والمُربي الشخص الذي وقف على بئر ودفعه شخص آخر _ فالدافع هذا أو المربي صاحب علة لأن الهلاك بالتربية لا بالحفر وإذا اجتمع السبب والمباشرة غلبت المباشرة ووجب الضمان على المباشر وانقطع حكم المتسبب.
    2- الرمي لأن الرمي سبب للقتل من حيث أنه سبب للعلة وهو إذا دققنا فيه علة العلة فهو علة للإصابة والإصابة علة للزهوق –زهوق الروح_ ولكن لما حصل الموت بالإصابة المتوسطة بين الرمي والزهوق كان الرمي شبيهاً بالسبب في وضع السبب وهو ما كان مفضياً إلى الشيء وطريقا إليه فسمو سبباً لذلك.
    3- العلة الشرعية بدون شرطها : كالنصاب بدون الحول فإنه سبباً لوجب الزكاة وكاليمين بدون الحنث فإنها سبب لوجوب الكفارة.
    4- العلة الشرعية الكاملة التي توجب الحكم وهي المجموع المركب من المقتضي والشرط وانتفاء المانع ووجود الأهل والمحل ومثلوا لذلك :

    بحصول الملك في البيع والنكاح فإنه حكم شرعي مقتضيه القبول والإيجاب وشرطه ما ذكر من شروطه في كتب الفقه ومحله العين المبيعة والمرأة المعقود عليها وأهله هو كون العاقد صحيح العبارة ونحو ذلك وذكر الغزالي أن إطلاق السبب على العلة الشرعية الكاملة هو أبعد الوجوه عن وضع اللسان يعني عن وضع اللغة باعتبار أن السبب في وضع اللغة عبارة عن ما يحصل الحكم عنده لا به بخلاف العلة فإنها موجبة للحكم شرعاً.
    وحاصل القول أن هذه الإطلاقات ما عدا الأول منها كلها تنتظم في سلك العلة فهذه الإطلاقات تدخل في مسمى السبب عند الأصوليين من حيث الجملة باعتبار ما يوجد فيها من معاني السبب.

    • حكم السبب :
    من أتى به كاملا مستكملا لشروطه مع انتفاء موانعه فإنه حينئذ يترتب عليه مسبَبَهُ يعني الحكم الشرعي سواء رضي الفاعل أم لم يرض لأنه لا عبرة بقصده المخالف لفعله في مثل هذه الحال فمن فعل السبب كاملا بتمامه ثم قصد أن لا يقع مسَبَبَه ولا يترتب عليه فقد قصد محالاً وتكلف رفع ما ليس له رفعه
    فمثلا : من عقد نكاحاً صحيحاً أو بيعا أو غير ذلك من العقود ثم قصد أن لا يستبح بذلك العقد ما عقد عليه فقد وقع قصده عبثاً ولزم أن يترتب على تلك العقود أحكامها من انتقال الملك وإباحة الانتفاع وغير ذلك مما قصده الشارع ورتب عليها أحكاماً ويكون قصد المكلف المخالف لقصد الشارع في مثل هذه الأمور لغواً لا عبرة به وفي المقابل إذا لم يأت المكلف بالسبب على ما ينبغي بأن لم يكن كاملاً مستوفياً لشروطه وأركانه وانتفاء موانعه بل اختل فيه شرط أو وجد فيه مانع فإنه لا يترتب عليه مسببه سواء شاء المكلف ذلك أم أبى لأن المسببات ليس وقوعها أو عدم وقوعها موكولا إلى اختيار المكلف _كما سبق_ من أنها تكون مقدورة أو غير مقدورة ولأن الشارع لم يجعل الأسباب مفضية إلى مسبباتها إلا إذا وجدت بكاملها على الوفاء والتمام وإلا لم تكن أسبابا مؤدية إلى المقصود
    وعلى هذا فمن لم يأت بالسبب على كماله وتمامه بأن وجد منه تفريط أو إهمال فإنه يؤاخذ بما ينتج عنه من خلاسل بالمسبب يعني في الحكم الشرعي ولذلك فإن الطبيب والحجام وغيره من الصناع إذا ثبت تفريطه فيما قام به من أعمال فإنه مؤاخذ بضمان ما فرط فيه لعدم قيامه بالعناية المعتادة في مثل هذه الأمور



    القسم الثاني من أقسام الحكم الوضعي : العلـــــة.
    س------ عرف العلة لغة واصطلاحا؟
    ج----- تعريفها لغة : تأتي بمعنى المرض اعتل فلان إذا مرض ، وهو عليل أي مريض وتأتي بمعنى التكرار كالشرب مرة بعد يقال عال بعد عال أي سقي بعد سقي. وتأتي بمعنى السبب علة لكذا أي سبب له.
    اصطلاحاً : تستعمل في معنيين
    1- المعنى المناسب لتشريع الحكم
    2- الوصف الظاهر المنضبط الذي يكون مظنة للمعنى المناسب لتشريع الحكم .

    أما المعنى الأول : يقصد به إطلاق العلة على الحكمة المناسبة لتشريع الحكم مثل شغل الرحم معنى يناسب إيجاب العدة وما فيها من مصلحة المحافظة على الأنساب فهي بمعنى العلة.
    وأما المعنى الثاني : فمثل انشغال الرحم لعلة الوطء فإن الوطء مظنة للمعنى المناسب لتشريع الحكم وهو انشغال الرحم. فعلة انشغال الرحم هي العلة.
    ومثل رخصة الفطر في السفر فالعلة هي المشقة لأنه معنى مناسب لتشريع الحكم على الاستعمال الأول .
    أما على الاستعمال الثاني فالعلة هو السفر وهو مظنة لوجود المعنى المناسب لتشريع الحكم وهو وجود المشقة .
    جمهور الأصوليين أطلقوا على المعنى المناسب اسم الحكمة ولم يطلقوا عليه العلة مع أنه هو العلة في الحقيقة لكن لخفائه وعدم انضباطه لم يسموه بالعلة بل أطلقوا لفظ العلة على المعنى الظاهر المنضبط الذي يكون مظنة للمعنى المناسب لتشريع الحكم لأنه الوصف الذي ارتبطت به الأحكام وجوباً وعدماً.
    ولذلك اختلف الأصوليون عند تحديد العلة لهذا المعنى المذكور وخلافهم في تعليل أحكام الله تعالى فهل أحكام الله تعالى معللة أو غير معللة فعرف كل واحد منهم العلة باعتبار هذا الأمر

    س----- اختلف الأصوليون في تعريف العلة, أذكر ذلك؟
    ج------- واختلف الأصوليون في تعريف العلة :
    بعضهم عرفها بأنها المعرِف للحكم وهو تعريف الرازي والبيضاوي وابن السُبكي ومن تبعهم ومثلوا لذلك بالإسكار فإذا كان موجوداً في الخمر يدل على تحريمها فيكون هذا علامة على التحريم فالمراد بالمعرف عندهم ما يبنى عليه الحكم ويثبت به وليس مجرد أمارة وعلامة محضة غير أنه لا يكون مؤثراً بالحكم ولا باعثاً عليه وهذا محترزهم باختيار هذا التعريف ولكنهم لا ينفون أن تكون العلة مناسبة للحكم بحيث يترتب على شرع الحكم معها مصلحة العباد من جلب نفع أو دفع ضرر .
    وهناك تعريف ثاني للعلة عند الأصوليين بأنها : الباعث على الحكم وذكره الآمدي وصدر الشريعة وابن الحاجب وغيرهم وفسروا الباعث للحكم بأنها تكون مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم وليس معنى ذلك أن تكون أمارة مجردة بدون فائدة فإن العلة عندهم توجب على الله تعالى الحكم بناء على وجود الأصلح للعباد هذا عند المعتزلة
    أما من عرفه هذا التعريف فزادوا عليه قيداَ ليخالفوا المعتزلة فقالوا الباعث على الحكم لا على سبيل الإيجاب . أما عند أهل السنة فلا وجوب على الله تعالى لأنه مالك الأمر وبيده الحول والطول .
    واختار هذا التعريف المعتزلة بناء على أن أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد .
    التعريف الثالث للعلة اختاره الغزالي وعامة الحنفية : أن العلة هي الموجب للحكم لا بذاته بل بجعل الشارع ومعناه أن تأثير العلة بالحكم إنما حصل بجعل جاعل وهو الله سبحانه وليس بذاتها كما تقول المعتزلة ومقتضاه أن الشارع ربط بين العلة ومعلولها ربطاً عادياً بحيث أن وجودها يستلزم وجود معلولها عندها كما ربط بين حز الرقبة وإزهاق الروح والإحراق.وهكذا . والموجب للأحكام هو الله سبحانه إلا أن الإيجاب لما كان غيباً عنا ونحن عاجزون عن دركه شرع الله سبحانه العلل موجبات للأحكام في حق العمل ونسب الوجوب وإضافة إليها فيما بين العباد كإضافة وجوب القطع إلى السرقة ووجوب الرجم إلى الزنا وهكذا
    التعريف الرابع : أن العلة هي المؤثر بالحكم بذاته ومعناه أنها مؤثرة بعد أن يخلق الله سبحانه بها قوة التأثير فالمؤثر معناها الموجب لأن التأثير الإيجاب واحترزوا بقولهم المؤثر عن التعريف الأول القائل بأن العلة المعرف لأن من عرفها بالمعرف أي لا تأثير للعلة وتعريف المعتزلة بناءً على ما ذهبوا إليه من قاعدة التحسين والتقبيح العقليين باعتبار أن الحسن والقبح في الشيء ذاتي عندهم وأن الحكم تابع لذلك فيكون الوصف مؤثراً بذاته في الحكم .

    س----- ما معنى العلة عند المعتزلة؟
    ج------ ومعنى العلة عند المعتزلة أنها ما أثرت في الحكم وأوجبته لا محالة فإن ذلك عندهم من قبيل الاستلزام العقلي بحيث لا يتصور انفكاك المعلول عن علته أو تخلفه عنها بأي حال من الأحوال.

    ولا يوجد في كتب الأصوليين في الواقع ما يدل على أن المعتزلة ينفون قدرة الله على خلاف ما تقتضيه العلة بل ذكروا أنهم لا ينكرون ذلك وأن الله هو الشارع للأحكام دون ما سواه. فهم يلتقون مع أهل السنة و الأشاعرة في المعنى إلا أن ظاهر كلامهم بوجوب رعاية الأصلح للعباد يوجب المحظور ولذلك فقد أنكره أهل السنة و الأشاعرة وأما أن العلة والأسباب تستقل بالتأثير بذواتها دون الله عز وجل لم يقل به أحد.

    وبالنظر في الخلاف بينهم فنرجعه إلى ناحية اعتبارية لأن هذه التعاريف يمكن أن تلتقي في الحقيقة وتتقارب مدلولاتها وينتهي ما قد يبدو فيها من تعارض وذلك إذا عرفنا أن الموجب للأحكام الشرعية هو الله سبحانه وحده دون ما سواه وهذا أمر متفق عليه بين جميع علماء الإسلام وإذا ثبت ذلك فأشد هذه التعريفات تطرفاً هو تعريف المعتزلة القائلين بموجبية العلة وتأثيرها بذاتها .
    والاختلاف مع أهل السنة و الأشاعرة في إدراكية العقل لذلك فيتفاوت التعبير حسب المقصود .

    وأما القائلون بأن العلة هي الباعث على شرع الحكم كالآمدي ومن تبعه فقد فسروا مرادهم بالباعث هو أن تكون العلة مشتملة على مصلحة وحكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم كالقتل العمد العدوان فإنه علة باعثة على شرع القصاص صيانة للنفوس إذ يلزم من ترتب وجوب القصاص على القتل حصول تلك الحكمة الباعثة على تشريع القصاص وهي بقاء النفوس على ما يشير إليه الله تعالى بقوله((ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)) فهم بتفسيرهم الباعث بهذا التفسير ينفون ما قد يتبادر إلى الذهن من ظاهر التعريف من كلمة الباعث من كونها تحمل الفاعل على الفعل وتبعثه على ذلك فيلزم المحظور وإنما أرادوا اشتمالها على الحكمة والمصلحة العائدة إلى العباد لأن أفعال الله تعالى معللة بالمصالح كما هو قول الجمهور.

    وأما من قال بأن العلة هي الموجبة للحكم بجعل الله إياها كما قال الغزالي ومعظم الحنفية فقد أرادوا بذلك أن الشارع قد ربط العلة مع معلولها ربطا عاديا بحيث يوجد المعلول عند وجود العلة وأما الموجب للأحكام هو الله تعالى ولما كان الإيجاب غيبا عنا شرع الله العلل .

    والكل يتفقون على حقيقة التعليل لقولهم بالقياس أو بإعمال القياس المبني على ذلك ما عدا الظاهرية الذين ينفون تعليل الأحكام جملة وتفصيلاً فقد أنكروا العمل بالقياس نهائياً وأما غيرهم فالخلاف بينهم اعتباري وعائد إلى اللفظ.


    • الموازنة بين السبب والعلة:
    - عند الجمهور ما كانت المناسبة فيه ظاهرة يسمى سبباً وعلة وما كانت المناسبة فيه غير ظاهرة فيسمى سبب فقط فعندهم كل علة سبب وليس كل سبب علة.
    - أما الحنفية فيقصرون السبب على ما كانت المناسبة فيه غير ظاهرة ويقصرون العلة على ما كانت فيه المناسبة ظاهرة ولذلك فليس كل سبب علة وليس كل علة سبباً فيبينهما اختلاف في هذا المقام.

    القسم الثالث: الشرط
    س---- عرف الشرط لغة واصطلاحا؟
    ج----- تعريفه لغة: إلزام شيء والتزامه وجمعه شروط والشَرَط العلامة وجمعه أشراط كما في قوله تعالى(( فقد جاء أشراطها )) أي علاماتها.
    في الاصطلاح:الجمهور: تعريف _الغزالي_هو عبارة عما لا يوجد المشروط مع عدمه ولا يلزم أن يوجد عند وجوده.

    فقوله : ما لا يوجد المشروط مع عدمه احتراز عن المانع فإن عدمه لا يلزم منه وجود المشروط ولا عدمه.
    وقوله : ولا يلزم وجود عند وجوده احتراز عن السبب أو العلة لأن وجود السبب أو العلة يلزم منه وجود المعلول أو الحكم.

    س----- ما تعرف القرافي للشرط؟
    ج----- تعريف القرافي: الشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
    فقوله: ما يلزم من عدمه العدم يخرج المانع لأنه لا يلزم من عدمه شيء كالدين في الزكاة فقد تجب الزكاة مع انتفاء الدين لوجود الغنى وقد لا تجب مع انتفائه لوجود الفقر.
    وقوله: ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته يخرج السبب لأنه يلزم من وجوده الوجود والمانع يلزم من وجوده العدم .
    وقوله: لذاته هذا قيد يخرج ما إذا اقترن بوجود الشرط وجود السبب فيلزم الوجود ولكن ليس لذات الشرط وإنما لوجود السبب أو يلزم من وجود الشرط عدم الحكم ولكن ليس لذات الشرط وإنما لقيام المانع فيلزم العدم لوجود المانع وليس لوجود الشرط
    مثل :حولان الحول في الزكاة فيلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة ولا يلزم من وجوده وجوب الزكاة لاحتمال عدم نصابها ولا يلزم عدم وجوبها لاحتمال وجود النصاب عند حولان الحول.


    س---- ما تعرف الشرط عند الحنفية؟
    ج----- الشرط عند الحنفية: اسم لما يتعلق به الوجود دون الوجوب

    فقولهم: ما يتعلق به الوجود أي ما يتعلق به وجود الشيء بأن يوجد عنده لا أن يوجد بوجوده كما لو قال شخص لامرأته : إن دخلت الدار فأنتِ طالق فإن الطلاق يتوقف على وجود الدخول ويصير الطلاق عند وجود الدخول مضافاً إليه موجودا عنده لا واجباً به لأن وقوع الطلاق إنما بقوله أنت طالقٌ عند الدخول لا بالدخول نفسه .
    وقولهم : دون الوجوب هذا قيد في التعريف يحترز به عن العلة فإنها تؤثر في وجود الحكم ووجوبه.
    وهذه التعريفات تتفق على حقيقة الشرط فهي تتفق في مجموعها أن الشرط يتوقف عليها وجود المشروط وينعدم المشروط عند عدمه كما لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط.
    فمثلاُ : الطهارة يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة وحولان الحول شرط في وجوب الزكاة فيلزم من عدم حولان الحول عدم وجوب الزكاة.
    هل يلزم من وجود الشرط وجود المشروط ؟ _هل يلزم من الطهارة صحة الصلاة وهل يلزم من حولان الحول وجوب الزكاة_
    لا يــــــــــلزم لأنه قد توجد الطهارة ولا تصح الصلاة لفقد شرط آخر أو لوجود مانع _ كأن يصلي بطهارة غير مستقبل القبلة.
    وقد يحول الحول على مال شخص ولا تجب عليه الزكاة لأن المال لا يبلغ النصاب أو لأنه يوجد عليه دين مثلاً ففي هذه الحالة فيوجد الشرط ولا يوجد المشروط.

    فالشرط لا يؤثر إلا إذا انعدم أما السبب والعلة فيؤثران في الوجود وفي حال العدم.

    س------ ما أقسام الشرط ؟
    ج------ أ_ الشرط العقلي : وهو مالا يوجد المشروط ولا يمكن عقلا بدونه كالحياة فإنها شرط في العلم والفهم فإنه شرط في التكليف.
    ب_الشرط العادي: مثل نصب السلم شرط للصعود السطح بحكم العادة.
    ج_ الشرط اللغوي: وهو ما يذكر بصيغة التعليل كـ (إن) وإحدى أخواتها نحو /إن أكرمتني أكرمتك.
    د_ الشرط الشرعي : وهو المقصود بالبحث هنا وهو الذي يلزم من عدمه العدم شرعاً ولا يلزم من وجوده الوجود شرعاً مثل الطهارة شرط للصلاة والشارع الذي حكم بها والحول في وجوب الزكاة والإحصان في وجوب الرجم .

    س----- الشرط الشرعي ثلاثة أنواع , أذكر هذه الأنواع؟
    ج----- شرط وجوب : وهو ما يصير الإنسان به مكلفا. مثل الطهارة من الحيض والنفاس وبلوغ الدعوة شرط لوجوب الإيمان.
    شرط صحة : هو ما جعل وجوده سبباً في حصول الاعتبار بالفعل وصحته مثل الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والخطبة لصلاة الجمعة.
    شرط أداء : هو عبارة عن حصول شرط الوجوب مع التمكن من إيقاع الفعل فيخرج به الغافل والنائم والمكره ونحوهم فإنهم مكلفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهم ، وعلى هذا كل شرط بالوجوب هو شرط بالأداء كما في البلوغ والعقل ونحوهما ويختص الأداء باشتراط التمكن من الفعل فبينهما عموم وخصوص مطلق.
    فهذه الشروط بالاتفاق.

    س----- ما حكم الشرط؟
    ج------- يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده الوجود
    بمعنى فيتوقف المشروط عليه ولا يوجد إلا بوجوده ولا ينتفي بانتفائه
    فالشرط يؤثر في حال العدم فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط وأما إذا وجد الشرط فقد يوجد المشروط وقد لا يوجد فتأثيره يقتصر على ناحية العدم فقط



    في هذه الحلقة نتناول
    أولاً : القسم الرابع من أحكام الحكم الوضعي وهو المانع
    ثانياً: القسم الخامس من أحكام الحكم الوضعي وهو الصحة والفساد


    القسم الرابع : المانع

    س---- عرف المانع لغة واصطلاحا؟
    ج----- تعريفه لغة: الحائل بين الشيئين ، يقال : منع كذا من كذا إذا حال بينه وبينه .
    اصطلاحاً : فقد عرف بتعريفات مختلفة لفظاً لكنها متفقه في المعني

    س----- أذكر نعريف ابن السبكي ؟
    ج------ " . الوصف الوجودي الظاهر المنضبط المعرف نقيض الحكم .
    فقوله ( الوصف ) : يعني المعني
    وقوله ( الوجودي ) يُخرج الشرط فإنه ليس وصفاً وجودياً بل هو وصف عدمي
    وقوله ( الظاهر ) يخرج الخفي .
    وقوله ( المنضبط) : يخرج منه غير المنضبط أو المضطرب أو الغير المحدد والذي يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
    وقوله " المعرف نقيض الحكم " أي الذي يكون أمارةً وعلامةً على رفع الحكم وسيأتي توضيح ذلك بالمثال.
    ومن التعريفات تعريف " القرافي " وهو على نسق تعريف السبب والشروط وهو يسير فقال : هو ما يلزم من وجوده العدم ، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدمٌ لذاته .
    فقوله " ما يلزم من وجوده العدم " هذا قيد يخرج السبب فإنه يلزم من وجوده الوجود .
    وقوله "ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم " هذا قيد يخرج الشرط فإن الشرط يلزم من عدمه العدم .
    وقوله ( لذاته ) : هذا احتراز مما إذا قارن عدم المانع لوجود سبب آخر فإنه يلزم الوجود؛ ولكن لا لعدم المانع .


    وإنما لوجود سبب آخر وذلك كالمرتد القاتل لولده مثلاً : فإنه يقتل بالردة وإن لم يقتل قصاصاً بقتل ولده؛ لأن المانع إنما منع أحد السببين فقط وهو القصاص وقد حصل القتل بسبب آخر هنا وهو الردة ، لأن المانع ما يلزم من وجوده العدم فالأبوة هنا الأصل أنها مانعه من القصاص فإن هذا الشخص اقتص منه لكن ليس لأجل أن المانع موجود لكن لوجود أمر آخر خارجاً عنه وهو وجود سبب آخر اقتضى قتل ذلك الشخص فالتأثير هنا ليس لوجود المانع لذاته.

    س---- على ماذا تتفق هذه التعاريف؟
    ج----- وهذه التعريفات تتفق في أن المانع وصف يقتضي وجوده عدم الحكم أو عدم السبب فيلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم. ومن أمثلته كما ذكرنا أن الأبوة مانعه من القصاص
    أيضاً الرق في باب الإرث فإنه مانع للإرث فيلزم من وجود الرق عدم الإرث ولا يلزم من عدم الرق وجود الإرث لاحتمال أن يكون الشخص حراً ولا يرث لفقده شرطاً من شروط الإرث كما إذا لم تتحقق حياة الوارث بعد موت المورث فإنه لا يرث منه كما أن عدم الرق الذي هو المانع لا يلزم منه عدم الإرث لاحتمال أن يكون حراً ويرث لتوفر أسباب الإرث وشروطه عنده فإن وجود المانع يرفع الحكم وأن عدم وجود المانع لا يلزم منه شئ والحقيقة أن جملة تعريفات الحنفية تتفق مع الجمهور في هذا النحو فالاختلاف في المانع اختلاف يسير فإن من الأصوليين قد أحال في بحث المانع على بحث الشرط فقال " والمانع على نقيض الكلام في الشرط ولم يطل الكلام فيه .

    س----- أذكر أقسام المانع؟
    ج------- أقسامه : يقسم المانع إلى أقسام متعددة باعتبارات مختلفة
    القسم الأول : مانع للحكم
    القسم الثاني :مانع للسبب:


    القسم الأول : مانع للحكم :
    والمانع في تعريفة الوصف ما يلزم من وجوده عدم الحكم مثل وجود الحيض والنفاس فإنهما ما نعان من وجوب الصلاة مع تحقق السبب وهو دخول الوقت فلا يوجب الحكم لوجود المانع هنا .
    ومن أمثلة المانع للحكم في باب الإرث اختلاف الدين فاختلاف الدين يمنع الإرث مع تحقق شروط وأحكام الإرث فاختلاف الدين مانع من موانع الإرث والعكس كذلك.
    وكذلك الأبوة فإنها مانعة من القصاص للوالد من ولده فإن القصاص قد وجد وهو القتل المتعمد للوالد لولده فإن الحكم لا ينفذ لوجود المانع وهو الأبوة .

    س----- والمانع للحكم على أنواع أربعة كما ذكر أهل الأصول , أذكرها؟
    ج----- النوع الأول : مانع يمنع الحكم ابتداءً ودواماً مثل الرضاع فإنه يمنع ابتداء النكاح على المرأة التي هي أخته من الرضاع مثلاً كما يمنع دوامة إذا طرأ عليه أي الرضاع كذلك الحدث في العبادة فإنه يمنع من انعقاد العبادة كذلك يمنع من دوامها لو وقع في أثناءها .
    النوع الثاني : مانع يمنع من ابتداء الحكم ولا يمنع من دوامه مثل الحج فإن الحج مانع يمنع من ابتداء النكاح حال الإحرام فالمحرم ممنوع من ابتداء النكاح لكنه لا يمنع من دوام نكاح سابق .
    النوع الثالث : مانع يمنع من دوام الحكم ولا يمنع من ابتدائه : مثل الطلاق فإن الطلاق يمنع من دوام النكاح ولا يمنع من ابتداء نكاح ثان .
    النوع الرابع : نوع مختلف فيه هل يمنع من الحكم ابتداءً ودواماً أو العكس ومن أمثلته الإحرام فهو بالنسبة للصيد يمنع ابتداء الصيد لمن تلبس بالإحرام لكن لو أحرم والصيد عنده أي صاد صيداً ثم أحرم فهل يجب عليه ترك ذلك الصيد ؟ بمعنى أن الإحرام منع ابتداء الصيد لكن هل يمنع من دوامة ؟ أيضاً هذا محل خلاف

    س------ ومنها أيضاً وجود الماء فإن وجودة يمنع من ابتداء التيمم لكن لو وجد الماء وطرأ على المتيمم أثناء صلاته فهل يمنع من استمرار الصلاة ودوامها من ابتدائها ؟
    ج------ فهذا مختلف فيه يعد مانعا من وجود الحكم وإن لم يقصد المكلف إيقاع هذا المانع كما لو تلبست المرآة بحيض أو نفاس أو وجود دين على شخص فإن هذا يلزم عدم الأحكام الشرعية المترتبة على أسبابها في الأصل فتنتقي الأحكام في مثل هذه الحالة .

    القسم الثاني :مانع للسبب:
    وهو الوصف الذي يقتضي وجوده عدم السبب مثل الدين في باب الزكاة مانع ولكنه مانع من ملك النصاب فمن كان عليه دين فلا يجب الزكاة عليه لأنه هناك مانع من موانع الزكاة وهو ملك النصاب.



    القسم الخامس من أقسام الحكم الوضعي : الصحة والفساد

    وهذا القسم الكلام فيه متشعب ونحاول أن نلم أطراف الكلام فيه .
    س----- عرف الصحة لغة واصطلاحا؟
    ج----- تعريف الصحة لغة : خلاف السقم وهي عبارة على السلامة وعدم الاختلال
    تعريف الصحة اصطلاحا : عبارة عن ترتب الأثر المقصود من الفعل عليه .
    فمتى ترتب الأثر المقصود من الفعل عليه ؟ فنقول إن هذا الفعل صحيح وذلك إذا توافرت أركانه وشروطه الشرعية والتعريف السابق ذكره ابن الفضال في كتاب " التحرير " والمراد بالأثر هو ما شرع له ذلك الفعل من الشارع في المبيع وأثر الاستمتاع في النكاح ونحو ذلك .
    وهذا التعريف شامل لحالات الصحة في العبادات والمعاملات فيفيد أن الصحة هي استجماع الشيء لشروطه وأركانه وانتفاء لموانعه فالفعل سواء كان عبادة أو معاملة يكون صحيحاً إذا ترتب أثره عليه المقصود منه شرعاً إلا أن هذا الأثر يختلف عنه في العبادات عن المعاملات ففي المعاملات يقصد منه ثبوت الحل وثبوت الملك وفي العبادات يقصد منه سقوط القضاء أو موافقة الأمر

    س----- عرف الفساد لغة واصطلاحا؟
    ج----- تعريف الفساد لغةً : تغير الشيء من الحالة السليمة إلى نقيضها .
    تعريف الفساد اصطلاحاً :وهو على عكس الصحة " عدم ترتب الأثر المقصود من الفعل عليه ".
    فنقول متى يكون الفعل غير مترتبة عليه آثاره ؟ الجواب : إذا فقد ركن من أركانه أو شرط من شروطه وعلى هذا أن الفساد على نقيض الصحة.
    والحاصل أن الفساد في الاصطلاح الشرعي : عدم اكتساب التصرف وجوده الاعتباري وآثاره في نظر الشارع.
    * اختلاف العلماء في الصحة والفساد في كونهما أحكام شرعية أو عقلية :

    س----- الخلاف هنا على قولين ما هما؟
    ج------ الأول : أن الصحة والفساد من أحكام العقل لا من أحكام الشرع , ووجهة نظر هؤلاء أن كون الفعل الذي يأتي به المكلف موافقة للأمر الطالب له أو غير موافقة له على قول المتكلمين في تعريف الصحة والفساد أو كونه تمام المطلوب منه حتى يكون مستقل القضاء أو عدم كونه تمام المطلوب بحيث لا يندفع القضاء على تعريف الفقهاء . فيكفي في ذلك معرفة العقل المجرد؛ فيكفي أن تعرف أن الفعل صحيح أو فاسد بالعقل المجرد.
    وبيان ذلك أنه بعد ورود الأمر بالصلاة مثلاً ومعرفة حقيقة الصلاة المأمور بها , فإن إتيان المكلف بالفعل المطابق لتلك الحقيقة أو غير مطابق لها لا يتوقف على الشرع بل إن العقل يدرك ذلك بمفرده كما يدرك كون المكلف مؤدياً للصلاة أو تاركاً لها على السواء.
    فالعقل عند هؤلاء هو الذي يحكم بصحة الشيء إذا استوفى أركانه وشروطه دون الاحتياج في ذلك إذا توقف على خطاب من الشارع .

    القول الثاني : قالوا إن الصحة والفساد حكمان شرعيان لا عقليان ووجهة نظر هؤلاء ما يأتي :-
    أولاً : أن كون الفعل يقع مستجمعاً لشروطه وأركانه وانتفاع موانعه فحتى يكون صحيحاً لا يمكن أن يعرف إلا من جهة الشرع .
    ثانياً : أن معرفة استجماعه لما ذكر متوقف على معرفة الركن والشرط والمانع, ومعرفة هذه الثلاثة موقوف على خطاب الشارع بالاتفاق ولا معنى في كون الصحة والفساد من الأحكام الشرعية إلا كونهما لا يعرفان إلا من طريق الشرع . فإن أداء الصلاة قد يكون مسقطاً للقضاء ومغنياً عن الإعادة كصلاة المسافر الذي لا يجد الماء أو العاجز عن استعماله لبردٍ أو غيره بالتيمم وقد لا يكون مسقطاً للقضاء كصلاة المتيمم المقيم عند الشافعية أو بشرط كونه ممنوعاً من الوضوء من قبل العباد عند الحنفية كالمحبوس أو المربوط مثلاً وهو فاقد الطهورين , فإنه يأمر بالصلاة ويجب عليه القضاء بعد ذلك , وظهر أنه بعد ورود أمر الشارع بالصلاة فإنه يحتاج معرفة كونها صحيحة أو غير صحيحة أو مسقطة للقضاء أو غير مسقطة يحتاج في معرفة ذلك إلى توقيف من الشارع ولا يستقل الفعل بذلك .

    قال ابن السبكي رداً على أن الصحة والفساد من أحكام العقل في كتابه" رفع الحاجب" : (( والصورة عندنا من الصحة والفساد , أن الصحة والبطلان والحكم بهما أمور شرعية وكون الفعل مسقطاً للقضاء أو موافقاً للشرع وهو من فعل الله تعالى وتيسيره إياه سبباً لذلك, فما الموافقة ولا الإسقاط بعقليين لأن للشرع مدخلاً فيهما ... إلى أن قال: فلو لم تكن الصحة شرعية لم يقض القاضي بها عند اجتماع شرائطها , لكنه يقضي بها بالإجماع فدل على أنها شرعية إذ لا مدخل للأقضية في العقليات وليس للقاضي أن يحكم إلا بما يصح أن يكون حكماً من الشارع )) أ هـ

    فثبت بذلك أن الصحة والفساد موضوعان من الشرع , وليسا من أحكام العقل في شيء , لأن ترتب الأثر الخارجي عن الفعل الخاص كالصلاة مثلاً لا يمكن أن يكون عقلياً إذ ليس من أقضية العقل أن يرتب على تلك الأفعال المخصوص ذلك الثواب بل لا يكون ذلك إلا بموجب تعيين من الشارع ولا دخل للعقل في ذلك .

    وإذا ثبت أنهما من أحكام الشرع على الراجح من الأقوال فهل هما من الأحكام التكليفية أو من الأحكام الوضعية؟ هذا محل خلاف في هذا المقام.
    والراجح أن الصحة والفساد من أقسام الحكم الوضعي وهذا القول على أكثر الأصوليين كالغزالي والآمدي و الشاطبي و الأسنوي وابن السبكي و الفتوحي و الزركشي وغيرهم ووجه هذا الترجيح ؛ بأن الصحة والفساد من أحكام الوضع وذلك بأن إرجاعهما للأحكام التكليفية فيه عسر وتكلف لا يساعد عليه اللفظ ولا ينتظمه المعنى .

    هذا وقد استبعد الإمام الأسنوي في شرحه "للمنهاج" وقال : أما دعواه بأن الصحة هي إباحة الانتفاع فموقوف بالمبيع إذا كان الخيار فيه للبائع فإنه صحيح ولا يباح للمشتري الانتفاع به وذلك رداً على من قال بهذا الأمر وأنه يدل على أن الصحة والفساد من قبيل الحكم التكليفي.
    وثمة مرجح آخر لهذا القول بأنهما من الأحكام الوضعية فإن الحكم بصحة العبادة وفسادها وصحة المعاملات وبطلانها لا يفهم منه اقتضاء ولا تخيير منهما إذاً فهما من خطاب الوضع, وأيضاً أن الصحة والفساد من استتباع الغاية؛ فالغاية لا تستتبع إلا بالأركان والشروط ولا يتوقف ذلك إلا بعد حكم من الشرع وهذه المعاني تدخل في خطاب الوضع في الحقيقة إذ هي من معاني السبب, والسبب حكم وضعي .

    وعقد الغزالي في كتابه" المستصفى" فصلاً في وصف السبب والصحة والبطلان والفساد مما يدل على أن الصحة والفساد والبطلان يدخلان في السبب والسبب من أحكام الوضع .


    إطلاق لفظ الصحة في العبادات عند الفقهاء والمتكلمين :
    اختلف الأصوليون في إطلاق لفظ الصحة في العبادات على قولين :-

    القول الأول : هو للمتكلمين بأن الصحة في العبادات هي موافقة الأمر الشرعي في ظن المكلف لا في الواقع سواء وجد القضاء أو لم يجد .
    القول الثاني : والفقهاء يطلقون الصحة بأنها موافقة الأمر على وجه يندفع به القضاء .

    والفرق بين كلا القولين:
    أن الصلاة الواقعة بشرائطها وأركانها مع انتفاء موانعها مسقطة للقضاء , فكونها كافية في سقوط القضاء هو دليل على صحتها وبناء على ذلك فصلاة من ظن الطهارة مع عدمها صحيحة عند المتكلمين لأن المعتبر في الموافقة للأمر شرعاً هو حصول الظن فقط لأنه هو الذي في وسع المكلف, لكنها ليست صحيحة عند الفقهاء لكونها لم تسقط القضاء لاحتمال ظهور بطلان الظن ؛ فيجب القضاء عند ذلك .

    ومذهب الفقهاء كما قال القرافي أنسب من جهة اللغة واستدل على ذلك بأن الآنية إذا كانت صحيحة من جميع الوجوه إلا من جهة واحدة فلا تسميها العرب صحيحة وإنما يسمى صحيحاً ما لا كسر فيه البتة.

    وهذه الصلاة التي مثلنا لها سابقاً صلاة مختلفة على الصورة تلك يتبين فسادها ويجب قضاؤها اتفاقاً .
    وهذا وقد أورد الفقهاء على المتكلمين قولهم لو كانت الصحة هي موافقة الأمر فقط لكان الحج الفاسد صحيحاً لأنه مأمور بالتمامة والمعنى فيه فالمتمم له موافق للأمر بإتمامه.
    فيجب أن يكون الأمر صحيح على قولكم لكنه فاسد بالاتفاق . فوجب أن تكون على ألا تكون الصحة مجرد موافقة للأمر بل ما كان موافقاُ للأجزاء وسقوط القضاء.
    وهذا الخلاف هو خلاف في العبارة ليس خلاف في المعنى لأن كل من الفريقين يقول بإعادة الصلاة فيمن صلى ظاناً بأنه متطهر فبان خلافه ، ولكنهم مختلفين في وصف هذه الصلاة قبل إعادتها فيقول المتكلمون بأنها صحيحة لموافقتها أمر الشارع فالشارع أمر المصلي بأن يصلي بطهارة متأكدة وقد فعل ذلك على حسب حالة فلهذا توصف بالصحة لكونها موافقة الأمر أما إعادتها فقد تبين أمر آخر وهو تبين الخطأ في الظن أما الفقهاء قالوا بأنها ليست بصحيحة ولا تسقط القضاء لذا فهو مطالب بفعلها مرة ثانية وعلى العموم هذه اصطلاحات لكلا القولين وإن اختلف فلا متاحة فيها وأما المعنى فإنه متفق علية بينهما في جميع الأحكام كما ذكر ذلك القرافي.
    ومأخذ الخلاف بينهما أن المتكلمين نظروا في ظن المكلف والفقهاء نظروا لما في الواقع ونفس الأمر وأما القضاء كما بينا واجب لكلا القول


    هذه الحلقة الأربعون والأخيرة من حلقات مقرر منهج أصول الفقه المستوى الأول في كلية الشريعة . وفي هذه الحلقة سنتناول ما يتعلق بموضوع الصحة والفساد باعتباره قسماً من أقسام الحكم الوضعي ثم نتناول الكلام على القسم السادس من أقسام الحكم الوضعي وهو الأداء والقضاء والإعادة ثم نتناول القسم السابع والأخير وهو العزيمة والرخصة.

    أما فيما يتعلق في مسائل الصحة والفساد فإنه بقي لدينا مسألة وهي :-

    الفرق بين الفساد والبطلان :
    وقد تقدم تعريف الفساد في اللغة والاصطلاح أما البطلان.
    فتعريفه في اللغة: سقوط الشيء لفساده , والباطل هو الذي لا يثبت عند الفحص ؛ ولذلك قيل لخلاف الحق باطل.
    أما تعريف الباطل اصطلاحاً: عند جمهور الأصوليين تعريفه مثل تعريف الفساد تماماً سواءً بسواء , لأن الباطل عندهم مرادف للفاسد وبالعكس. فهما عبارتان عن معنى واحد في الشرع: وهو ما يقابل الصحيح , وذلك خلافاً للحنفية.

    وقد سبق أن الفساد في الاصطلاح نقيض الصحة بكل اعتبار من اعتباراتها فيكون البطلان كذلك. فإذا كانت الصحة هي موافقة الأمر فالبطلان مخالفته, وإذا كانت الصحة استتباع الغاية فالبطلان عدم استتباع الغاية أي عدم ترتب الأثر المطلوب من الفعل عليه سواء كان هذا الفعل عبادة أو معاملة؛ وعليه فالبطلان في العبادات هو مخالفة أمر الشارع أو عدم سقوط القضاء بالفعل، وفي عقود المعاملات: هو تخلف الحكم عنها وخروجها عن كونها أسباباً مفيدة للأحكام. فالصلاة التي لم تجتمع شروطها وأركانها باطلة؛ لأن آثارها لم تترتب عليها لسقوط القضاء وبراءة الذمة وحصول الثواب ونحو ذلك.

    والعقد الغير مجتمع شروطه وأركانه باطل أيضاً أو فاسد لكونه لا يمكن أن تترتب آثاره عليه بمعنى: أنه غير محصّل شرعاً للملك واستباحة الأبضاع وجواز الانتفاع وما يرجع إلى ذلك؛ فظهر أن الفساد والبطلان مترادفان عند جمهور الأصوليين ولا فرق بينهما في العبادات والمعاملات. وتعريف الفساد هو تعريف البطلان وهو عدم ترتب الأثر المقصود من الفعل عليه لوجود خلل في ركنه أو شرطه عبادة كانت أو معاملة. كمن صلى بدون طهارة أو بغير قراءة في العبادة أو مثل بيع المجنون أو بيع الميتة ونحو ذلك من المعاملات والعبادات باطلة وفاسدة عند الجمهور لا فرق بين كلا اللفظين.



    وعلى هذا فكل عبادة أو عقد أو تصرف يفقد ركناً من أركانه أو شرطاً من شروطه, فهو باطل وفاسد لا تترتب عليه آثاره الشرعية عند جمهور الأصوليين.
    أما الحنفية فلهم اصطلاح خاص في التفريق بين الفاسد والباطل, غير أن اصطلاحهم ذلك خاص في المعاملات فقط؛ فالفاسد مرادف للباطل عندهم في العبادات, وقالوا إن العبادة إذا فقدت ركناً من أركانها أو شرطاً من شروطها كالصلاة بدون ركوع أو بدون وضوء فهي في كلتا الحالتين باطلة أو فاسدة كما هو الحال عند الجمهور؛ وقد ألحقوا بالعبادات عقد النكاح فسووا فيه بين الفاسد والباطل فلم يفرقوا بين فاسدة وباطله في الأحكام وإنما فرقوا بينهما من حيث الشبهة وعدمها على تفصيل بينهم في مذهب الأحناف.

    وفي باب المعاملات فرق الحنفية بين الفاسد والباطل, حيث رتبوا على العقود الفاسدة بعض الآثار الشرعية وجعلوا الفاسد مرتبة وسط بين الصحيح والباطل, فالفاسد قسم ثالث مغاير للصحيح والباطل.

    وقد عرفوا الصحيح في المعاملات : هو ما كان مشروعاً بأصله ووصفه جميعاً. وقالوا إذا اجتمع الأركان والشروط وانتفت الموانع فيكون معتبراً في هذه الحالة شرعاً. فيقال: هذا العقد عقد صحيح إذا اجتمع شروطه وأركانه عندهم.

    والباطل عند الأحناف في المعاملات: ما لم يكن مشروعاً بأصله ولا بوصفه فلا يسمى باطلاً عندهم إلا إذا فقد ركناً من الأركان أو شرطاً من الشروط. ومثلوا لذلك: ببيع الميتة وبيع لحم الخنزير وبيع الخمر كل هذا باطل عندهم فيسمى عقد باطل لأن الخلل راجع إلى ذات المعاملة وقد فقدت ركناً من أركانها وهو أن يكون المعقود عليه مباحاً والانتفاع به مباحا, وأيضاً بيع المجنون باطل لأنه تنعدم فيه الأهلية والأهلية ركن من أركان المعاملة.

    وعرفوا الفاسد (الحنفية) في المعاملات: ما كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه. والمعنى: أنه قد استوفى الشروط والأركان فهو مشروع بأصله لكنه غير مشروع بوصفه بمعنى أنه قد التصق به وصف خارجي وهذا الوصف الخارجي منهي عنه فإنه في هذه الحالة غير مشروع بوصفه لكنه من حيث الأصل مشروع.

    مثلوا لذلك: بالبيع الربوي فإنه مشروع بأصله حيث إنه بيع ولا خلل في ركنه ولا في محله فشروطه وأركانه مستوفاة, لكنه غير مشروع بوصفه بحيث التصق به وصف الربا وبالزيادة التي ليس لها مقابل, فيكون في هذه الحالة فاسداً وليس باطلاً.

    رأي الحنفية في الأثر المترتب في التفريق بين الفاسد والباطل في باب المعاملات:
    الأثر الذي يرتبه الحنفية في التفريق بين الفاسد والباطل في باب المعاملات أنهم يقولون: الباطل لا يترتب عليه أثر شرعي محمود؛ بمعنى: أن هذه المعاملة لا تصح تماماً, فبيع الخنزير وبيع الميتة وبيع الخمر ونحو ذلك كلها بيوع باطلة لا يمكن أن يترتب عليها أي أثر. والجمهور يتفقون معهم في هذا ولكنهم يسمون الباطل والفاسد على حد سواء لا فرق بينهما, لكن الحنفية يخصونه في اسم الباطل.

    والفاسد عند الحنفية الذي هو مشروع بأصله غير مشروع بوصفه يقولون هذا يمكن أن يترتب عليه بعض الآثار بحيث يمكن أن نعود إلى العقد بحيث لا يبطل العقد تماماً, لكن نستبعد هذا الشيء المنهي عنه؛ فنستبعد هذه الزيادة الربوية ونلغيها ونصحح العقد حينئذٍ فتلغى هذه الزيادة في الحال.

    وبهذا ظهر أن الفاسد مغاير للباطل عند الأحناف وهذا التغاير مقصور على المعاملات كما تقدم, وأما في العبادات فلا يفرقون بينهما كما هو الحال عند الجمهور.

    وتفريقهم هذا مبني على النظر في الخلل هل هو في ذات المعاملة أم أمر خارج عنها, فتلخيصاً لما سبق أن الباطل عند الحنفية هو ما كان الخلل فيه راجعاً إلى ركن من أركان العقد أو إلى العاقدين أو إلى محل العقد وهو المبيع الذي ينصب عليه العقد.

    وأما المعاملة الفاسدة هو ما كان الخلل فيه راجعاً إلى أوصاف العقد الخارجية لا إلى أركانها ولا إلى شروطها كما مثلنا ببيع الدرهم بالدرهمين الربوي فقالوا إنه مشروع من حيث أنه بيع وممنوع من حيث كونه انعقد ربا , فقالوا: إذا طرح هذه الزيادة فإنه يصح البيع ولا يحتاج إلى عقد جديد.

    أما الجمهور قالوا خلاف ذلك وهذا يأخذ حكم البيع الباطل فيحتاج إلى إبطال العقد ويحتاج إلى عقد جديد.

    سبب التفريق عند الحنفية بين الباطل والفاسد في المعاملات :
    منشأ التفريق بين الفاسد والباطل في المعاملات عند الحنفية يعود إلى مسألة سبق الكلام عن جزء منها وسيأتي الكلام عنها في مسائل النهي وهي مسألة اقتضاء النهي الفساد أو مسألة النهي عن المحرم لغيره. وقد سبق الكلام أن النهي عن المحرم لغيره على درجات: ما كان محرماً لوصف في ذات الشيء، ومنها ما كان محرماً لأمر خارجٍ عن الشيء وملازم له ،ومنها ما كان عن وصف خارج عن الشيء وغير ملازم له.

    فالجمهور يقولون: إذا كان النهي عن الشيء لوصف خارج عنه ملازم له أي غير منفك عنه؛ فهذا يؤثر في الفساد ويكون هذا الشيء باطلاً لأن النهي عن الوصف الملازم نهي عن الوصف والأصل معاً فهو نظير النهي عن الشيء بذاته فيكون باطل.


    \
    أما الحنفية فيقولون: أنه في هذه الحالة يكون فاسداً وليس باطلاً لأن النهي راجع لأمر خارج عن الشيء وإن كان ملازماً له فيكون بهذه الصورة فاسداً وليس باطلاً. وهذا هو منشأ التفريق بين الجمهور وبين الحنفية في هذه المسألة وكما قلنا أنه يعود إلى مسألة النهي عن المحرم لغيره التي سبق الكلام عنها ويعود إلى مسألة سيأتي الكلام عنها في ظل مقررات هذا المنهج وذلك في مساءل النهي وهو اقتضاء النهي الفساد.

    وكما أسلفنا ومر بنا أن الصلاة في الأرض المغصوبة تدخل في هذه الصورة ولكنها في جانب العبادات وهذا أمر خارج عن المقصود. وفي جانب المعاملات مثل النهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة فالبيع عند النداء لوقت صلاة الجمعة منهي عنه لترك السعي إلى ذكر الله وهو صلاة الجمعة المذكور في قوله تعالى ( واسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ), وترك السعي أمر خارجا عن البيع لأنه قد يوجد بدون بيع كأن يمكث بدون بيع مثلاً فإن البيع قد يوجد بدون ترك السعي كأن يتبايعا وهما يمشيان في الطريق فتنتفي الجهة فيكون النهي لأمر مجاور في هذه الحالة فقالوا: إن هذا يقتضي الفساد ولا يقتضي البطلان.

    والخلاصة أن الحنفية رأوا أن النهي إذا ورد على نفس ماهية الشيء وحقيقته فإن المفسدة تكون في نفس الماهية والمتضمن للمفسدة باطل لا يعتد به كما في النهي عن بيع الخنزير والميتة ونحو ذلك. وأما إذا كان الأصل والماهية سالماً عن المفسدة بأن كان النهي في أمر خارج عنها كالوصف فقد خصصوا ذلك باسم الفاسد لأنه باطل بأصله دون وصفه.

    القسم السادس: القضاء والأداء والإعادة:
    العبادات لا تخلو في كون أن لها وقتا محددا محدود الطرفين أو ليس لها وقت محدود الطرفين , فالعبادات التي ليس لها وقت محدود الطرفين لا توصف بأداء ولا قضاء , لكن قد توصف بالإعادة كما لو صلى إنسان تحية المسجد ظاناً أنه طاهر ثم تبين له أنه كان محدثاً وأتى بها بعد الطهارة مرة ثانية فإن فعله الثاني يوصف بالإعادة في مثل هذه الحالة وإن كانت العبادة ليس لها وقت محدود الطرفين.

    أما إذا كانت العبادة لها وقت محدود الطرفين فإن لها أربعة أنواع:-
    01فإما أن تقع قبل وقتها المحدد شرعا.
    02 وإما أن تقع في وقتها المحدد شرعاً وتكون مفعولة للمرة الأولى
    03وإما أن تقع في وقتها المحدد شرعاً وتكون مفعولة للمرة الثانية
    04 وإما أن تكون واقعة بعد وقتها المحدد شرعاً.

    فإن وقعت العبادة في وقتها المحدد شرعاً دون أن تسبق بأداء مختل فتسمى حينئذٍ أداء, وإن سبقت بأداء فيه خلل فحينئذٍ تسمى إعادة, وإن فعلت خارج الوقت بعد الوقت فتسمى قضاءً , وإن وقعت قبل وقتها المقدر شرعاً فهو تعجيل بحيث يجيز الشارع ذلك , ومثاله إخراج الزكاة قبل الحول وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لأصحابه قبل مرور الحول.

    تعريف الأداء: فعل العبادة أولاً في وقتها المحدد شرعاً,
    فقولنا (أولا) يخرج منه الإعادة لأن الإعادة هي الفعل ثانياً
    وقولنا (المحدد شرعاً) يخرج منه القضاء لأن القضاء يكون بعد الوقت المحدد شرعاً ويخرج أيضاً ما لم يقدر له وقت محدد مثل النوافل مطلقاً والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد عند حصر العدو فلا يوصف ذلك بأداء ولا قضاء في الاصطلاح. لأن المقصود منه الفعل في أي زمان ومكان وإن كان يقال على فاعله أنه قد أدى الواجب. وقولنا (شرعاً) يخرج به ما فعل في الوقت المحدد عقلاً كقضاء الدين عند المطالبة به فإنه فعل في وقته المحدد له شرعاً, لكن ذلك التقدير ليس بالشرع بل بمقتضى العقل.

    تعريف الإعادة : فعل العبادة ثانياً في وقتها المحدد شرعاً لوجود خلل في الفعل الأول.
    قولنا (ثانياً): يخرج الأداء, لأنه فعل في المرة الأولى.
    قولنا (في الوقت المحدد شرعاً): يخرج القضاء لأنه قضاء بعد الوقت المحدد شرعاً.
    قولنا (لوجود خلل في الفعل الأول): يخرج ما ليس كذلك كالمنفرد إذا صلى ثانية مع الجماعة فإن صلاته الأولى ليس فيها خلل فلا توصف الثانية بالإعادة شرعاً بل هي أداء كالأولى.
    وسواء كان الخلل في الوصف كمن صلى بدون شرط كأن يكون على غير طهارة أو خلل في الماهية كمن صلى بدون ركن بأن ترك قياماً أو ركوعاً مع القدرة على ذلك أو كان الخلل في الكمال كمن صلى منفرداً فيعيدها جماعةً لطلب الفضيلة.


    القضاء :
    تعريفه: فعل العبادة بعد وقتها المحدد شرعاً استدراكاً لما سبق وجوبه مطلقاً.
    فقولنا (بعد وقتها المحدد شرعاً): يخرج الأداء والإعادة فإن كلاً منهما فعل في وقت الأداء.
    وقولنا (استدراكاً): يخرج ما ليس بذلك كالصلاة مثلاً فإنه إذا أداها في وقتها ثم أعادها بعد الوقت لإقامة الجماعة فإن فعل الثانية لا يكون قضاء.
    وقوله (لما سبق وجوبه): يخرج منه النوافل, فإنه إذا فعلت بعد وقتها فإن فعلها لا يسمى قضاء إلا بطريق التجوز لأنه لم يسبق لها وجوب.
    وبقية مسائل القضاء هنا تبحث في مسائل الأمر.





    القسم السابع: العزيمة والرخصة:
    العزيمة لغة: مشتقة من العزم وهو القصد المؤكد.
    اصطلاحاً: اختلف عبارات الأصوليين في تعريفها.
    01تعريف الغزالي: [ ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى], وهذا التعريف أخذ عليه بعض العلماء أنه قصره على الإيجاب وهو الإلزام فيخرج من ذلك المندوب والمكروه لأن ليس فيهما إلزام, لكن إذا فسرنا الإيجاب هنا بالطلب فيخرج منه هذا الاحتراز.
    02 تعريف الطوفي في " شرح مختصر الروضة":[ بأنها الحكم الثابت بدليل شرعي خالٍ عن معارض راجح] فيخرج من الحكم الثابت الحكم غير الثابت كالمنسوخ مثلاً فلا يسمى عزيمة لأنه لم يبق مشروعاً أصلاً ويتناول بهذا الأحكام الخمسة كالواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح. وقوله (بدليل شرعي): يحترز به عما ثبت بدليل قطعي فإن ذلك لا يستعمل فيه لفظ العزيمة.
    وقوله ( خالي عن معارض): احتراز عما ثبت بدليل شرعي ولكن وجد له دليل معارض أو مساوٍ أو راجح عليه فإنه يلزم الوقف وتنتفي العزيمة ويطلب المرجح من جهة خارجية.

    وقوله (عن معارض راجح): هذا يخرج الرخصة فإنها حكم ثبت على خلاف الدليل لمعارض راجح كما سيأتي في تعريفها وذلك كتحريم الميتة عند عدم المخمصة مثلاً فإنها عزيمة لأنها حكم خالي من معارض بدليل ثابت وهو قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة ) فإذا وجدت المخمصة حصل المعارض لدليل التحريم وهو قوله تعالى {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }وهو راجح على دليل التحريم حفظاً للنفس فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة, لأن مصلحة إحياء النفس والمحافظة عليها مقدمة على مفسدة الميتة وما فيها من خبث التي حرمت بسببه.ومن هذا التعريف يتبين أن العزيمة تشتمل الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح وليست مختصة بالواجب كما يوهم لفظ الغزالي.
    وقد عرف الحنفية العزيمة بلفظ مقارب لتعريف الطوفي، فقال السرخسي في تعريف العزيمة:[ هي أحكام الشرع وهو ما هو مشروع منها ابتداءً من غير أن يكون متصلاً بعارض ] وهو مقارب لتعريف الطوفي الذي ذكر سابقاً.



    الرخصة :
    لغة: مشتقة من الرخص وهو ضد الغلاء فهي عبارة عن اليسر والسهولة ومنه قولهم: رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء. والرخص في الأمر خلاف التشديد فيه.
    اصطلاحاً: تختلف عبارات الأصوليين فيها ولكنها تتفق في المعنى , ومن أشهر هذه التعريفات تعريف والآمدي:[ الرخصة: ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام الدليل المحرم] يعني: أنه لابد أن تكون الرخصة مشروعة لوجود عذر من الأعذار, وقيام الدليل المحرم يعني أن الأصل باقِ على التحريم أو الوجوب ونحو ذلك؛ مثال ذلك: أن الميتة أبيحت في حال الجوع فهنا شرعت لعذر وهو الجوع ولكن الدليل محرم على أصله فيبقى التحريم على أصله لا يعني أنه يزول بمجرد الترخص.

    وهناك أيضاً تعريف مشهور للإمام الشاطبي في تعريف الرخصة: [ما شرع بعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على موضع الحاجة فيه].
    فقوله(ما شرع بعذر شاق): يشير أن الرخصة لابد أن يكون حكمها مشروعاً لعذر ولا بد أن يكون حكمها استثنائياً من أصل متقرر.
    وقوله (مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه): يشير على أن الرخصة لا بد أن يقتصر فيها على موضع الحاجة.

    وتعريفات الحنفية للرخصة تقترب من تعريفات الجمهور وتتفق معها في المعنى ولذلك فقالوا:[ هي ما استبيح لعذر مع قيام المحرم].


    حكم الرخصة والأخذ بها:
    * الجمهور يجعلون الرخصة على أربعة أقسام من حيث الحكم:-
    القسم الأول رخصة واجبة: ويمثل لها بأكل المضطر للميتة في حال الجوع فإنه في هذه الحالة يكون الأكل واجباً لقوله تعالى: .( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )
    القسم الثاني رخصة مندوبة: ويمثل لها بقصر الصلاة الرباعية في السفر إذا بلغ ثلاثة أيام فصاعداً عند بعض العلماء, ومنه النظر إلى المخطوبة مثلاً, لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعو إلى نكاحها فليفعل))
    ومنه الإبراد بصلاة الظهر إذا اشتد الحر.
    القسم الثالث رخصة مباحة: مثل السلم والإيجار والعرايا ونحو ذلك من العقود الثابتة على خلاف القياس وتعجيل الزكاة قبل مضي الحول, ورؤية الطبيب لعورة الرجل والمرأة عند الحاجة إلى ذلك لكن النظر في الأصل محرم لكنه أبيح هنا لدفع الحرج عن الناس.
    القسم الرابع رخصة على خلاف الأولى: كما في الجمع بين الصلاتين في السفر في غير عرفة ومزدلفة فإن الإفراد أولى خروجاً من خلاف من لا يجيز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة وهم الحنفية, ومنه التلفظ بكلمة الكفر عند عدم الإكراه فإن الأفضل عدمه والتزام الثبات والمصابرة على الدين, ومنه فطر المسافر الصائم الذي لا يجهده السفر لقوله تعالى: .( وأن تصوموا خيرٌ لكم )

    * الإمام الشاطبي يرى أن الأصل في الرخصة من حيث الحكم أن حكمها الإباحة, ويرد على كلام الجمهور أن هذه الأدلة التي أوردها الجمهور للأحكام الأربعة أنها لا تفيد سوى الإباحة فمثل قوله: ( فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه) و كقول الله تعالى: ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) كلها تفيد الإباحة, لكن أدلة الجمهور التي استدلوا بها على الأحكام الأربعة ثبتت بأدلة خارجية ليست هي أدلة الرخصة.
    وفي الواقع أن الجمهور لا يخالفون الشاطبي في واقعه ،فالجمهور من خلال كلامهم أن الرخصة حكمها الإباحة. وحصل الاتفاق أن الرخصة حكمها الإباحة والأخذ بها في الأصل الإباحة, لكن تنتقل الرخصة إلى واجبة أو مندوبة أو مباحة إذا وجدت أدلة تنقلها إلى هذا الأمر. أما أدلة الرخصة نفسها لا تفيد سوى الإباحة فحصل بذلك الاتفاق أن حكم الرخصة الإباحة.
    ونهاية الكلام على حكم الرخصة نختم الكلام على القسم السابع من أقسام الحكم الوضعي وهو العزيمة والرخصة ونختم الكلام في مقرر أصول الفقه للمستوى الأول.
    نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما تعلمنا وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعل ما قدمناه وما سمعناه حجة لنا لا علينا يوم نلقاه وأن يكتب الأجر والمثوبة لمن سعى في إقامة هذه الحلقات وتفريغها. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين






    تم بحمد الله

    المستوى الأول
  • كل شي جميــــــــــــــــــــــــــــــل...
  • السلام عليكم
  • ملخص الحكم الشرعي.. لايفوتــــكم مبسط روعه...
  • السلام عليكم
  • السلام عليكم محتاره
  • مخلص حاتم عوده}{اصوال الفقه}
  • الأعضاء الذين دعوا لـ يارب فرجك على المشاركة المفيدة:
    قديم 11-04-2013 , 01:15
    المشاركة 2
    | ♚مــلــكــة♚


    تاريخ التسجيل: Apr 2012
    الدولة: " أرض الله الوآسعه "
    المشاركات: 12,049
    الجامعة: جامعة الإمام محمد
    الكلية: الاقتصاد والعلوم الاداريه
    المستوى: خريج
    الجنس: أنثى
    عدد الاعجاب :
    • ♚مــلــكــة♚ غير متواجد حالياً
    افتراضي رد: مخلص حاتم عوده}{اصوال الفقه}


    الله يجزآك كل خير ع طرحك ..

    ولكن عندي اقتراح لو تنسخينه بملف الوورد وتنزليه
    يكون افضل بالتحميل واسرع ..

    الله يوفقكك يارب

    :

    :

    :





    الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه
    قديم 11-04-2013 , 04:43
    المشاركة 3
    يارب فرجك
    جامعي متميز
    تاريخ التسجيل: Sep 2012
    المشاركات: 150
    عدد الاعجاب :
    • يارب فرجك غير متواجد حالياً
    افتراضي رد: مخلص حاتم عوده}{اصوال الفقه}
    اقتباس:
    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ♚مــلــكــة♚ مشاهدة المشاركة


    الله يجزآك كل خير ع طرحك ..

    ولكن عندي اقتراح لو تنسخينه بملف الوورد وتنزليه
    يكون افضل بالتحميل واسرع ..

    الله يوفقكك يارب
    اللهم آمين وياكي
    ابشري بأحاول.
    يارب ويسهل الامور على خير
    قديم 11-06-2013 , 12:04
    المشاركة 4
    خالد الغنام
    جامعي قدير
    تاريخ التسجيل: Apr 2013
    الدولة: الرياض
    المشاركات: 298
    الجامعة: جامعة الإمام محمد
    الكلية: كلية الشريعة
    المستوى: المستوى السادس
    الجنس: ذكر
    عدد الاعجاب :
    • خالد الغنام غير متواجد حالياً
    افتراضي رد: مخلص حاتم عوده}{اصوال الفقه}
    جهد عظيم وراااائع ومميز ...

    ولكن هل هذا الملخص لأصول الفقه كامل ومعتمد ؟؟؟؟

    أسأل الله أن يبارك فيك ويشرح صدرك وينور قلبك ؟؟
    قديم 11-06-2013 , 09:40
    المشاركة 5
    يارب فرجك
    جامعي متميز
    تاريخ التسجيل: Sep 2012
    المشاركات: 150
    عدد الاعجاب :
    • يارب فرجك غير متواجد حالياً
    افتراضي رد: مخلص حاتم عوده}{اصوال الفقه}
    اقتباس:
    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد الغنام مشاهدة المشاركة
    جهد عظيم وراااائع ومميز ...

    ولكن هل هذا الملخص لأصول الفقه كامل ومعتمد ؟؟؟؟

    أسأل الله أن يبارك فيك ويشرح صدرك وينور قلبك ؟؟
    الله يوفقنا ويسهل امرنا على كل خير
    اما من ناحيه معتمد. لا هذ مجهود لااتوقع انه معتمد.المعتمد كما قال الاستاذه المحاضرات الصوتيه والمرئيه .
    بس انا وضعته من باب التخليص والتيسير يعني بعد ماتقرا وتسمع المحاضرات يراجع الملخص. لفائده... فما قال الاستاذ انه معتمد...
    الله يفتح على قلوبنا ويسهل كل امرعسير..
    قديم 12-10-2015 , 02:44
    المشاركة 6
    Mira22
    جامعي فعال
    تاريخ التسجيل: Dec 2015
    المشاركات: 11
    الجامعة: جامعة الإمام محمد
    الجنس: ذكر
    عدد الاعجاب :
    • Mira22 غير متواجد حالياً
    افتراضي رد: مخلص حاتم عوده}{اصوال الفقه}
    ماقصرت جزاك الله خير
    إضافة رد
    مواقع النشر (المفضلة)

    الكلمات الدلالية (Tags)
    مخلص , الفقه} , حاتم , عوده}{اصوال

    منتدى أصول الدين م1 اختبار (2) مادة الفقه مستوى اول شريعة

    أدوات الموضوع
    انواع عرض الموضوع

    الانتقال السريع

    المواضيع المتشابهه للموضوع: مخلص حاتم عوده}{اصوال الفقه}
    الموضوع
    أكثر من 600 سؤال تلخيص لمادة أصول الفقه 101 أصل م1
    [متجدد] || [مدارسة ومناقشة] مــادة تاريخ الفقه م2 لعام 1432هـ.1433هـ ||
    [عاجل] جديد اسئلة الفقه واصول الفقه


    - المنتدى لا يتبع لأي جهة بصفة رسمية
    (كل ما ينشر في المنتديات لا يمثل بالضرورة رأي الإدارة و إنما يمثل رأي أصحابه )


    جميع الحقوق محفوظة
    منتديات التعليم عن بعد
    User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2017 DragonByte Technologies Ltd.